مختارات إكونوميبيديا

    لماذا يفشل المتفوقون عندما يصبحون مديرين؟

    تبدو الترقية الإدارية مكافأة طبيعية للموظف المتفوق، لكنها قد تتحول إلى اختبار صعب عندما تتطلب الوظيفة الجديدة مهارات مختلفة. تكشف الأبحاث كيف تؤثر معايير الترقية في أداء المديرين، وتشرح مبدأ بيتر، وتوضح لماذا تحتاج المؤسسات إلى تقييم القدرات القيادية والتدريب قبل نقل الموظفين إلى مناصب إدارية.

    بقلم Onboarding Account••آخر تحديث •8 دقائق
    الترقية الإدارية والانتقال من التفوق الوظيفي إلى إدارة الفريق

    قد تكون الترقية الإدارية أكبر اختبار يواجهه الموظف المتفوق في مسيرته المهنية. فالشخص الذي يحقق أعلى المبيعات أو ينجز المهام بكفاءة استثنائية ليس بالضرورة الأقدر على إدارة فريق أو تطوير أداء الآخرين. والمفارقة أن المؤسسات قد تكافئ الموظف على المهارات التي جعلته ناجحاً في وظيفته السابقة، ثم تضعه في منصب يتطلب مهارات مختلفة تماماً. وتكشف أبحاث إدارية أن طريقة اختيار المديرين قد تسهم في هذه المشكلة، وتطرح سؤالاً جوهرياً: هل نرقّي الموظف لأنه الأقدر على القيادة، أم لأنه الأفضل في وظيفته الحالية؟

    قد تبدأ القيادة المهنية من مهمة لا يرغب أحد في توليها، أو مشروع يحتاج إلى من يتحمل مسؤوليته، أو مشكلة يتجنب الفريق مواجهتها. ففي بيئة العمل، لا يتحدد الاستعداد للقيادة بالمسميات الوظيفية وحدها، بل يظهر أيضاً في القدرة على المبادرة، وإنجاز المهام، وبناء الثقة، والتعاون مع الآخرين. لكن هذا المسار لا يعني أن الموظف الذي يعمل بجد سيحصل تلقائياً على ترقية؛ فالوصول إلى المناصب القيادية يتأثر كذلك بقرارات الإدارة، ومعايير الاختيار، والفرص المتاحة داخل المؤسسة.

    والفارق الأساسي هنا هو بين السعي إلى اللقب الوظيفي والاستعداد لتحمل المسؤوليات التي يتطلبها الدور القيادي. فقد ينشغل الموظف بمراقبة فرص الترقية، بينما يركز آخر على تطوير خبرته، وحل المشكلات، ومساعدة فريقه على تحقيق أهدافه. ومع مرور الوقت، يمكن أن تمنح هذه الممارسات الموظف الثاني سجلاً عملياً يثبت قدرته على التعامل مع مسؤوليات أوسع، شريطة أن تكون المؤسسة قادرة على ملاحظة هذا الأداء وتقييمه بصورة عادلة.

    كيف تبدأ القيادة المهنية؟

    لا تحتاج الخطوة الأولى نحو القيادة إلى منصب إداري رسمي. فقد تبدأ بقيادة مشروع محدود، أو تنسيق العمل بين أقسام مختلفة، أو مساعدة زملاء أقل خبرة، أو تحمل مسؤولية مشكلة تتطلب تعاون عدة أشخاص. وتمنح هذه التجارب الموظف فرصة لاختبار مهارات لا تظهر بالضرورة في إنجاز مهامه الفردية، مثل التواصل، وتحديد الأولويات، وإدارة الخلافات، وتحمل نتائج القرارات.

    وتكمن أهمية هذه المسؤوليات في أنها تكشف جانباً مختلفاً من الأداء المهني. فالموظف قد يكون ممتازاً في تنفيذ مهامه الخاصة، لكن قيادة مشروع تتطلب منه أيضاً توزيع العمل، ومتابعة التقدم، والتعامل مع العقبات، والتنسيق مع أشخاص لديهم أولويات مختلفة. وبذلك، يصبح الانتقال من الإنجاز الفردي إلى تحقيق نتائج من خلال الآخرين اختباراً عملياً للاستعداد لأدوار قيادية أكبر.

