لا تبدو الولايات المتحدة قوة ضعيفة بالمعنى التقليدي، فهي ما زالت تمتلك أكبر إنفاق عسكري في العالم، وشبكة تحالفات واسعة، وقدرة استثنائية على العمل في أكثر من مسرح، لكن المشكلة التي تواجه واشنطن اليوم هي اتساع الفجوة بين ما تستطيع فعله وما يُطلب منها أن تفعله في وقت واحد.
الحرب مع إيران، والضغط المستمر في أوروبا، والتحدي المستمر في غرب المحيط الهادئ، جميعها عناصر أعادت السؤال إلى صدارة النقاش الأمريكي: هل تستطيع واشنطن إدارة هذه الملفات دون أن تستنزف أدوات ردعها أو تهز ثقة حلفائها بها؟
في هذه اللحظات، لا تقاس القوة بعدد حاملات الطائرات أو حجم الموازنة الأمريكية فقط، بل بقدرة الولايات المتحدة على إقناع خصومها بأنها قادرة ومستعدة للتحرك عندما تُختبر مصالحها وتحالفاتها.
أين تظهر مشكلة قوة أمريكا؟
تواجه أمريكا منافسين متزامنين، لكل منهم جغرافيا وأدوات ضغط مختلفة؛ فروسيا تواصل اختبار أمن أوروبا، وإيران تبقي الخليج ومضيق هرمز في دائرة المخاطر، بينما ترفع الصين كلفة الردع في بحر الصين وتايوان.
وقد أظهرت عملية "الغضب الملحمي" ضد إيران حجم هذه المعضلة، فالعملية التي بدأت في فبراير 2026 فتحت نقاشاً واسعاً حول مخزونات الذخائر بعيدة المدى، والصواريخ الاعتراضية، وقدرة البحرية الأمريكية على البقاء في انتشار مكثف لفترة طويلة.
ولا يعني ذلك أن الجيش الأمريكي فقد قدرته على القتال، لكنه يكشف أن أي مواجهة كبيرة جديدة ستأتي بعد استهلاك جزء من الموارد المخصصة أصلاً لمهام ردع أخرى، وهنا تحديداً تتشكل فجوة القدرة الأمريكية، جيش قادر على التدخل، لكنه مطالب بالاستجابة في مناطق أكثر، وبسرعة أكبر، وبمخزونات لا تُعوّض في أشهر قليلة.
اقرأ أيضاً: العقوبات الأمريكية على إيران.. هل تدفع طهران للتراجع؟
هل ما زال الحلفاء يثقون في واشنطن؟
القوة الأمريكية لا تقوم على السلاح وحده، فجزء كبير منها ينبع من اقتناع الحلفاء بأن واشنطن ستقف إلى جانبهم إذا تحولت الأزمة إلى صراع، وعندما تصبح هذه الرسالة متذبذبة يضعف الردع حتى قبل أن تتحرك أي قوة عسكرية.
في الخليج مثلاً، خلّفت المواجهة مع إيران أسئلة لدى شركاء الولايات المتحدة بشأن شكل الالتزام الأمريكي وحدوده، وفي أوروبا تراقب العواصم الحليفة باهتمام أي إشارات إلى فتور أمريكي تجاه الدفاع الجماعي، أما في آسيا فإن رسائل واشنطن إلى اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان تُقرأ في بكين بالقدر نفسه الذي تُقرأ فيه داخل هذه العواصم.
ينتقد أصحاب هذا الرأي إدارة الرئيس دونالد ترامب لأنها رفعت كلفة العلاقة مع الحلفاء عبر تصريحات وضغوط تفاوضية متكررة، في وقت تحتاج فيه الولايات المتحدة إلى تنسيق أكبر لا إلى مزيد من الشكوك، وقد لا يؤدي كل خلاف إلى تصدع في التحالف الأمريكي، لكنه يضيف هامشاً من التردد في لحظة قد تحتاج إلى قرار سريع وواضح.
اقرأ أيضًا: هل تقترب نهاية هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي؟
كيف يستفيد خصوم واشنطن من هذا الوضع؟
لا يحتاج خصوم الولايات المتحدة إلى إشعال حرب كبرى للاستفادة من هذا المناخ، فقد يكون الاختبار تدريجياً عبر هجوم سيبراني، أو ضغط اقتصادي، أو تحرك بحري واستعراض عسكري، أو ربما محاولة لفرض واقع محدود قبل أن تتفق واشنطن وحلفاؤها على الرد.
