مختارات إكونوميبيديا

    الرأسمالية.. هل أكلت العالم الذي صنعته؟

    صنعت الرأسمالية واحدة من أكبر التحولات الاقتصادية في تاريخ البشرية، ورفعت الإنتاج والدخل ومستويات المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة. لكن النظام الذي يقوم على الاستثمار والمنافسة والتوسع يواجه سؤالًا صعبًا: ماذا يحدث عندما يصبح النمو الاقتصادي أكثر سرعة من قدرة الكوكب على تحمل تكلفته؟

    بقلم Onboarding Account••آخر تحديث •7 دقائق
    الرأسمالية.. هل يمكن أن يستمر النمو الاقتصادي إلى الأبد؟
    الرأسمالية صنعت 99% من ثروات البشر خلال أقل من 300 عام

    تخيل العالم قبل بضعة قرون وبدون الرأسمالية.. معظم الناس يعيشون من الزراعة، والسلع تنتقل ببطء، والثروة تتركز في أيدي طبقات صغيرة، بينما كان متوسط العمر منخفضًا جدًا مقارنة بما نعرفه اليوم. لم يكن الاقتصاد العالمي شبكة ضخمة من المصانع والشركات والبنوك والأسواق كما هو الآن.

    ثم بدأ شيء يتغير.

    التجارة توسعت، والمال أصبح أكثر أهمية، والائتمان والمصارف سمحت بتمويل مشروعات أكبر، ثم جاءت الثورة الصناعية لتغيّر طريقة الإنتاج بالكامل. ومع مرور الوقت، أصبح إنتاج المزيد وبيع المزيد والاستثمار في المزيد جزءًا أساسيًا من الطريقة التي يعمل بها الاقتصاد الحديث.

    وهنا بدأت قصة الرأسمالية التي نعرفها اليوم.

    المؤرخ الاقتصادي في جامعة كاليفورنيا بيركلي، تريفور جاكسون، يعود في كتابه الصادر عام 2026، «الآلة النهمة: كيف غزت الرأسمالية العالم»، إلى نحو 500 عام من هذه القصة، محاولًا تفسير كيف تحولت الرأسمالية من مجموعة من التطورات الاقتصادية المتفرقة إلى النظام المهيمن على الاقتصاد العالمي.

    كيف صنعت كل هذه الثروة؟

    أحد أكبر التحولات التي جاءت مع الاقتصاد الحديث كان القدرة على إنتاج كميات أكبر بكثير من السلع والخدمات.

    المصنع يستطيع إنتاج ما لم يكن الحرفي قادرًا على إنتاجه. الآلة تستطيع العمل لساعات طويلة وبسرعة ثابتة. الشركات تستطيع جمع رؤوس أموال ضخمة وتمويل مشاريع تحتاج إلى سنوات حتى تحقق عوائدها. والأسواق تستطيع ربط المنتج بالمستهلك عبر آلاف الكيلومترات.

    اقرأ أيضا: خط أنابيب شرق غرب.. ضربة جديدة لصادرات النفط السعودية

    هذه الدائرة أصبحت أقوى مع الوقت، "استثمار، ثم إنتاج أكبر، ثم أرباح، ثم استثمار جديد، ثم إنتاج أكبر".

    وبفضل التكنولوجيا والطب وتحسن الغذاء والصرف الصحي والبنية التحتية، تغيرت حياة البشر بصورة هائلة أيضًا.

    في عام 1900، كان متوسط العمر المتوقع عالميًا نحو 32 عامًا. وبحلول 2023، ارتفع إلى أكثر من 73 عامًا. ولم يكن ذلك نتيجة النمو الاقتصادي وحده، بل نتيجة تداخل النمو مع تطور الطب والصحة العامة والتغذية والمياه النظيفة والتكنولوجيا.

    لذلك، فإن الحديث عن الرأسمالية لا يمكن أن يكون مجرد قصة عن الأرباح.

