اقتصادات عربية

    رسوم واردات البليت في مصر تشعل أزمة بسوق الحديد

    22 مصنع درفلة تحت الضغط

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •5 دقائق
    رسوم واردات البليت في مصر
    مصنع حديد

    أثارت رسوم واردات البليت في مصر، جدلًا داخل سوق الحديد والصلب حول مدى قدرتها على تحقيق التوازن بين حماية الإنتاج المحلي والحفاظ على تنافسية مصانع الدرفلة، خاصة مع تقديرات بارتفاع تكلفة إنتاج طن الحديد بنحو 4 آلاف جنيه نتيجة الرسوم، في وقت تواجه فيه نحو 22 شركة درفلة، تمثل قرابة 20% من السوق، ضغوطًا مرتبطة بتوافر الخام وتكاليف التشغيل.

    وقال الدكتور سيد قاسم، الخبير الاقتصادي، إن المشكلة لا تكمن في مبدأ حماية الصناعة الوطنية، وإنما في آلية تطبيق الحماية وتوقيتها ومدى تأثيرها على مختلف حلقات الإنتاج.

    أسباب فرض رسوم على واردات البليت

    وأوضح أن الهدف المعلن للرسوم يتمثل في حماية الصناعة الوطنية والإنتاج المحلي، إلا أن تطبيقها على خام البليت، الذي تعتمد عليه مصانع الدرفلة كمدخل رئيسي للإنتاج، يثير تساؤلات بشأن توزيع تكلفة الحماية بين أطراف الصناعة.

    وأضاف قاسم أن الرسوم الحالية، البالغة 13.12% وبحد أدنى 70 دولارًا للطن، رفعت تكلفة الإنتاج لدى مصانع الدرفلة بنحو 4 آلاف جنيه للطن، وفق تقديرات القطاع، وهي زيادة يصعب امتصاصها بالكامل داخل هوامش الربحية، ما ينعكس على التشغيل والاستثمار والقدرة التنافسية في الأسواق المحلية والخارجية.

    وأشار إلى أن مصانع الدرفلة تعتمد على البليت باعتباره المادة الخام الأساسية لإنتاج حديد التسليح، بينما تمتلك المصانع المتكاملة قدرات على إنتاج الخام واستخدامه داخل عملياتها التصنيعية.

    ويرى الخبير، أن هذه المعادلة قد تمنح المصانع المتكاملة ميزة تنافسية أكبر إذا لم تتوافر كميات كافية من البليت المحلي لمصانع الدرفلة، خاصة أن الجانبين يتنافسان في النهاية على سوق المنتج النهائي.

    وقال قاسم إن مصنع الدرفلة أصبح أمام معادلة تتضمن محدودية الخام المحلي من وجهة نظر المصنعين، إلى جانب ارتفاع تكلفة الاستيراد بعد فرض الرسوم، وفي المقابل استمرار المنافسة مع المصانع المتكاملة في سوق حديد التسليح.

    اقرأ أيضًا: ضوابط التمويل في مصر بعد أزمة القروض الوهمية

    فجوة بين احتياجات مصانع الدرفلة والمعروض المحلي

    وأشار قاسم إلى أن بيانات التشغيل التي يستند إليها المصنعون تعكس وجود فجوة بين الكميات التي تحصل عليها بعض مصانع الدرفلة من السوق المحلية واحتياجاتها التشغيلية.

    وأكد أن هذا الفارق، وفق تقديرات المصانع، يوضح صعوبة الاعتماد الكامل على السوق المحلية لتوفير احتياجات البليت، ويجعل تكلفة الاستيراد عنصرًا مؤثرًا في القدرة على استمرار التشغيل.

    وشدد قاسم على أن المطلوب ليس إلغاء حماية الصناعة الوطنية، وإنما تصميم آلية تحقق التوازن بين مختلف حلقات الإنتاج، بحيث لا يؤدي دعم طرف داخل الصناعة إلى زيادة الضغوط على طرف آخر.

    وأضاف أن صناعة الحديد ترتبط باستثمارات كبيرة وطاقة إنتاجية وعمالة وأسواق تصديرية، وبالتالي فإن أي اختلال في إحدى حلقاتها قد يمتد تأثيره إلى بقية المنظومة الصناعية والاقتصاد ككل.

    تأثير رسوم واردات البليت في مصر على القطاع

    وفيما يتعلق بالصادرات، أشار قاسم إلى أن الضغوط التي تتعرض لها صناعة الحديد تأتي بالتزامن مع تراجع صادرات الصلب المصرية خلال الأشهر الأولى من 2026.

    وأظهرت البيانات المشار إليها في تصريحات قاسم انخفاض إجمالي صادرات الصلب المصري بنسبة 11% خلال النصف الأول من 2026، فيما سجلت الصادرات خلال الفترة من يناير إلى مايو نحو 680 مليون دولار، مقابل 827 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق، بانخفاض بلغ 18%.

    كما تراجعت صادرات الصلب إلى السوق الأمريكية بنسبة 97% لتسجل نحو 1.6 مليون دولار، مقارنة بأكثر من 59 مليون دولار سابقًا، فيما انخفضت التوريدات إلى السوق التركية بنسبة 34%.

    وأكد قاسم أن هذه الأرقام تكشف عن ضغوط متزايدة على القدرة التصديرية للقطاع، مع ضرورة الفصل بين تراجع الصادرات وبين إثبات أن الرسوم وحدها هي السبب المباشر، في ظل وجود عوامل أخرى يمكن أن تؤثر على حركة التجارة والأسواق الدولية.

