تقارير اقتصادية

    3 سيناريوهات تحدد مستقبل الاقتصاد الإيراني

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •8 دقائق
    الاقتصاد الإيراني

    يدخل الاقتصاد الإيراني مرحلة أكثر تعقيدا خلال أكتوبر 2026، مع استمرار الضغوط الأمريكية وتشديد القيود على صادرات النفط، بالتزامن مع مؤشرات على تحركات دبلوماسية لم تسفر بعد عن انفراجة اقتصادية ملموسة.

    وجاءت العقوبات الأمريكية الجديدة، التي استهدفت في 8 أكتوبر شبكات نقل النفط الإيراني و17 سفينة، لتضيف مزيدا من الضغوط على طهران، في وقت تتراجع فيه إيرادات الطاقة وتتفاقم أزمة السيولة الأجنبية، وسط انخفاض حاد في قيمة الريال وارتفاع تكاليف التجارة والتمويل.

    وبينما تؤكد طهران امتلاك احتياطيات مالية وموارد طبيعية ضخمة، تكشف تطورات الأسواق عن فجوة متزايدة بين حجم الثروات المتاحة وقدرة الاقتصاد على تحويلها إلى سيولة تستخدم في تمويل الواردات والوفاء بالالتزامات الخارجية.

    وأكد الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، أن الأزمة الحقيقية التي تواجه إيران لا ترتبط بندرة الموارد، وإنما بصعوبة الوصول إليها وتحويلها إلى أموال قابلة للاستخدام، مشيرا إلى أن قدرة طهران التاريخية على التكيف مع العقوبات تمثل أحد عناصر قوتها، لكنها لا تمنع استمرار استنزاف مواردها وارتفاع التكلفة الاقتصادية والاجتماعية للصمود.

    وأوضح أن العقوبات لم تعد تستهدف فقط تقليص الإيرادات الإيرانية، بل أصبحت تؤثر في تكلفة نقل السلع وتسوية المدفوعات وإدارة الاحتياطيات، بما يضع الاقتصاد أمام ثلاثة مسارات محتملة، تتراوح بين الاستنزاف التدريجي والاختناق المتسارع والانفراج الجزئي.

    العملة تفقد أكثر من نصف قيمتها

    وأشار العسيلي إلى أن محافظ البنك المركزي الإيراني عبدالناصر همتي أعلن في سبتمبر 2026 توفير أكثر من 18 مليار دولار من العملات الأجنبية منذ بداية السنة الإيرانية في 21 مارس، لتمويل احتياجات البلاد من الواردات الأساسية، مع تأكيد توافر احتياطيات كافية واستعداد البنك لضخ ملياري دولار لدعم العملة المحلية.

    وجاءت هذه التصريحات بالتزامن مع إعلان رئيس بلدية طهران علي رضا زاكاني امتلاك البنك المركزي أكثر من 36 مليار دولار من النقد الأجنبي والذهب، في محاولة لطمأنة الأسواق بشأن قدرة الدولة على مواجهة الضغوط المالية.

    لكن التطورات الفعلية لسوق الصرف عكست استمرار أزمة الثقة، بعدما سجل الدولار نحو 2.688 مليون ريال وفق منصة "Bonbast" خلال تعاملات الثالث من أكتوبر، بينما أظهرت منصة "Alanchand" سعرًا بلغ 2.695 مليون ريال، لتفقد العملة الإيرانية أكثر من نصف قيمتها خلال عام واحد.

    واعتبر العسيلي أن المشكلة لا تكمن في إجمالي الاحتياطيات المعلنة، وإنما في حجم الأموال التي تستطيع السلطات استخدامها دون قيود، خاصة مع تجميد بعض الأصول بالخارج، وارتباط أصول أخرى بالتزامات سابقة أو بترتيبات تسوية مصرفية معقدة.

