المؤسسات المالية

    لماذا ثبّت البنك المركزي أسعار الفائدة في مصر؟

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •6 دقائق
    أسعار الفائدة في مصر
    البنك المركزي المصري

    قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، اليوم الخميس، الإبقاء على أسعار الفائدة في مصر دون تغيير.

    وأوضح البنك المركزي، في بيان، أن اللجنة قررت تثبيت سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19%، وسعر عائد الإقراض لليلة واحدة عند 20%، وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي عند 19.50%.

    وأكد الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، أن قرار لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري تثبيت أسعار الفائدة جاء متوافقًا مع القراءة الحذرة للمعطيات الاقتصادية الحالية، ويعكس توجهًا يقوم على "الانتظار الذكي" بدلًا من التسرع في بدء دورة خفض الفائدة قبل التأكد من استدامة تراجع الضغوط التضخمية.

    وقال شوقي إن القرار ابتعد عن سيناريو الخفض المبكر، وفي الوقت نفسه تجنب اللجوء إلى رفع جديد للفائدة، بما يعكس محاولة البنك المركزي الحفاظ على التوازن بين السيطرة على التضخم، واستقرار سوق الصرف، وتكلفة الدين، واحتياجات النشاط الاقتصادي.

    وأوضح أن قرار التثبيت يحمل رسائل مهمة للمستثمرين والقطاع المصرفي والشركات والأفراد، ويمكن قراءته من خلال عدد من المحاور الرئيسية.

    المركزي يتحوط من ارتداد التضخم

    وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن المحور الأول يتعلق بـامتصاص الضغوط التضخمية، موضحًا أنه رغم التراجع التدريجي في معدلات التضخم السنوية، فإن البنك المركزي لا يزال يتعامل بحذر مع التأثيرات المباشرة وغير المباشرة للزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات والخدمات.

    وأضاف أن تثبيت أسعار الفائدة يمثل في هذه الحالة إجراءً احترازيًا يسمح للبنك المركزي بمراقبة تطورات التضخم، ولا سيما التضخم الأساسي، والتأكد من عدم حدوث موجة ارتدادية في الأسعار قبل الانتقال إلى مرحلة التيسير النقدي.

    وأكد شوقي أن التسرع في خفض الفائدة في هذه المرحلة كان يمكن أن يضيف ضغوطًا جديدة، بينما يوفر التثبيت مساحة زمنية لتقييم مدى استيعاب الأسواق للزيادات الأخيرة وتأثيراتها غير المباشرة على أسعار السلع والخدمات.

    الحفاظ على الفائدة الحقيقية الموجبة

    وقال شوقي إن المحور الثاني يتمثل في الحفاظ على العائد الحقيقي وجاذبية أدوات الدين الحكومية، موضحًا أن استمرار أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية يساعد على الإبقاء على نطاق "سعر الفائدة الحقيقي الموجب"، أي أن يكون سعر الفائدة أعلى من معدل التضخم المتوقع.

    وأوضح أن هذا العامل يمثل أداة مهمة للاقتصاد المصري في المرحلة الحالية، سواء من ناحية حماية القوة الشرائية لمدخرات الأفراد أو من خلال الحفاظ على جاذبية أذون وسندات الخزانة للمستثمرين الأجانب في ظل المنافسة الإقليمية والدولية على رؤوس الأموال.

    وأضاف أن وجود فارق جاذب بين أسعار الفائدة المحلية ومستويات التضخم، إلى جانب الفائدة في الأسواق الدولية، يمثل أحد العوامل التي ينظر إليها المستثمر الأجنبي عند اتخاذ قرار الاستثمار في أدوات الدين المصرية.

    اقرأ أيضًا: اقتصاد مصر يخالف التوقعات.. كيف صمد أمام أزمات المنطقة؟

    معادلة بين تكلفة الدين ودعم النشاط الاقتصادي

    وأشار شوقي إلى أن البنك المركزي يقف أمام معادلة دقيقة عند تحديد أسعار الفائدة؛ فاختيار رفع الفائدة كان سيؤدي إلى زيادة أعباء خدمة الدين العام والضغط على تكلفة التمويل للقطاع الخاص، بينما كان الخفض المبكر يحمل مخاطر مرتبطة بالتضخم واستقرار سوق الصرف.

    وأوضح أن تثبيت الفائدة جاء، في هذا السياق، باعتباره حلا متوازنا يحافظ على درجة من الاستقرار المالي دون فرض أعباء إضافية على قطاعات الأعمال أو الموازنة العامة.

    القطاع المصرفي في مقدمة المستفيدين

    وحول تأثير القرار على القطاعات المختلفة، قال شوقي إن القطاع المصرفي والبنوك يأتي في مقدمة المستفيدين من استمرار أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية.

    وأوضح أن البنوك يمكنها الاستمرار في تحقيق هامش صافي عائد مرتفع «Net Interest Margin – NIM»، في ظل قدرتها على توظيف السيولة عند مستويات عائد مرتفعة.

    وأضاف أن استقرار أسعار الفائدة في مصر يتيح للبنوك مواصلة إدارة أصولها والتزاماتها دون الحاجة إلى تحمل تكلفة سريعة لإعادة التسعير، وهو ما يدعم الربحية التشغيلية للقطاع المصرفي خلال الأرباع المقبلة.

    المدخرون يستفيدون من استمرار العوائد المرتفعة

    وأشار شوقي إلى أن أصحاب الشهادات والأوعية الادخارية يمثلون أيضًا أحد الأطراف المستفيدة، إذ يسمح استمرار الفائدة عند المستويات الحالية للمدخرين بالحفاظ على عائد حقيقي موجب مع تراجع معدلات التضخم السنوية مقارنة بمستوياتها المرتفعة السابقة.