    إنها أيضًا قصة عن عالم أصبح أكثر إنتاجًا، وأكثر قدرة على توفير السلع والخدمات، وأكثر قدرة على تمويل الابتكار.

    لكن هذه القصة لها جانب آخر.

    عندما أصبح النمو ضرورة

    في الاقتصاد الحديث، النمو ليس مجرد رقم جميل في تقرير حكومي.

    النمو يعني شركات تستثمر، ومصانع تتوسع، ووظائف جديدة، ودخولًا أعلى، وإيرادات أكبر للدول، وقدرة أكبر على الإنفاق والاستثمار.

    ولهذا أصبح التوقف مشكلة.

    إذا نما عدد السكان، لكن الاقتصاد لم ينمُ بالسرعة نفسها، يصبح من الصعب رفع دخل الفرد. وإذا أرادت الشركات زيادة الأرباح، فهي تحتاج غالبًا إلى التوسع أو زيادة الإنتاجية أو دخول أسواق جديدة. وإذا أرادت الحكومات تمويل خدماتها، فإن نمو الاقتصاد يساعدها على زيادة الإيرادات.

    وهكذا أصبح النمو جزءًا من النظام نفسه.

    المشكلة أن هذه المعادلة تبدو بسيطة على الورق، لكنها تصبح أكثر تعقيدًا عندما نسأل: من أين يأتي كل هذا النمو؟

    لأن الاقتصاد لا يعمل في الفراغ.

    إنه يحتاج إلى الطاقة، والمعادن، والمياه، والأراضي، والغذاء، والنقل، والبنية التحتية.

    وهذه كلها تأتي في النهاية من كوكب له حدود.

    الكوكب ليس بلا حدود

    هنا تبدأ القصة الأكثر حساسية.

    يمكن للشركات أن تفتح مصنعًا جديدًا. ويمكن للمستثمر أن يضخ مليارات الدولارات في مشروع جديد. ويمكن للمستهلك أن يشتري سيارة جديدة أو هاتفًا جديدًا.

    لكن إنتاج هذه الأشياء يحتاج إلى موارد.

    كل هاتف يحتاج إلى معادن. وكل سيارة تحتاج إلى مواد وطاقة. وكل مبنى يحتاج إلى إسمنت وفولاذ ومياه. وكل نظام غذائي يحتاج إلى أراضٍ ومياه وطاقة ونقل.

    وبالتالي، فإن الاقتصاد مهما بدا رقميًا وحديثًا، لا يزال مرتبطًا بالعالم المادي.

    البنك الدولي يقول إن الأراضي والمياه والهواء ليست مجرد قضايا بيئية منفصلة عن الاقتصاد، بل تمثل أساسًا للإنتاج والازدهار نفسه. ويشير إلى أن تدهور الأراضي وتلوث الهواء والضغط على المياه أصبح يؤثر في حياة الناس والاقتصادات حول العالم.

    اقرأ أيضا: سعر الدولار في مصر تحت ضغط باب المندب والفائدة الأمريكية

    وهنا يظهر السؤال:

    إذا كان الاقتصاد يريد إنتاج المزيد باستمرار، فهل يمكنه فعل ذلك دون زيادة الضغط على الموارد؟

    هل النمو هو المشكلة؟

    ليس بهذه البساطة.

    فالنمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة أن كل زيادة في الناتج تحتاج إلى زيادة مماثلة في استهلاك الموارد.

    التكنولوجيا يمكن أن تجعل المصنع ينتج أكثر باستخدام كمية أقل من الطاقة. والسيارات يمكن أن تصبح أكثر كفاءة. والطاقة المتجددة يمكن أن تقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري. والاقتصاد الرقمي يستطيع خلق قيمة اقتصادية كبيرة دون الحاجة إلى مواد بنفس حجم بعض الصناعات التقليدية.