تتوزع الأدوار هنا بوضوح؛ فروسيا تملك خيار خنق أوروبا عبر تكثيف الهجمات الرقمية وحملات التضليل والمناوشات العسكرية المحدودة، وفي الشرق الأوسط تستطيع إيران التلويح ببطاقة الملاحة في مضيق هرمز لرفع فاتورة أي تصعيد، وهو التكتيك ذاته الذي اختبرته إبان مواجهاتها السابقة، أما الصين فتتحرك بأريحية أكبر عبر خيارات تمتد من الاستفزاز المستمر لتايوان، إلى ممارسة الضغوط الاقتصادية والعسكرية على جوارها الإقليمي.
ولكن هذا لا يعني أن موسكو أو بكين ستخوضان حرباً شاملة غداً، فتكلفة المغامرة العسكرية لا تزال مرتفعة، وتجربة الحروب الأخيرة تقدم دروساً قاسية لأي طرف يفكر في صراع طويل، ولكن تردد الولايات المتحدة أو انشغالها يرفعان احتمال قبول الخصوم بمخاطرات أكبر، بحثاً عن مكاسب محدودة.

الانقسام داخل أمريكا
تزداد هذه الحسابات تعقيداً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في 2026 والانتخابات الرئاسية في 2028، فالاستقطاب الحاد داخل الولايات المتحدة لا يبقى شأناً محلياً، عندما يرتبط بقرارات الحرب والتحالفات والإنفاق الدفاعي.
وكلما بدا النظام السياسي الأمريكي منشغلاً بصداماته الداخلية، راقب الخصوم مدى استعداد واشنطن لتحمل كلفة أزمة خارجية جديدة. ولا يحتاج الأمر إلى أزمة دستورية كي تتأثر المصداقية؛ فيكفي أن تتأخر القرارات، أو تتضارب الرسائل بين المؤسسات، أو يتحول الالتزام الخارجي إلى مادة استقطاب يومي.
خيارات واشنطن لإعادة ترتيب الأولويات
حل فجوة القدرة بين المطلوب والاستطاعة، لا يقتصر على زيادة موازنة الدفاع فقط، فإعادة بناء مخزونات الأسلحة، ورفع طاقة إنتاج الصواريخ والذخائر، تحتاج إلى عقود تصنيع وعمالة وسلاسل توريد ووقت طويل، كما أن إصلاح العلاقة مع الحلفاء يحتاج إلى سياسة مستقرة، وتدريبات مشتركة، ورسائل سياسية لا تحتمل تفسيرات متناقضة.
والخيار الأصعب أمام واشنطن هو ترتيب الأولويات، فالتدخلات الاختيارية قد تستنزف الموارد المطلوبة لردع خصم أكبر، لكن الانسحاب المفرط قد يشجع الخصوم على اختبار الفراغ.
لذلك لا يتعلق الأمر بالانتشار في كل مكان أو الانكفاء عن كل مكان، بل بربط الموارد العسكرية بأهداف قابلة للتحقق والتحالفات التي تعزز القوة الأمريكية بدلاً من استهلاكها.
اقرأ أيضًا: فاتورة بالمليارات.. كيف تستنزف حرب إيران الأصول العسكرية؟
هل يواجه نفوذ الولايات المتحدة التراجع أم إعادة الاختبار؟
تدخل الولايات المتحدة مرحلة اختبار لا مرحلة انهيار، فمقومات القوة الأمريكية لا تزال كبيرة، لكن فعاليتها باتت مرتبطة بقدرتها على تقليل الفجوة بين التعهدات والموارد، وترميم الثقة مع الحلفاء، ومنع الخصوم من تحويل التردد إلى مكاسب على الأرض.
وإذا استمرت واشنطن في إدارة الأزمات من دون أولويات واضحة، فقد يصبح الخطر الأكبر ليس هزيمة عسكرية مباشرة، بل تآكل تدريجي في الردع والمصداقية، وهذه هي النقطة التي قد تجعل قوة عظمى تبدو -للمرة الأولى منذ زمن- أقل قدرة على فرض قواعد اللعبة التي ساهمت في بنائها.
