لم تعد حسابات حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة مرتبطة بنتيجة الحرب الأمريكية مع إيران وحدها، بل باتت تتجه بصورة متزايدة إلى شكل الترتيبات التي ستعقب الحرب، ومدى قدرة واشنطن على تحويل نتائجها إلى منظومة أمنية تمنع تجدد التهديدات وتقلص من احتمالات اندلاع مواجهة جديدة.
وفي هذا الشأن، قال منير أديب، الخبير في الشؤون الخارجية، إن انتقال التهديد إلى منشآت الطاقة والممرات البحرية والمصالح الاقتصادية الحيوية رفع سقف مطالب حلفاء واشنطن، لمرحلة ما بعد الحرب الأمريكية مع إيران لتشمل ضمانات أمنية واضحة، ومعالجة القدرات الصاروخية والمسيرات، والحد من نفوذ الوكلاء، وتأمين الملاحة والبنية التحتية للطاقة، إلى جانب المشاركة في صياغة الترتيبات السياسية والأمنية المقبلة.
مطالب ما بعد الحرب الأمريكية مع إيران
وأوضح أديب أن هناك عشرة ملفات رئيسية ستحدد إلى حد كبير شكل العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها، وكذلك طبيعة النظام الإقليمي الذي يمكن أن يتشكل بعد انتهاء المواجهة.
اقرأ أيضًا: فاتورة الحرب غير المعلنة.. هل يتحمل الاقتصاد الأمريكي الحرب على إيران؟
ضمانات أمنية أمريكية واضحة
قال أديب إن المطلب الأول يتمثل في حصول الحلفاء على ضمانات أمنية أميركية واضحة ومباشرة، بحيث لا يصبح أمن دول المنطقة جزءا من مساومات محتملة في أي مفاوضات مستقبلية مع طهران.
وأشار إلى أن المطلوب هو تحديد طبيعة الالتزام الأمريكي تجاه أي تهديد جديد بصورة مسبقة، بدلا من ترك الاستجابة رهينة لحسابات كل أزمة على حدة.
تحييد مصادر التهديد الإيراني
وأضاف أن الملف الثاني يتعلق بمنع انتهاء الحرب عند مجرد تجميد الصراع، بحيث تظل مصادر التهديد قائمة وقابلة للاستخدام في مرحلة لاحقة.
وأوضح أن الحلفاء يسعون إلى ترتيبات تقلص قدرة إيران على استخدام أدوات القوة والضغط ضد جيرانها، بما يمنع إعادة إنتاج الظروف نفسها التي قادت إلى المواجهة الحالية.
معالجة خطر الصواريخ والمسيّرات
وأشار أديب إلى أن الصواريخ والطائرات المسيّرة تمثل أحد أخطر التحديات الأمنية، نظرا لقدرتها على استهداف المدن والقواعد العسكرية والمنشآت الحيوية ونقل المواجهة سريعًا إلى عمق الدول.
وأكد أن أي نظام أمني جديد سيكون ناقصا إذا لم يتضمن وسائل فعالة للحد من هذا التهديد وتعزيز قدرات الإنذار والاعتراض والدفاع الجوي.
تفكيك شبكة الوكلاء والميليشيات
وأوضح أن الحلفاء ينظرون كذلك إلى شبكة الوكلاء والجماعات المسلحة المرتبطة بإيران باعتبارها جزءًا أساسيًا من المشكلة الأمنية، وليس ملفا منفصلا عنها.
وقال إن معالجة التهديد داخل إيران وحدها لن تكون كافية إذا ظلت جماعات مسلحة في العراق واليمن ومناطق أخرى قادرة على استخدام القوة وتهديد المصالح الإقليمية.
اقرأ أيضًا: تداعيات الحرب على إيران تصل إلى جيوب الأمريكيين
تأمين الملاحة ومضيق هرمز
ولفت أديب إلى أن حماية الملاحة البحرية، خاصة في مضيق هرمز، أصبحت أولوية ترتبط بالأمن الاقتصادي العالمي بقدر ارتباطها بالأمن العسكري.