    وأضاف أن الأسواق لا تتعامل مع الاحتياطيات بوصفها ضمانة مطلقة لاستقرار العملة، بل تقيم قدرة البنك المركزي على توفير الدولار بصورة مستمرة، ومدى انتظام تدفقات النقد الأجنبي الجديدة.

    اقرأ أيضًا: إيران تقترب من استنزاف نفطها العائم.. والريال يواصل الهبوط

    انهيار تحميلات النفط يهدد المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية

    وكشف الخبير الاقتصادي أن قطاع النفط يمثل أبرز نقاط الضغط على الاقتصاد الإيراني، بعدما أظهرت تقديرات شركتي "Kpler" و"Vortexa" انخفاض تحميلات الخام والمكثفات إلى ما بين 220 و255 ألف برميل يوميًا خلال أغسطس، مقابل نحو 740 ألف برميل في يوليو، ومليوني برميل في مارس.

    وتزامن هذا التراجع مع إعادة فرض الحصار البحري الأمريكي في 14 يوليو، ما أعاق عبور الشحنات الإيرانية عبر مضيق هرمز باتجاه المشترين الرئيسيين، وفي مقدمتهم الصين.

    وبحسب بيانات تتبع الناقلات التي نقلتها رويترز، تراجعت حركة الصادرات الإيرانية الجديدة بصورة حادة، فيما أصبحت طهران تعتمد على المخزونات النفطية العائمة في المياه الآسيوية لتلبية جانب من طلب المشترين.

    وأوضح العسيلي أن استمرار استنزاف هذه المخزونات دون تعويضها بشحنات جديدة يهدد قدرة إيران على تحصيل إيرادات منتظمة، حتى مع استمرار إنتاج النفط داخل البلاد.

    ولفت إلى أن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أعلن خلال أكتوبر توقف تحميل شحنات نفط إيرانية جديدة، معتبرا ذلك نتيجة للضغوط الأمريكية.

    وشدد على ضرورة التعامل مع التصريحات الأمريكية باعتبارها صادرة عن طرف مباشر في الصراع، مع الاستناد إلى بيانات شركات تتبع الناقلات لتقييم اتجاه الصادرات، خاصة أن هذه البيانات تقديرية ولا ترصد بالضرورة جميع التحركات البحرية.

    3700 شاحنة عالقة.. التجارة البرية تواجه اختناقًا متزايدًا

    وأوضح العسيلي أن إيران اتجهت إلى توسيع اعتمادها على الطرق البرية لتعويض تراجع التجارة البحرية، بعدما كانت الموانئ الجنوبية تستحوذ على أكثر من 80% من حركة التجارة الخارجية قبل الحرب.

    وشهدت المعابر مع تركيا وباكستان والعراق وأفغانستان وتركمانستان زيادة ملحوظة في حركة الشاحنات، بالتزامن مع ارتفاع التبادل التجاري الإيراني التركي بنسبة 19% خلال النصف الأول من 2026، ليصل إلى نحو 3.2 مليار دولار.

    ورغم أهمية هذه البدائل، فإن محدودية الطاقة الاستيعابية للطرق والمعابر أدت إلى اختناقات لوجستية كبيرة، شملت تكدس نحو 3700 شاحنة على الجانب الإيراني من أحد المعابر الحدودية مع تركيا، واضطرار بعض السائقين للانتظار عدة أسابيع.

    وأكد أن التأخير تسبب في تلف بعض البضائع وزيادة تكاليف النقل والتخزين، ما انعكس على أسعار السلع داخل السوق الإيرانية.

    وأشار إلى أن نقل جزء كبير من التجارة البحرية، التي تشمل نحو مليوني حاوية سنويًا، إلى الطرق البرية يتطلب بنية تحتية وقدرات لوجستية غير متاحة حاليا، الأمر الذي يجعل هذه المسارات بديلًا محدودًا للحفاظ على الحد الأدنى من الإمدادات، وليس لتعويض كامل التجارة البحرية.

