يدخل إنتاج النفط العراقي مرحلة جديدة من الطموح، مع سعي بغداد إلى رفع الإنتاج إلى ما بين 8 و10 ملايين برميل يوميًا خلال ست سنوات، في خطوة تتجاوز زيادة الكميات المستخرجة إلى توسيع الحصة العراقية داخل “أوبك+”، وزيادة الوزن الاقتصادي والجيوسياسي للعراق في سوق الطاقة العالمية.
الوصول إلى مستوى 10 ملايين برميل يوميًا يعني اقتراب الإنتاج السنوي من 3.65 مليار برميل، مقارنة بمستويات إنتاج تدور حاليًا حول 4 ملايين برميل يوميًا، لكن تحقيق هذا المستهدف يتطلب أكثر من تطوير الحقول، فهو يرتبط أيضًا بجذب الاستثمارات، وتحديث البنية التحتية، وتوسيع منافذ التصدير.
بغداد تبحث عن حصة أكبر داخل أوبك+
ووفقًا لدراسة أعدها "مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية"، تدرك الحكومة العراقية أن رفع الطاقة الإنتاجية وحده لن يحقق الهدف، في ظل عمل البلاد داخل منظمة "أوبك" وتحالف "أوبك+"، حيث تُدار مستويات الإنتاج للحفاظ على التوازن بين العرض والطلب واستقرار السوق.
وفي هذا الإطار، أرسلت بغداد وفدًا برئاسة وزيري النفط والمالية إلى السعودية لبحث زيادة الحصة الإنتاجية للعراق، وهي خطوة حساسة لأن أي زيادة في الحصة العراقية تعني دخول كميات إضافية إلى سوق يسعى التحالف إلى إدارة المعروض فيها.
وتلعب السعودية دورًا محوريًا في هذه المفاوضات، إلا أن تحديد الحصة لا يتوقف عليها وحدها، ما يفرض على بغداد إقناع بقية المنتجين بأن زيادة إنتاجها يمكن أن تتم تدريجيًا دون الإضرار بتوازن السوق أو الضغط على الأسعار.
اقرأ أيضًا: العراق تحت ضغط هرمز.. الصادرات والرواتب في خطر
البنية التحتية تحدد القدرة على تحويل الإنتاج إلى صادرات
لا يمكن اختزال معركة الوصول إلى 10 ملايين برميل يوميًا في زيادة إنتاج الآبار والحقول، إذ يحتاج العراق إلى منظومة متكاملة لمعالجة الخام وتخزينه ونقله وتصديره؛ ويشمل ذلك تطوير محطات المعالجة، وتوسيع خطوط الأنابيب ومحطات الضخ، وزيادة قدرات التخزين، إلى جانب رفع كفاءة الموانئ والمنصات التصديرية لاستيعاب الكميات الجديدة.
وتعد هذه البنية عنصرًا حاسمًا في نجاح الخطة، لأن إنتاج كميات إضافية دون قدرة موازية على نقلها وتصديرها سيترك جزءًا من الطاقة الإنتاجية معطلًا، ويحد من الاستفادة الاقتصادية منها.
كما يتطلب تنفيذ الخطة استثمارات كبيرة في الحقول ومنشآت المعالجة وخطوط الأنابيب ومرافق التخزين والتصدير، إلى جانب جذب الشركات النفطية العالمية القادرة على توفير التمويل والتكنولوجيا والخبرات.
ويرتبط ذلك بتوافر الاستقرار السياسي والأمني، ووجود قواعد واضحة تحكم الاستثمار والعقود طويلة الأجل، بما يشجع رؤوس الأموال على الدخول في مشروعات تحتاج إلى سنوات للتنفيذ وتحقيق العائد.
قد يهمّك أيضًا: خطة لتطوير صادرات النفط العراقي وتفادي مضيق هرمز

أزمة هرمز تدفع العراق لتنويع منافذ التصدير
أعادت أزمة مضيق هرمز ترتيب حسابات بغداد بشأن طرق تصدير النفط، بعدما كشفت مخاطر الاعتماد بدرجة كبيرة على مسار تصديري رئيس واحد، لهذا تسعى بغداد إلى توسيع شبكة منافذها عبر مسارات تمر بتركيا وسوريا والأردن، وتشمل ميناء جيهان التركي وميناء بانياس السوري وميناء العقبة الأردني.
ولا تستهدف هذه التحركات زيادة القدرة التصديرية فقط، وإنما بناء شبكة أمان استراتيجية تتيح تحويل الصادرات إلى مسارات بديلة حال تعطل أحد المنافذ نتيجة أزمة أمنية أو سياسية أو إقليمية.
ويكتسب مشروع مسار تصدير النفط عبر سوريا إلى ميناء بانياس أهمية خاصة، لكونه يمكن أن يمنح العراق منفذًا إضافيًا على البحر المتوسط ويخفف اعتماده على الخليج، لكنه يواجه تحديات تتعلق بالتمويل والأوضاع الأمنية والاتفاقات السياسية، فضلًا عن تأمين خطوط الأنابيب وحمايتها على امتداد مسارها.