وأوضح أن تعطيل هذا الممر أو تهديد ناقلات النفط يمكن أن يؤدي سريعا إلى ارتفاع أسعار الطاقة والتأمين والنقل واضطراب سلاسل الإمداد، بما يجعل حرية الملاحة عنصرا رئيسيا في أي ترتيبات أمنية مقبلة.
حماية منشآت الطاقة
وقال أديب إن المطلب السادس يتعلق ببناء منظومة دفاعية أكثر قدرة على حماية منشآت النفط والغاز والكهرباء والبنية التحتية الحيوية.
وأشار إلى أن حماية هذه المنشآت لا تعني فقط نشر وسائل دفاع إضافية، وإنما تطوير أنظمة إنذار وتبادل معلومات وتنسيق عسكري تمنع استخدامها كأهداف للضغط الاقتصادي والسياسي.
مشاركة الحلفاء في ترتيبات ما بعد الحرب
وأكد أن الدول الحليفة لا تريد أن تكون مجرد متلق لنتائج تفاهمات تُصاغ بعيدا عنها، بل تسعى إلى المشاركة في تحديد شكل الترتيبات السياسية والأمنية التي ستعقب الحرب.
وأضاف أن الدول التي تتحمل التداعيات المباشرة للمواجهة ترى أن لها مصلحة أساسية في تحديد قواعد الأمن الإقليمي وآليات التعامل مع إيران مستقبلًا.
معالجة الكلفة الاقتصادية للحرب
وأشار أديب إلى أن الحرب فرضت أعباء اقتصادية واسعة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والشحن والتأمين واضطراب التجارة وزيادة الإنفاق الدفاعي.
وأوضح أن من بين مطالب الحلفاء وضع آليات تقلل هذه الأعباء وتوزع تكلفة حماية الممرات البحرية والمنشآت الحيوية بصورة أكثر توازنًا بين الأطراف المستفيدة من الاستقرار الإقليمي.
اتفاق قابل للتحقق والتنفيذ
وقال أديب إن أي اتفاق محتمل مع إيران يجب أن يعتمد على آليات واضحة للرقابة والتحقق والتنفيذ، وليس فقط على تعهدات سياسية.
وأوضح أن هذا الملف يختلف عن مسألة تحييد التهديد العسكري، إذ يركز تحديدا على منع استخدام أي تسوية سياسية كفترة تسمح بإخفاء المخالفات أو الالتفاف على الالتزامات المتفق عليها.
قد يهمّك أيضًا: العقوبات الأمريكية على إيران.. هل تدفع طهران للتراجع؟
تحويل التحالف إلى منظومة ردع جماعي
وأكد أديب أن المطلب العاشر يتمثل في إعادة صياغة العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة على أسس أكثر مؤسسية، بحيث تنتقل من الاستجابة الطارئة عند وقوع الأزمات إلى منظومة دائمة للردع الجماعي.
وأوضح أن ذلك يتطلب تنسيقا دفاعيا واستخباراتيا وسياسيا منتظما، وتحديدا واضحا للأدوار والالتزامات، بما يمنح الحلفاء قدرة أكبر على توقع شكل الاستجابة لأي تهديد مستقبلي.
وأكد منير أديب أن نجاح الولايات المتحدة لن يقاس فقط بنتيجة العمليات العسكرية، بل بقدرتها على تحويل هذه النتيجة إلى ترتيبات تمنع اندلاع جولة جديدة من الصراع.
وأوضح أن الاختبار الحقيقي سيكون في بناء نظام قادر على تأمين الطاقة والممرات البحرية، وتقليص خطر الصواريخ والمسيّرات والوكلاء، وفرض قواعد ردع أكثر استدامة.
واختتم أديب بأن الحلفاء لا يبحثون فقط عن نهاية الحرب الأمريكية مع إيران ، وإنما عن بيئة إقليمية أكثر استقرارا وقدرة على منع الأزمات قبل اندلاعها، وهو ما سيحدد في النهاية ما إذا كانت المواجهة قد غيرت بالفعل معادلة الأمن في المنطقة أم أجلت الأزمة إلى مرحلة لاحقة.
