تقارير اقتصادية

    إيران تقترب من استنزاف نفطها العائم.. والريال يواصل الهبوط

    بقلم باسل محمود••آخر تحديث •3 دقائق
    إيران

    تتقلص قدرة إيران على تحويل النفط إلى عملة صعبة، بين توقف تحميل شحنات خام جديدة وتآكل المخزون الموجود أصلاً على الناقلات في البحر، في وقت يهبط فيه الريال في السوق الحرة إلى مستويات غير مسبوقة.

    تشير تقديرات أولية لتتبع الناقلات النفطية إلى أن إيران لم تُحمّل خاماً جديداً على سفنها خلال سبتمبر، وفق بيانات نُسبت إلى شركتي "كبلر" و"فورتيكسا"، لكن ذلك لا يعني توقف جميع تدفقات النفط بشكل فوري؛ إذ يمكن للشحنات النفطية التي غادرت قبل تشديد القيود البحرية الأميركية أن تصل إلى مشترين، لا سيما في الصين، ولكن المشكلة هنا أن هذا المورد لا يتجدد ما لم تستأنف طهران عمليات تحميل الخام.

    مخزون عائم يؤجل الأزمة

    كانت لدى إيران نحو 90 مليون برميل من الخام على ناقلات خارج منطقة الحصار البحري في منتصف شهر يوليو، بحسب بيانات "كبلر" التي نقلتها تقارير صحفية، وبحلول أوائل شهر سبتمبر، تقلصت هذه الكمية إلى نحو 29 مليون برميل.

    وإذا استمر تصريف هذه الشحنات بوتيرة تقارب مليون برميل يومياً، فقد ينفد المخزون النفطي العائم بين منتصف وأواخر شهر أكتوبر، ويظل ذلك تقديراً مشروطاً بوتيرة التسليم وقدرة الناقلات على الوصول إلى المشترين، وليس إعلاناً بأن إيران ستفقد إنتاجها النفطي أو احتياطياتها.

    وتكمن أهمية هذه الأرقام في أن النفط الموجود لدى طهران في البحر يمنحها مهلة قصيرة فقط، فكل برميل يُفرغ لدى مشترٍ يقلل المخزون المتاح للبيع لاحقاً، بينما تعني عدم وجود تحميلات جديدة أن هذه المهلة لا تُعوّض سريعاً.

    إيران

    بيع البرميل لا يساوي الحصول على الدولار

    لا تتوقف الأزمة الحالية في إيران عند قدرة طهران على بيع النفط، بل تمتد إلى قدرتها على استخدام العائدات الدولارية منه، فالتجارة تحت العقوبات تحتاج إلى وسطاء وشركات شحن وتأمين وقنوات دفع بديلة، وكل حلقة من هذه الحلقات تضيف كلفة ومخاطر وتأخيراً.

    وتركز العقوبات الأميركية على شبكات نقل الإيرادات الدولارية وتمويه مصدرها وتحويلها عبر شركات واجهة ووسطاء ماليين، وهذا يجعل العائد النفطي أقل قابلية للاستخدام داخل طهران في تمويل الواردات أو دعم العملة، حتى عندما تصل الشحنة فعلاً إلى المشتري، ولذلك، لا تقاس الضغوط الحالية على الاقتصاد الإيراني بعدد الناقلات التي تتحرك وحدها، بل بحجم السيولة التي تصل فعلياً إلى الداخل الإيراني وقدرة الحكومة على إنفاقها خارج القنوات التجارية التي تواجه العديد من القيود.

    اقرأ أيضاً: عام على "آلية الزناد".. كم تدفع إيران لاستمرار تجارتها؟

    الريال يترجم شح العملة الصعبة

    سجل سعر صرف الريال الإيراني في السوق الحرة أكثر من 2.5 مليون ريال مقابل الدولار في أواخر سبتمبر، بعد أن كان قد لامس 2.2 مليون ريال في وقت سابق من الشهر نفسه، وهذا السعر يخص السوق غير الرسمية، لا السعر الرسمي الذي تحدده السلطات.

    ويعكس انهيار العملة الإيرانية زيادة الطلب على الدولار بوصفه ملاذاً لحفظ القيمة، مع تراجع المعروض من النقد الأجنبي وارتفاع صعوبة تمويل الواردات، ومع كل هبوط جديد للعملة الإيرانية، ترتفع كلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، ثم تنتقل الضغوط إلى أسعار الغذاء والدواء والسلع اليومية.

    التضخم في إيران يتجاوز سوق الصرف

    لا يقتصر الضرر على سوق العملات فقط، إذ يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الناتج المحلي الحقيقي لإيران بنسبة 5.4% خلال 2026، مع تضخم متوقع عند 68.9% وفق تقديراته الأخيرة، وهذا الأرقام توضح أن الاقتصاد الإيراني يواجه أزمة أوسع من مجرد تقلب سعر الدولار، وكلما ضعفت قدرة إيران على تحصيل عائدات النفط أو إعادة استخدامها، أصبحت الحكومة أمام خيارات أصعب، إما تقليص الواردات، أو استنزاف احتياطيات محدودة، أو السماح بارتفاع أكبر في الأسعار وسعر الصرف.

    اقرأ أيضاً: إيران ترفع الراية البيضاء .. كيف خنق الحصار اقتصادها؟

    الاختبار الحقيقي في الأسابيع المقبلة

    سيتحدد مسار الأزمة بثلاثة عوامل، الأول عودة تحميل الخام من الموانئ، والثاني حجم النفط العائم المتبقي، أمام العام الثالث فهو قدرة طهران على تحويل عائدات بيع النفط إلى أموال قابلة للاستخدام، فإيران لا تقترب من نفاد النفط بالمعنى الجيولوجي، لكنها تقترب من استنزاف موردها المؤقت من البراميل المحملة مسبقاً.

    وإذا لم تُستأنف تدفقات جديدة أو تتسع قنوات الدفع، فقد يتحول النفط من أصل قابل للبيع إلى مخزون محاصر في البحر، بينما يدفع الريال والمستهلك الإيراني كلفة الفجوة.