التحديات الاقتصادية.. تنويع الموارد مقابل مخاطر الأسعار
يبقى الدافع الاقتصادي المباشر وراء الوصول إلى 10 ملايين برميل يوميًا هو زيادة الإيرادات، في ظل الاعتماد الكبير للاقتصاد العراقي على النفط في تمويل الموازنة والإنفاق والاستثمار ومشروعات الإعمار.
غير أن زيادة الإنتاج لا تضمن ارتفاع العائدات بالنسبة نفسها، لأن العراق لا يتحكم في أسعار الخام العالمية، وقد تتزامن زيادة الكميات المطروحة مع تراجع الأسعار، بما يقلص جزءًا من المكاسب المتوقعة.
ويتمثل تحدٍ آخر في كيفية توظيف الإيرادات الإضافية؛ فإذا جرى توجيهها إلى زيادة الإنفاق فقط فقد تؤدي الخطة إلى تعميق اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط بدلًا من تخفيفه، إذ إنّ الاستفادة الحقيقية من التوسع النفطي ترتبط بتوجيه جزء من العائدات إلى الاستثمار في الكهرباء والمياه والنقل والصناعة والتعليم والبنية التحتية، بما يساعد على بناء قاعدة اقتصادية أكثر تنوعًا وقادرة على النمو خارج قطاع الخام.
10 ملايين برميل تعني نفوذًا أكبر وحسابات أصعب
إذا تمكن العراق من الوصول إلى إنتاج 10 ملايين برميل يوميًا، فسيعزز مكانته بين كبار المنتجين ويرفع تأثيره في سوق النفط العالمية، لكن هذه الزيادة ستضعه أمام معادلة أكثر تعقيدًا داخل "أوبك+"، لأن كل كمية إضافية من النفط العراقي تعني زيادة محتملة في المعروض العالمي، وهو ما قد يضغط على الأسعار إذا لم ينمُ الطلب بالوتيرة نفسها.
ولهذا لن يتوقف نجاح الخطة على الجوانب الفنية، بل سيعتمد أيضًا على قدرة بغداد على التفاوض داخل "أوبك" و"أوبك+"، وعلاقاتها مع كبار المنتجين، واتجاهات الطلب العالمي خلال السنوات المقبلة.
اقرأ أيضًا: العراق يبيع النفط بخصم حتى 30 دولاراً لتجاوز أزمة مضيق هرمز
ركائز نجاح العراق في استغلال طاقته التصديرية
قال ياسين أحمد، خبير أسواق النفط، إن توجه العراق لرفع إنتاجه إلى حوالي 10 ملايين برميل يوميًا خلال ست سنوات يمثل تحولًا جريئًا في إدارة الثروة النفطية ومحاولة لإعادة رسم موقع البلاد داخل منظمة "أوبك" وسوق الطاقة العالمية.
وأوضح أن تحقيق المستهدف يحتاج إلى تسريع تطوير الحقول العملاقة، وحفر آبار جديدة، ومعالجة الانخفاض الطبيعي في الحقول المنتجة، واستكمال مشروعات حقن المياه، وتوفير احتياجات القطاع من الغاز والكهرباء، إلى جانب جذب شركات عالمية توفر التكنولوجيا والتمويل.
بيد أنه نبه إلى أن المعضلة الكبرى قد لا تكمن في استخراج هذه الكميات بقدر ما تكمن في نقلها وتصديرها، وهو ما يستدعي تحديثاً شاملاً للبنية التحتية من خزانات، ومحطات ضخ، وخطوط أنابيب، إلى جانب توسعة الموانئ والمنصات البحرية جنوبي البلاد.
ومن ناحية أخرى، يرى أحمد أن امتلاك العراق قدرة إنتاجية تصل إلى 10 ملايين برميل يوميًا لا يعني تلقائيًا إمكانية ضخ هذه الكمية في الأسواق، ما يستدعي دبلوماسية نفطية قوية خلال أي مفاوضات مستقبلية بشأن الحصص.
وأضاف أن بغداد يمكن أن تستند في مطالبها إلى حجم احتياطياتها وعدد سكانها واحتياجاتها التنموية، فضلًا عن سنوات الحروب والعقوبات والاضطرابات التي حدت من قدرتها على استثمار مواردها.
ولفت إلى أن موقف كبار المنتجين، وفي مقدمتهم السعودية وروسيا، سيكون مؤثرًا في أي إعادة توزيع مستقبلية للحصص، ما يفرض على العراق إثبات أن زيادة حصته يمكن أن تتم تدريجيًا دون الإضرار بتوازن السوق واستقرار الأسعار.
واختتم الخبير تصريحاته، مؤكدًا أن النجاح الحقيقي لن يُقاس فقط بعدد البراميل التي يخرجها العراق من الأرض، بل بقدرته على تحويل هذه الزيادة إلى قوة اقتصادية وتفاوضية مستدامة، واستخدام العائدات لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستقلالا، بدلا من تعميق اعتماده على النفط.
اقرأ أيضًا: العراق يخطط لإنهاء واردات الغاز الإيراني بحلول 2028