    اقرأ أيضا: الرأسمالية.. هل أكلت العالم الذي صنعته؟

    لكن المبادرة وحدها لا تكفي. إذ ينبغي أن تكون المسؤولية الإضافية مرتبطة بهدف واضح، وأن تتناسب مع الوقت والموارد المتاحة، وألا تتحول إلى عبء دائم لا يقابله تقدير أو صلاحيات مناسبة. فالموظف لا يحتاج إلى قبول كل مهمة إضافية لإثبات جدارته، بل إلى اختيار الفرص التي توسع خبرته وتضيف قيمة حقيقية إلى عمله.

    القيادة الخادمة وبناء الثقة

    يرتبط هذا المسار بمفهوم «القيادة الخادمة»، الذي صاغه المفكر الإداري روبرت غرينليف في مقال نشره عام 1970 بعنوان The Servant as Leader. وتقوم الفكرة على أن القائد يبدأ بالاهتمام باحتياجات الآخرين وقدرتهم على النمو، ثم يتولى القيادة بوصفها وسيلة لخدمة الفريق وتحسين أدائه، لا باعتبارها مجرد مصدر للسلطة والنفوذ.

    ولا تعني القيادة الخادمة أن يتنازل الموظف عن طموحه المهني أو أن يعمل بلا مقابل إضافي. بل تعني أن يربط استخدامه للسلطة والمسؤولية بتحقيق أهداف مشتركة، وأن يساعد الآخرين على تطوير قدراتهم، وأن يقيس نجاحه بما يحققه الفريق، وليس بإنجازاته الشخصية وحدها. ومن هذا المنظور، تصبح الثقة نتيجة تتراكم عبر المواقف: الوفاء بالالتزامات، والوضوح في التواصل، وتحمل المسؤولية عند حدوث الأخطاء، ونسب الفضل إلى أصحاب الجهد.

    وتدعم أبحاث الدافعية في بيئة العمل أهمية النظر إلى ما يتجاوز المكافآت المالية وحدها. ففي مراجعة بحثية نشرتها دورية Annual Review of Organizational Psychology and Organizational Behavior عام 2017، تناول إدوارد ديسي وأنيا أولافسن وريتشارد رايان نظرية التحديد الذاتي، التي تميز بين الدوافع المختلفة للعمل، وتوضح أهمية الاستقلالية والشعور بالكفاءة والارتباط بالآخرين في دعم الدافعية وجودة الأداء والرفاه المهني. لكن ذلك لا يعني أن الراتب والمكافآت غير مهمين؛ فالدافع الداخلي لا يعوض الأجر العادل أو بيئة العمل المناسبة.

    لماذا لا تكفي الإنتاجية للترقية؟

    قد يحقق الموظف أفضل النتائج في وظيفته الحالية، من دون أن يكون بالضرورة الأنسب لإدارة فريق يؤدي الوظيفة نفسها. فالمهارات التي ترفع المبيعات، أو تسرّع إنجاز المهام، أو تحسن الأداء الفني، تختلف جزئياً عن المهارات اللازمة لتوزيع العمل، وتطوير الموظفين، وحل النزاعات، واتخاذ القرارات التي تؤثر في الآخرين.

    وتقدم دراسة أكاديمية منشورة عام 2019 في The Quarterly Journal of Economics اختباراً عملياً لهذه المشكلة. فقد حلل الباحثان آلان بنسون ودانيال لي وكيلي شو بيانات 38,843 موظفاً لدى 131 شركة أميركية، وشملت العينة 1,553 موظفاً تمت ترقيتهم إلى وظائف إدارية خلال الفترة المدروسة بين عامي 2005 و2011. وركزت الدراسة على موظفي المبيعات، حيث وجدت أن الأداء البيعي القوي قبل الترقية ارتبط باحتمال أكبر للحصول عليها، لكنه ارتبط أيضاً بأداء إداري أضعف بعد الترقية في العينة المدروسة.