    وهذا يعني أن السؤال الصحيح ليس:

    هل يجب أن يتوقف النمو؟

    بل ربما:

    أي نوع من النمو نريد؟

    هناك فرق هائل بين اقتصاد ينمو لأنه يستهلك كميات أكبر من الموارد، واقتصاد ينمو لأنه أصبح أكثر إنتاجية وكفاءة ويقدم خدمات وتقنيات أفضل.

    وهذا الفرق سيكون مهمًا جدًا في العقود المقبلة.

    لكن الثروة لا تتوزع بالتساوي

    هناك سؤال آخر لا يقل أهمية.

    حتى عندما ينمو الاقتصاد، لا يحصل الجميع بالضرورة على الحصة نفسها من المكاسب.

    قد ترتفع قيمة الشركات والأسواق، بينما تبقى دخول بعض الأسر ضعيفة. وقد ترتفع الإنتاجية، لكن لا ترتفع الأجور بالسرعة نفسها. وقد تتوسع الثروة الإجمالية، بينما تزداد الفجوة بين من يملك رأس المال ومن يعتمد أساسًا على دخله من العمل.

    وهذه ليست مشكلة جديدة.

    كتاب جاكسون نفسه يربط تاريخ الرأسمالية بالصراع الطبقي وعدم المساواة، إلى جانب الابتكار والتوسع الاقتصادي. فالرأسمالية لم تتطور في عالم مثالي، بل وسط حروب واستعمار وعبودية وصراعات على الملكية والموارد والسلطة.

    لكن ذلك لا يعني أن الرأسمالية قصة فشل.

    بل يعني أن النظام الذي يستطيع خلق ثروة هائلة يستطيع أيضًا أن يوزعها بطرق مختلفة، بحسب القوانين والمؤسسات والسياسات التي تحكمه.

    الرأسمالية ليست شيئًا واحدًا

    وهذه نقطة أساسية.

    لا توجد نسخة واحدة من الرأسمالية تعمل بالطريقة نفسها في كل مكان.

    هناك اقتصادات تعتمد بدرجة أكبر على السوق، وأخرى تلعب فيها الدولة دورًا واسعًا. هناك أنظمة تفرض ضرائب مرتفعة لتمويل الخدمات العامة، وأخرى تعتمد أكثر على القطاع الخاص. وهناك دول تضع قيودًا بيئية صارمة، وأخرى تمنح الشركات مساحة أكبر.

    لذلك، فإن السؤال عن مستقبل الرأسمالية لا يتعلق فقط بما إذا كانت ستبقى أم تختفي.

    السؤال الأهم هو:

    أي رأسمالية ستبقى؟

    الرأسمالية أثبتت تاريخيًا أنها قادرة على التكيف.

    فقد مرت بأزمات مالية، وحروب عالمية، وكساد اقتصادي، وصعود أنظمة سياسية واقتصادية منافسة، ومع ذلك بقيت وتغيرت أكثر من مرة.

    ويشير جاكسون نفسه إلى قدرة النظام على البقاء والتغير والنمو باعتبارها واحدة من أهم خصائصه التاريخية.

    المشكلة ليست في كلمة نمو

    قد يبدو من السهل القول إن الحل هو إيقاف النمو.

    لكن العالم لا يستطيع ببساطة الضغط على زر التوقف.

    مليارات البشر ما زالوا يريدون دخلًا أعلى، ومساكن أفضل، وخدمات صحية وتعليمية أفضل، وطاقة أكثر موثوقية، وفرص عمل أكبر.

    ولهذا فإن فكرة التخلي عن النمو بالكامل تبدو غير واقعية.

    التحدي الحقيقي هو جعل النمو أقل اعتمادًا على استنزاف الموارد وأكثر اعتمادًا على المعرفة والتكنولوجيا والكفاءة.

    وهنا تظهر فرصة مختلفة تمامًا.

    بدل أن يكون النمو قائمًا على إنتاج المزيد من الأشياء نفسها، يمكن أن يعتمد بدرجة أكبر على إنتاج أشياء أفضل.

    طاقة أنظف.

    مصانع أكثر كفاءة.

