تقارير اقتصادية

    عام على "آلية الزناد".. كم تدفع إيران لاستمرار تجارتها؟

    بقلم باسل محمود••آخر تحديث •3 دقائق
    إيران

    تبيع إيران نفطها وتبحث عن طرق لتحصيل ثمنه، لكن كل حلقة إضافية في هذه العملية تقتطع جزءاً من العائد، فبين خصومات الأسعار، وعمولات الوسطاء، وكلفة الشحن والتحويلات المالية، تتحول القدرة على تجاوز العقوبات إلى عبء اقتصادي يتراكم مع كل صفقة.

    وبعد عام على إعادة العقوبات الأممية عبر "آلية الزناد"، تبرز كلفة استمرار التجارة باعتبارها أحد أهم مؤشرات الضغط على طهران، فبقاء الصادرات لا يكشف وحده مقدار الأموال التي تصل فعلياً إلى البلاد، أو الوقت اللازم لتحصيلها، أو القيود المفروضة على استخدامها.

    وأُعيد تطبيق العقوبات ليل 27 - 28 سبتمبر 2025، بعد انتهاء المهلة المحددة دون إقرار استمرار تخفيفها، وتشمل القيود الأممية أنشطة نووية وصاروخية وأسلحة وأصولاً لأفراد وكيانات محددة، بينما تخضع تجارة النفط وشبكات تمويلها لعقوبات أميركية أوسع؛ ما يجعل الفصل بين المسارين ضرورياً عند تقييم الأثر الاقتصادي.

    نفط إيران يصل.. لكن بعائد أقل

    تساعد شبكات الشحن والتمويل البديلة إيران على الوصول إلى مشترين رغم القيود، إلا أن هؤلاء المشترين يطلبون مقابلاً لتحمل مخاطر التعامل معها، ويظهر هذا المقابل في السعر، وشروط الدفع، والخدمات المرتبطة بنقل الشحنة وتسويتها.

    ونقلت دراسة نشرها معهد "كلينغندال" الهولندي في يناير 2026 أن خصومات الخام الإيراني مقارنة بخام برنت اتسعت من نطاق يتراوح بين 3 و6 دولارات للبرميل إلى ما بين 8 و10 دولارات أواخر 2025، بالتزامن مع ارتفاع مخاطر الشحن والتأمين والتسويات المالية، وتخص هذه التقديرات تلك الفترة، ولا تمثل قياساً للخصومات الحالية.

    ويمنح اعتماد طهران الكبير على المشترين الصينيين منفذاً لاستمرار التصدير، لكنه يعزز أيضاً قدرتهم على التفاوض، فكلما ضاقت البدائل أمام البائع، أصبح الحفاظ على الكميات مرتبطاً بتقديم شروط أكثر جاذبية للمشتري.

    وفي مثال على حجم التنازلات المحتملة، قالت وزارة الخزانة الأميركية في نوفمبر 2025 إن شركة "سبهر إنرجي جهان"، المرتبطة بمبيعات نفط لحساب القوات المسلحة الإيرانية، كانت مستعدة لتقديم خصم قدره 17 دولاراً للبرميل في صفقة مقترحة، ويتعلق هذا الرقم بعرض محدد، وليس بمتوسط خصومات النفط الإيراني.

    إيران

    الوسطاء يقتطعون من حصيلة البيع

    تستمر التكاليف حتى بعد الاتفاق على السعر، فالصفقة قد تحتاج إلى شركات واجهة، ووسطاء للنقل والتحصيل، ومسارات مالية متعددة، ويتقاضى كل طرف مقابلاً لخدمته والمخاطر التي يتحملها.

    ويقول خبراء في الاقتصاد الدولي، إن إيران طورت أدوات تشمل المقايضة والذهب والعملات غير الدولارية والعملات الرقمية، ولكن لهذه البدائل أعباءها؛ فالذهب يحتاج إلى التخزين والتسييل، بينما تقل سيولة بعض العملات واتساع استخدامها مقارنة بالدولار، وتضيف المقايضة والعمولات وقتاً وكلفة إلى المعاملات.

    ويختصر الخبراء هذه العلاقة بقولهم: "كل وسيط يأخذ نسبة"، وبذلك قد تتمكن طهران من بيع السلعة، ثم تواجه صعوبة في تحويل حصيلتها إلى أموال متاحة لتمويل احتياجات الاقتصاد.

    وفي ديسمبر 2025، قالت الخزانة الأميركية إن إجراءاتها طالت أكثر من 180 سفينة مرتبطة بنقل النفط والمنتجات الإيرانية منذ عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة، واعتبرت الوزارة أن ذلك رفع كلفة التصدير وخفض العائد من كل برميل.

    اقرأ أيضاً: هرمز مقابل التسوية.. ماذا تحمل خطة إيران الجديدة لواشنطن؟

    الضغط يمتد إلى وسائل الالتفاف

    اتسع نطاق الاستهداف الأميركي في 24 أغسطس 2026 مع إطلاق حملة "المنبوذ الاقتصادي"، التي وسعت الأنشطة المعرضة للعقوبات الثانوية في قطاعات الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن.

    وتعني العقوبات الثانوية أن المخاطر قد تمتد إلى جهات أجنبية تتعامل مع إيران، بما يزيد تردد المصارف والموردين وشركات النقل في المشاركة بهذه المعاملات، واقتصادياً، قد يؤدي تقلص عدد مقدمي الخدمات إلى إطالة الإجراءات ورفع العمولات المطلوبة.

    ويقدم الطيران مثالاً واضحاً على اتساع القيود، ففي 8 سبتمبر 2026، أعلنت الخزانة الأميركية عقوبات على 36 هدفاً، بينها 27 شركة طيران إيرانية، إضافة إلى جهات قالت إنها تسهّل الحصول على طائرات وتقنيات عبر وسطاء ودول ثالثة.

    ولا تقيس هذه القرارات وحدها حجم التعطل الفعلي، لكنها توضح مصادر الضغط التشغيلي من خلال صعوبة العثور على مورد، وتأخر التوريد، والحاجة إلى ترتيبات تمويل ونقل أكثر تعقيداً.

    اقرأ أيضاً: إيران ترفع الراية البيضاء .. كيف خنق الحصار اقتصادها؟

    استنزاف اقتصادي بلا نتيجة سياسية مضمونة

    يرى خبراء أن العقوبات تستنزف قدرات الدولة تدريجياً، لكنها لا تضمن تغييراً سياسياً سريعاً، فقد تعيد الحكومة توزيع مواردها، وتمنح الأولوية للغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج، وتتحمل كلفة أعلى للحفاظ على تدفقات أساسية.

    وهنا تظهر حدود قراءة العقوبات من خلال حركة الناقلات وحدها، فاستمرار الشحنات عبر مضيق هرمز، يكشف قدرة على التكيف، بينما تكشف الخصومات والعمولات وتأخر التحصيل مقدار ما يُستهلك من عوائد هذا التكيف.

    لذلك، يتطلب تقييم الضغط على إيران متابعة صافي الإيرادات المتاحة للاستخدام، وكلفة الواردات، وسرعة وصولها إلى المنتجين والمستهلكين، فقد تستمر التجارة، فيما تتراجع الأموال والموارد التي يحصل عليها الاقتصاد مقابلها.