    قد يهمّك أيضًا: هرمز مقابل التسوية.. ماذا تحمل خطة إيران الجديدة لواشنطن؟

    مليارا دولار لدعم الريال.. لماذا لم تتوقف خسائر العملة؟

    واعتبر العسيلي أن تدخل البنك المركزي الإيراني بضخ ما يصل إلى ملياري دولار في سوق الصرف يعكس حجم الضغوط التي تواجه السياسة النقدية.

    وأوضح أن هذا المبلغ يعادل تقريبا إيرادات عشرة أيام من صادرات النفط قبل الحرب، على أساس متوسط حصيلة يومية تبلغ 200 مليون دولار، ما يكشف محدودية قدرة التدخلات المؤقتة على معالجة نقص التدفقات الأجنبية.

    وأضاف أن استمرار تراجع الريال رغم تدخل المصارف الحكومية يرتبط بتوقعات المتعاملين بشأن مستقبل المعروض من الدولار، حيث يؤدي احتمال استمرار الحصار وانخفاض الإيرادات النفطية إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية باعتبارها وسيلة للحفاظ على المدخرات.

    ولفت إلى أن تصريحات مساعد محافظ البنك المركزي الإيراني مهدي دارابي، التي أرجعت جزءا من تراجع العملة إلى توقعات أمريكية وصفها بالمضللة، تعكس تأثير العوامل النفسية، لكنها لا تلغي الضغوط الاقتصادية الفعلية الناتجة عن تراجع الصادرات.

    وأكد أن استعادة الاستقرار النقدي تتطلب تحسن التدفقات الخارجية بصورة مستدامة، وليس الاكتفاء بضخ مبالغ محدودة من الاحتياطيات.

    الدين الحكومي المنخفض لا يعني قوة الاقتصاد

    وأشار العسيلي إلى أن انخفاض نسبة الدين الحكومي الإيراني مقارنة باقتصادات أخرى لا يمثل بالضرورة دليلًا على متانة الوضع المالي.

    وبحسب تقديرات مركز البحوث الاقتصادية والأعمال البريطاني "CEBR" ، بلغت نسبة الدين الحكومي نحو 35.6% من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2025، وهي نسبة تتأثر أيضًا بمحدودية قدرة البلاد على الاقتراض الخارجي نتيجة العقوبات.

    وأوضح أن القيود المفروضة على التعامل مع البنوك والأسواق الدولية تقلص خيارات تمويل العجز، ما يجعل الاقتصاد أكثر اعتمادا على الموارد المحلية والسياسات النقدية.

    وفي المقابل، خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد الإيراني من 1.1% في يناير إلى انكماش قدره 6.1% في أبريل، قبل تعديل التقدير إلى انكماش بنسبة 5.4% في يوليو 2026، مع توقع وصول متوسط التضخم إلى 68.9%.

    ووفقًا الخبير، تعكس هذه المؤشرات، تزامن انكماش النشاط الاقتصادي مع ارتفاع الأسعار وصعوبة الحصول على التمويل، بما يزيد احتمالات الاعتماد على التوسع النقدي لتغطية الالتزامات الحكومية.

    ويرى العسيلي أن الضغوط الحالية ليست دليلا قاطعا على انهيار وشيك، مشيرًا إلى أن إيران تمتلك مقومات تمنحها قدرة نسبية على الاستمرار، بينها ارتباطها بسبع دول عبر حدود برية، وخبرتها المتراكمة في التعامل مع العقوبات، فضلًا عن إنتاج نسبة كبيرة من احتياجاتها الغذائية محليًا، تُقدر بنحو 80%.

    لكنه أكد أن استمرار النشاط الاقتصادي لا يعني بالضرورة تحسن الأوضاع، إذ يمكن للاقتصاد أن يواصل العمل عند مستويات أقل من الإنتاج والاستهلاك، مع ارتفاع التضخم واتساع الضغوط المعيشية.