    وحذر من أن استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج قد يزيد الضغوط على تنافسية المنتج المصري خارجيًا، خاصة في الأسواق التي تشهد منافسة قوية على الأسعار.

    اقرأ أيضًا: مصر.. تراجع السيولة المحلية يهدد الادخار والاستثمار

    130 ألف عامل مباشر وغير مباشر مرتبطون بالقطاع

    وأشار قاسم إلى أن التأثير المحتمل لتعطل الإنتاج لا يقتصر على المصانع والصادرات، وإنما يمتد إلى العمالة المرتبطة بنشاط مصانع الدرفلة وسلاسل الإمداد.

    وأوضح أن القطاع يرتبط، وفق البيانات الواردة، بنحو 30 ألف عامل مباشر وأكثر من 100 ألف عامل غير مباشر، أي ما يتجاوز 130 ألف عامل ترتبط دخولهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة باستمرار نشاط الصناعة.

    وأضاف أن تراجع معدلات التشغيل قد يؤثر في دخول هؤلاء العاملين وأسرهم، خاصة في المصانع التي تشكل فيها حوافز الإنتاج نسبة مهمة من إجمالي الأجور.

    90% من تكلفة حديد التسليح مرتبطة بالبليت

    وحول انتقال تأثير رسوم واردات البليت في مصر إلى المستهلك، قال قاسم إن البليت يمثل نحو 90% من تكلفة المنتج النهائي لدى مصانع الدرفلة، بما يجعل أي ارتفاع كبير في سعر الخام قابلًا للانتقال إلى سعر طن حديد التسليح.

    وأوضح أن زيادة التكلفة بنحو 4 آلاف جنيه للطن نتيجة الرسوم يصعب على المنتج تحملها بالكامل، وبالتالي يمكن أن ينتقل جزء منها تدريجيًا إلى التجار والمستهلك النهائي.

    وأضاف أن تأثير ارتفاع أسعار الحديد لا يظل محصورًا داخل سوق الصلب، وإنما يمتد إلى التشييد والمقاولات والعقارات، حيث تؤدي زيادة أسعار مواد البناء إلى رفع تكلفة تنفيذ المشروعات.

    وأشار إلى أن شركات المقاولات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، قد تواجه ضغوطًا مالية إضافية، فيما قد تضطر الشركات العقارية إلى إعادة تسعير الوحدات أو تمرير جزء من الزيادة إلى المشترين، بما يؤثر في القدرة الشرائية ومستويات الطلب.

    صناعات أخرى تتأثر بارتفاع أسعار الصلب

    وأوضح قاسم أن الحديد يمثل مدخل إنتاج أساسيًا لعدد كبير من الصناعات، وبالتالي فإن ارتفاع تكلفته يمتد إلى قطاعات أخرى تشمل الصناعات الهندسية والأجهزة المنزلية والسيارات وتشكيل المعادن، إلى جانب المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

    وأضاف أن ارتفاع تكلفة الخام لا يضغط على مصانع الدرفلة فقط، وإنما يمكن أن ينتقل عبر سلسلة الإنتاج إلى عدد كبير من الأنشطة الصناعية والخدمية، ويؤثر في القدرة على التوسع والاستثمار وخلق فرص عمل جديدة.

    وأكد أن القضية تتجاوز سعر مادة خام بعينها، لتشمل سلسلة تبدأ من المصنع وتمتد إلى التاجر والمقاول والمطور العقاري والمستهلك النهائي، فضلًا عن تأثيرها المحتمل على النشاط الصناعي والإيرادات العامة.

    وشدد على أن السياسة الصناعية الفعالة ينبغي أن توازن بين حماية المنتج المحلي والحفاظ على تكلفة إنتاج تسمح للمصانع الوطنية بالمنافسة داخليًا وخارجيًا.

    مطالب بتعليق الرسوم مؤقتًا

    ويرى الدكتور سيد قاسم أن أحد الحلول المطروحة يتمثل في تجميد أو تعليق الرسوم الوقائية بصورة مؤقتة، لحين زيادة طاقات إنتاج البليت محليًا والوصول إلى مستوى يسمح بتغطية نسبة أكبر من احتياجات مصانع الدرفلة.

    وأوضح أن تعليق الرسوم، من وجهة نظره، يمكن أن يحافظ على تنافسية واستمرارية نحو 22 مصنعًا وطنيًا خلال الفترة الانتقالية، إلى حين دخول الطاقات الإنتاجية الجديدة للبليت إلى السوق، والتي تشير التقديرات الواردة إلى أنها قد تستغرق من عامين إلى ثلاثة أعوام.

    وأكد أن أي مراجعة للرسوم يجب أن تضع في الاعتبار ثلاثة أهداف متوازية: حماية الصناعة المحلية، وضمان توافر الخام للمصانع بأسعار تنافسية، وعدم تحميل قطاعات التشييد والمشروعات والمستهلك النهائي أعباء سعرية إضافية.

    وشدد قاسم على أن نجاح سياسة الحماية لا يقاس فقط بقدرتها على الحد من الواردات، وإنما بمدى قدرتها على الحفاظ على استمرارية جميع حلقات الصناعة، وزيادة الإنتاج والصادرات وفرص العمل، دون الإخلال بالمنافسة داخل السوق.

    قد يهمّك أيضًا: لماذا تتزايد مشتريات البنك المركزي المصري من الذهب؟