    ولا تثبت هذه النتيجة أن الموظفين المتفوقين في المبيعات يفشلون دائماً في الإدارة، كما لا يمكن تعميمها آلياً على جميع المهن والقطاعات. لكنها توضح خللاً محتملاً في آليات الاختيار: عندما تكافئ المؤسسة الأداء السابق وحده، فقد تمنح المنصب لشخص لم تُختبر قدرته على أداء المهام الجديدة. لذلك ينبغي أن تشمل قرارات الترقية تقييم إمكانات المرشح القيادية، وخبرته في التعاون، وقدرته على تطوير أداء الآخرين، إلى جانب إنجازاته السابقة.

    مبدأ بيتر ومخاطر الترقيات

    تُعرف هذه المشكلة باسم «مبدأ بيتر»، نسبة إلى لورنس بيتر وريموند هال، اللذين قدما المفهوم في كتابهما The Peter Principle الصادر عام 1969. وتقوم الفكرة على أن الموظفين في المؤسسات الهرمية قد يستمرون في الحصول على ترقيات بناءً على نجاحهم في وظائفهم السابقة، إلى أن يصل بعضهم إلى وظيفة لا تتناسب مهاراتهم معها.

    وتظهر المشكلة عندما تتغير طبيعة العمل بعد الترقية من دون أن تتغير معايير الاختيار بما يكفي. فموظف المبيعات يعتمد على فهم العملاء والتفاوض وإغلاق الصفقات، بينما يحتاج مدير المبيعات أيضاً إلى تدريب الفريق، وتوزيع الأهداف، وتحليل الأداء، والتعامل مع ضعف النتائج. وإذا كانت المؤسسة تكافئ الإنجاز الفردي من دون تقييم القدرة على إدارة الآخرين، فقد تختار مرشحاً بارعاً في وظيفته السابقة لكنه أقل استعداداً للوظيفة الجديدة.

    اقرأ أيضا: نفوذ الولايات المتحدة.. هل تتآكل قوة أمريكا العالمية؟

    وتذهب الدراسة المنشورة في The Quarterly Journal of Economics إلى أن سياسة الترقية التي تعطي وزناً كبيراً لأداء الموظف السابق قد تأتي على حساب اختيار المدير الأكثر ملاءمة. وقدّر الباحثون أن جودة الإدارة في العينة التي درسوها كان يمكن أن تكون أعلى بنسبة تصل إلى 30% في ظل سياسة بديلة تستهدف تحسين اختيار المديرين. وهذه نتيجة مرتبطة ببيانات الدراسة ونموذجها، وليست تقديراً لخسائر جميع الشركات أو دليلاً على أن كل ترقية خاطئة.

    وتشير هذه النتائج إلى أن المسؤولية لا تقع على الموظف وحده. فالمؤسسة تحتاج إلى مسارات مهنية تتيح التقدم من دون إجبار الموظف على الإدارة، وإلى تدريب يسبق الترقية أو يصاحبها، وإلى تقييم يستند إلى متطلبات المنصب الجديد. كما ينبغي ألا تتحول الترقية إلى المكافأة الوحيدة المتاحة للموظف المتميز؛ إذ يمكن للمؤسسات الاحتفاظ بالخبراء وتقديرهم من خلال مسارات تخصصية تمنحهم فرصاً للنمو والتعويض المالي من دون نقلهم إلى أدوار إدارية لا تناسبهم.

    كيف تتعلم القيادة عملياً؟

    تُعد المهام التي توسع نطاق مسؤولية الموظف من الوسائل المهمة لتطوير المهارات القيادية. ويشير مركز القيادة الإبداعية (Center for Creative Leadership) إلى أن الموظف يستطيع اكتساب خبرات قيادية من خلال مهام تطويرية داخل وظيفته الحالية، أو المشاركة في مشروعات مؤقتة، أو تولي مسؤوليات تتطلب العمل خارج حدود قسمه المعتاد. وتتيح هذه التجارب ممارسة مهارات جديدة قبل الانتقال إلى منصب أعلى.