    وأوضح أن الأوعية الادخارية ذات العائد المرتفع تظل في هذه الظروف أداة مناسبة لحماية رؤوس الأموال الصغيرة والمتوسطة من التآكل الناتج عن التضخم، إلى جانب توفير تدفق نقدي ثابت وآمن للمدخرين.

    رسالة إيجابية للأموال الساخنة

    وأضاف الخبير الاقتصادي أن القرار يبعث كذلك برسالة إلى المستثمرين الأجانب في أدوات الدين الحكومية بشأن استمرار وجود عائد جاذب يعوض مخاطر التضخم أو تقلص الفارق بين أسعار الفائدة المحلية والدولية.

    وأوضح أن استمرار جاذبية أذون وسندات الخزانة يمكن أن يدعم تدفقات واستقرار السيولة الدولارية داخل سوق أدوات الدين، وهو ما ينعكس على دعم الاحتياطي من النقد الأجنبي واستقرار سوق الصرف.

    الموازنة العامة تتحمل تكلفة استمرار الفائدة المرتفعة

    وفي المقابل، قال شوقي إن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة يفرض أعباء على الموازنة العامة للدولة بسبب ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي وخدمة الدين العام.

    وأوضح أن النتيجة تتمثل في زيادة مخصصات فوائد الدين داخل الموازنة، بما يمكن أن يضغط على حجم الموارد المتاحة للإنفاق الاستثماري والرأسمالي والتنموي، مع استمرار الحاجة إلى الوفاء بالتزامات أدوات الدين.

    الشركات تواجه استمرار تكلفة التمويل المرتفعة

    وأشار شوقي إلى أن القطاع الخاص والشركات الراغبة في التوسع الائتماني تظل من أكثر الأطراف تأثرًا باستمرار الفائدة المرتفعة، في ظل بقاء تكلفة رأس المال عند مستويات مرتفعة بالنسبة للمشروعات التي تعتمد على التسهيلات الائتمانية.

    وأضاف أن هذا الوضع قد يدفع بعض الشركات إلى تأجيل خطط الإنفاق والتوسع الرأسمالي "CAPEX" وإرجاء الحصول على قروض استثمارية إلى حين بدء دورة التيسير النقدي.

    وأوضح أن استمرار هذا الوضع لفترة طويلة يمكن أن ينعكس على وتيرة نمو النشاط الاقتصادي، ولا سيما نمو الناتج المحلي الإجمالي في القطاع غير النفطي.

    التمويل العقاري والقروض الشخصية تحت الضغط

    وقال شوقي إن قطاع التمويل العقاري والمستهلك النهائي يتأثران بدورهما باستمرار الفائدة المرتفعة، نتيجة ارتفاع الأقساط الشهرية المرتبطة بالتمويل العقاري غير المدعوم والقروض الشخصية.

    وأضاف أن ارتفاع تكلفة الاقتراض يضغط على القوة الشرائية للمستهلك، ويحد من الطلب الآجل على السلع المعمرة والعقارات مقارنة بالفترات التي تكون فيها أسعار الفائدة منخفضة.

    لماذا اختار المركزي تثبيت أسعار الفائدة في مصر ؟

    وأوضح شوقي أن البنك المركزي يتحرك دائمًا بين كفتين أساسيتين؛ الأولى هي كبح التضخم والحفاظ على استقرار سعر صرف الجنيه، والثانية هي تحفيز النمو الاقتصادي وخفض أعباء الدين العام.

    وقال إن قرار تثبيت الفائدة لا ينبغي النظر إليه باعتباره موقفًا سلبيًا أو غيابًا للتحرك، وإنما باعتباره "استراحة أسلحة تكتيكية" تتيح للمركزي اختبار المدى الزمني الذي يحتاجه السوق لامتصاص الآثار الثانية لارتفاع أسعار المحروقات والخدمات.

    وأضاف أن التثبيت يهدف كذلك إلى تجنب الخفض المبكر الذي قد يهدد بعض المكاسب التي تحققت في استقرار سوق الصرف، قبل التأكد من اتجاه التضخم الأساسي نحو المستهدفات المعلنة.

    اقرأ أيضًا: هل يُسقط استحواذ الأهلي على بنك مصر الإجراءات الأمريكية؟

    المرحلة الحالية تتطلب إدارة حذرة للمدخرات والسيولة

    وفيما يتعلق بالأفراد، قال شوقي إن استمرار الفائدة عند مستوياتها الحالية يوفر فرصة للاستفادة من الأدوات الادخارية الآمنة في حماية المدخرات، خاصة في ظل استمرار العوائد المرتفعة.

    أما بالنسبة إلى الشركات والمستثمرين، فأوضح أن القرار يمثل إشارة إلى ضرورة تنظيم التدفقات النقدية بعناية والبحث عن أدوات تمويل مبتكرة، مع دراسة توقيت أي توسعات تعتمد بصورة كبيرة على الائتمان مرتفع التكلفة.

    واختتم الدكتور أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن التوسع القائم على الاقتراض يمكن إرجاؤه، كلما كان ذلك ممكنا، إلى حين اتضاح موعد بدء دورة التيسير النقدي، والتي ستظل مرتبطة بدرجة اطمئنان البنك المركزي إلى اتجاه التضخم وقدرة الاقتصاد على استيعاب خفض الفائدة دون التسبب في ضغوط جديدة على الأسعار أو سوق الصرف.