    ثلاثة سيناريوهات تحدد مستقبل الاقتصاد الإيراني

    وأوضح أن مستقبل إيران يرتبط بثلاث سيناريوهات وبمدى استمرار قنوات التجارة والتمويل، وقدرة السلطات على توفير احتياجات السوق دون استنزاف الاحتياطيات بصورة متسارعة.

    السيناريو الأول: الاستنزاف الاقتصادي المزمن

    يرى العسيلي أن استمرار الضغوط بصورة تدريجية يمثل السيناريو المرجعي، مع احتفاظ إيران بحد أدنى من التجارة البرية والصادرات غير النفطية، خصوصًا البتروكيماويات والمعادن والمنتجات الزراعية، إلى جانب استخدام المقايضة.

    وقد يؤدي هذا المسار إلى تراجع تدريجي للريال واستمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، مع تقلص الوزن الاقتصادي للبلاد بمرور الوقت.

    ويتوقف استمراره على بقاء المعابر مفتوحة، ومواصلة الصين استقبال كميات محدودة من الصادرات الإيرانية، وقدرة السلطات على الحفاظ على الاستقرار الداخلي.

    السيناريو الثاني: الاختناق الاقتصادي المتسارع

    يرتبط هذا المسار بتشديد العقوبات الثانوية وامتداد القيود إلى التجارة البرية مع تركيا وباكستان والعراق، أو انخفاض المشتريات الصينية من النفط الإيراني بصورة حادة.

    وقد يؤدي ذلك إلى انقطاع جزء كبير من تدفقات النقد الأجنبي، وتسارع انهيار الريال، وظهور نقص في بعض السلع الأساسية، خصوصًا الأدوية والمواد الغذائية، مع تزايد الضغوط الاجتماعية.

    وأشار العسيلي إلى أن تحقق هذا السيناريو يعتمد على مدى استعداد واشنطن لتحمل التداعيات السياسية والاقتصادية لتوسيع العقوبات على شركاء تجاريين مهمين، وفي مقدمتهم تركيا.

    السيناريو الثالث: الانفتاح الجزئي والتهدئة

    يقوم السيناريو الثالث على إمكانية التوصل إلى تفاهمات تسمح بمرور شحنات نفطية محدودة، أو تقديم إعفاءات جزئية من القيود المفروضة على التجارة والتحويلات المالية.

    وقد يخفف ذلك الضغوط على الريال والاحتياطيات بصورة مؤقتة، لكنه لن يعالج المشكلات الهيكلية المرتبطة بعزلة القطاع المصرفي ونقص الاستثمارات وصعوبات استيراد التكنولوجيا.

    ويرتبط نجاح هذا المسار بوجود مساحة للتفاوض بين واشنطن وطهران، وإمكانية التوصل إلى ترتيبات اقتصادية مؤقتة خارج نطاق الملف النووي.

    المواطن الإيراني يدفع فاتورة الصمود الاقتصادي

    واختتم الدكتور حسين العسيلي تصريحاته بالتأكيد على أن قدرة إيران التاريخية على تحمل العقوبات لا تعني غياب تكلفتها، موضحًا أن المواطنين يتحملون الجزء الأكبر من التداعيات عبر ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية واتساع الفقر وتآكل الطبقة الوسطى.

    وشدد على أن التحدي لم يعد مقتصرًا على قدرة الدولة على مواصلة النشاط الاقتصادي، بل امتد إلى قدرتها على الحفاظ على مستويات المعيشة وتمويل الواردات الأساسية دون استنزاف مواردها.

    وأكد أن الفاصل الحقيقي بين استمرار الاقتصاد الإيراني تحت الضغط ووصوله إلى مرحلة الاختناق يتمثل في قدرة إيران على تحويل مواردها المتاحة إلى تدفقات مالية منتظمة، ومدى استمرار قنوات التجارة والتمويل في العمل خلال المرحلة المقبلة.

    قد يهمّك أيضًا: ما بعد الحرب الأمريكية مع إيران.. 10 مطالب تعيد رسم المنطقة