    ويمكن تحويل هذه الفكرة إلى خطوات عملية. أولاً، اختيار مشروع له هدف واضح ونتيجة يمكن قياسها. ثانياً، تولي مسؤولية التنسيق بين المشاركين بدلاً من الاكتفاء بتنفيذ الجزء الخاص بالموظف. ثالثاً، طلب ملاحظات من المدير والزملاء حول أسلوب التواصل واتخاذ القرار. وأخيراً، مراجعة النتائج وتحديد المهارات التي تحتاج إلى تطوير قبل قبول مسؤوليات أكبر.

    ويمكن للموظف أيضاً الاستفادة من مفهوم «تصميم الوظيفة»، الذي بحثته آيمي فرزنيسكي وجين داتون في دراسة نشرتها Academy of Management Review عام 2001. ويشير المفهوم إلى قدرة العاملين على تعديل بعض جوانب مهامهم أو علاقاتهم المهنية أو الطريقة التي ينظرون بها إلى عملهم، بما يغير تجربتهم المهنية ومعنى الوظيفة بالنسبة إليهم. لكن هذه التعديلات ينبغي أن تراعي متطلبات العمل وصلاحيات الموظف، وألا تتم على حساب مسؤولياته الأساسية.

    متى تكون الترقية قراراً خاطئاً؟

    لا ينبغي التعامل مع كل ترقية باعتبارها خطوة إيجابية تلقائياً. فقد يكتشف الموظف أن المنصب الجديد يبعده عن العمل الذي يتقنه ويستمتع به، أو يفرض عليه مسؤوليات لا تتوافق مع نقاط قوته، أو يقلل الوقت الذي يستطيع تخصيصه للتطوير المهني. لذلك، من المفيد تقييم طبيعة الدور الجديد، والصلاحيات التي يوفرها، والمهارات التي يتطلبها، والفرص التي يفتحها على المدى الطويل.

    ويحتاج القرار أيضاً إلى التمييز بين الرغبة في التقدم المهني والرغبة في الإدارة. فليس كل خبير بحاجة إلى أن يصبح مديراً كي يواصل النمو، كما أن الرغبة في قيادة الآخرين لا تعني أن الموظف مستعد لذلك فوراً. وقد يكون الخيار الأفضل أحياناً هو التوسع في مجال التخصص، أو اكتساب خبرة عبر مشروع جديد، أو تطوير مهارات إدارية قبل الانتقال إلى منصب قيادي.

    ومن جهة أخرى، لا ينبغي أن تتحول فكرة العمل بشغف أو المبادرة إلى مبرر لتحميل الموظف أعباء إضافية بلا حدود. فالمسار المهني المستدام يتطلب توازناً بين التعلم والمقابل العادل، وبين المسؤوليات والموارد المتاحة، وبين خدمة الفريق والحفاظ على قدرة الموظف على الاستمرار في أداء عمله بكفاءة.

    القيادة نتيجة وليست لقباً

    لا يوجد مسار واحد يصلح لجميع القادة، ولا تضمن المبادرة أو الإنتاجية الحصول على ترقية. لكن التجارب التي توسع الخبرة، وتكشف القدرة على التعاون، وتساعد الموظف على فهم احتياجات الفريق، تمنحه أساساً أفضل للاستعداد للمسؤوليات الأكبر.

    اقرأ أيضا: قبعة "ترامب 2028" تعيد الجدل حول الولاية الثالثة

    وتبدأ الرحلة حين يتعامل الموظف مع كل مشروع بوصفه فرصة لاكتساب خبرة جديدة، ومع كل مسؤولية بوصفها اختباراً للقدرة على الإنجاز، ومع كل نتيجة بوصفها فرصة للتعلم. وفي المقابل، تحتاج المؤسسات إلى أن تميز بين الموظف الذي ينجز جيداً والموظف الذي يستطيع أيضاً مساعدة الآخرين على الإنجاز، وأن توفر التدريب والمسارات المهنية التي تسمح لكل منهما بالتقدم وفقاً لقدراته.

    فالقيادة ليست مجرد انتقال إلى مكتب أكبر أو الحصول على مسمى وظيفي أعلى. إنها تحول في طبيعة المسؤولية: من تحقيق النتائج بالجهد الفردي إلى تهيئة الظروف التي تمكّن الآخرين من تحقيقها أيضاً.