    مواصلات أفضل.

    تقنيات تقلل استهلاك المياه.

    زراعة تستخدم موارد أقل.

    مدن تحتاج إلى طاقة أقل.

    هذه ليست فكرة اقتصادية هامشية. البنك الدولي يرى أن تحسين كفاءة استخدام الموارد والاستثمار في القطاعات النظيفة يمكن أن يخلق فوائد اقتصادية ووظائف، وليس فقط مكاسب بيئية.

    هل تستطيع الرأسمالية التغير؟

    ربما يكون هذا هو السؤال الأهم في القصة كلها.

    الرأسمالية لم تصل إلى شكلها الحالي في يوم واحد.

    تغيرت عندما ظهرت المصارف الحديثة، وتغيرت مع الثورة الصناعية، وتغيرت مع الشركات العملاقة، وتغيرت مع التكنولوجيا، وتغيرت مرة أخرى مع الاقتصاد الرقمي.

    ولهذا قد لا يكون مستقبلها نسخة من ماضيها.

    قد يصبح رأس المال أقل ارتباطًا بالمصانع وأكثر ارتباطًا بالبيانات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي. وقد تصبح الطاقة النظيفة جزءًا أكبر من الاقتصاد. وقد تتحول قيمة بعض الشركات من كمية الموارد التي تستهلكها إلى مقدار الإنتاج الذي تستطيع تحقيقه بالموارد نفسها.

    لكن ذلك لن يحدث تلقائيًا.

    الأسواق تحتاج إلى قواعد، والحكومات تحتاج إلى سياسات، والشركات تحتاج إلى حوافز تجعل الاستثمار في الكفاءة والاستدامة مجديًا اقتصاديًا.

    السؤال لم يعد عن النهاية

    الرأسمالية لم تختفِ عندما توقع البعض انهيارها، ولم تتوقف عندما ضربت العالم أزمات اقتصادية هائلة.

    بل خرجت من أزمات كثيرة وهي أكثر قدرة على التكيف.

    اقرأ أيضا: ما بعد الحرب الأمريكية مع إيران.. 10 مطالب تعيد رسم المنطقة

    ولهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل ستنتهي الرأسمالية؟، السؤال الأكثر واقعية هو: كيف ستتغير؟

    فالنظام الذي بنى اقتصادات ضخمة على مدى قرون يواجه اليوم تحديًا مختلفًا عن أي تحدٍ سابق.

    لم تعد المشكلة فقط في إنتاج ما يكفي، لقد أصبح العالم قادرًا على إنتاج كميات هائلة من السلع والخدمات.

    المشكلة هي كيف نواصل تحسين حياة البشر، ورفع الإنتاجية والدخل، من دون أن تصبح تكلفة هذا التحسن أكبر من قدرة الاقتصاد والمجتمع والبيئة على تحملها.

    وهنا تعود فكرة «الآلة النهمة» التي يتحدث عنها جاكسون.

    آلة تريد المزيد دائمًا.

    المزيد من الاستثمار.

    المزيد من الإنتاج.

    المزيد من الاستهلاك.

    المزيد من الأرباح.

    لكنها تعمل داخل كوكب ليس لديه المزيد إلى ما لا نهاية.

    وربما لهذا السبب تحديدًا، فإن مستقبل الرأسمالية لن تحدده فقط قدرة الشركات على تحقيق أرباح أكبر، بل قدرتها على تحقيق قيمة أكبر باستخدام موارد أقل.

    إذا نجح الاقتصاد في ذلك، فقد لا يكون المستقبل نهاية النمو.

    بل قد يكون بداية نوع جديد منه.

    أما إذا بقيت المعادلة تقوم ببساطة على استخراج المزيد، وإنتاج المزيد، واستهلاك المزيد، فسيصبح السؤال أكثر إلحاحًا مع مرور الوقت:

    هل يمكن لاقتصاد يريد النمو إلى الأبد أن يعيش على كوكب له حدود؟