عاد ملف استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى الواجهة، مع تجديد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساعيها لإقصاء ليزا كوك من مجلس محافظي البنك المركزي.
القضية تبدو قانونية في ظاهرها، لكنها تحمل بعداً أوسع يتعلق بقدرة البيت الأبيض على التأثير في المؤسسة التي تحدد أسعار الفائدة وتدير السياسة النقدية الأمريكية، فرغم أنّ ترامب لا يملك صلاحية إصدار أمر بخفض الفائدة، ولا يستطيع تغيير قرار لجنة السياسة النقدية بقرار رئاسي، لكنه يملك أدوات أخرى، من الضغط العلني إلى اختيار المرشحين لمقاعد المجلس وصولاً إلى محاولة عزل عضو قائم إذا توافرت أسباب قانونية كافية.
اتهامات جديدة بعد خسارة قضائية
أبلغ البيت الأبيض كوك أخيراً بأن الرئيس يدرس عزلها، ومنحها مهلة حتى 26 أغسطس للرد على اتهامات تتعلق بطلبات قروض رهن عقاري قدمتها عام 2021، قبل انضمامها إلى مجلس المحافظين.
وتقول الإدارة إن كوك وصفت عقارين في ميشيغان وأتلانتا بأنهما محل إقامتها الرئيس للحصول على شروط تمويل أفضل، لكن كوك لم تواجه اتهاماً جنائياً، كما أنّها نفت ارتكاب أي مخالفة. ويقول محاميها إن مسكن ميشيغان كان محل إقامتها الفعلي، بينما كان وصف شقة أتلانتا في أحد المستندات خطأ منفرداً لا يثبت نية الاحتيال.
هذه ليست المحاولة الأولى؛ ففي يونيو أبقت المحكمة العليا كوك في منصبها خلال استمرار النزاع القضائي، بعد اعتراضها على محاولة سابقة لعزلها. كما أوضحت المحكمة أن الإدارة تستطيع إعادة فتح الملف إذا منحتها إخطاراً واضحاً وفرصة فعلية للرد، وهو ما يبدو أن الرسالة الجديدة تستهدف تحقيقه.
اقرأ أيضًا: قرار الفيدرالي تثبيت الفائدة.. هل تأخر في مواجهة التضخم؟
لماذا يحمي القانون أعضاء الفيدرالي؟
ينص قانون الاحتياطي الفيدرالي على أنّ أعضاء مجلس المحافظين الذين تمتد ولاياتهم إلى 14 عاماً لا يُعزلون إلا "لسبب وجيه"، ولا يمنح هذا النص الرئيس حق إبعاد عضو لمجرد اختلافه معه في مسار أسعار الفائدة.
وجاء حكم المحكمة العليا في قضية كوك ليشدد هذا القيد؛ فالمحكمة اعتبرت أن معيار "السبب الوجيه" يقتضي سبباً جوهرياً ومعقولاً، وأن قرار العزل يخضع للمراجعة القضائية، كما ربطت حماية المنصب بضرورة تمكين العضو من معرفة الاتهامات والرد عليها قبل إقصائه.
لهذا فنجاح ترامب في استكمال الإجراءات لا يعني أنه سيحصل تلقائياً على مقعد شاغر، وحتى في حال حدوث شاغر فإن اختيار البديل يمر عبر ترشيح رئاسي وموافقة مجلس الشيوخ، كما أن قرارات الفائدة تصدر عن لجنة جماعية، لا عن عضو واحد أو رئيس البنك وحده.
التعيينات الرئاسية والتاريخ السياسي للضغط
تبقى التعيينات أكثر أدوات الرئيس تأثيراً على المدى الطويل؛ فاختيار أعضاء مجلس المحافظين وتسميتهم في المواقع القيادية يسمح للبيت الأبيض بتغيير تركيبة المؤسسة تدريجياً، حتى من دون التدخل المباشر في اجتماعات السياسة النقدية.
وكان ترامب قد اختار جيروم باول لرئاسة "الفيدرالي" في 2018، ثم أعاد الرئيس جو بايدن تعيينه في 2021، وبعد انتهاء ولاية باول تولى كيفن وارش رئاسة المجلس في 22 مايو 2026 لولاية تمتد أربعة أعوام.
وقد تراجعت انتقادات ترامب العلنية للبنك لفترة بعد وصول وارش، لكنها لم تختف تماماً؛ فقد واصل الرئيس الدعوة إلى خفض الفائدة وتحدثت تقارير صحافية عن اتصالات متكررة بينهما، الأمر الذي يضع وارش أمام اختبار حساس يتمثل في الحفاظ على استقلال المؤسسة من جهة، وإدارة توقعات الأسواق في وقت لا تزال فيه الضغوط التضخمية قائمة من جهة أخرى.
الجدير بالذكر أنّ الضغط على "الفيدرالي" ليس جديداً في السياسة الأمريكية، فليندون جونسون واجه رئيس البنك ويليام مارتن بسبب كلفة الاقتراض، كما مارس ريتشارد نيكسون ضغوطاً معروفة على آرثر بيرنز، لكن ملف كوك يختلف لأنه لا يقف عند حدود التصريحات، بل يختبر إمكان تغيير تركيبة مجلس المحافظين نفسه.
استقلال الفيدرالي لا يعني غيابه عن السياسة
استقلال "الفيدرالي" لا يعني أنه يعمل بعيداً تماماً عن واشنطن؛ فقياداته تتواصل مع الكونغرس، وتنسق مع وزارة الخزانة في الأزمات، كما أنّها تضع في حساباتها أثر الضرائب والإنفاق العام والرسوم الجمركية على الاقتصاد.
لكن الفارق الأساسي هو أن قرار الفائدة يجب أن يستند إلى التضخم وسوق العمل والنمو، لا إلى المصلحة السياسية الآنية، فالحكومات تميل بطبيعتها إلى تفضيل كلفة اقتراض أقل لأنها تدعم الاستهلاك والنشاط الاقتصادي سريعاً، بينما قد يتطلب كبح التضخم قرارات أقل شعبية، مثل الإبقاء على الفائدة مرتفعة أو رفعها.
لهذا السبب تراقب الأسواق قضية كوك من كثب، فالمسألة لا تتعلق بمقعد واحد في مجلس المحافظين فحسب، وإنّما بالرسالة التي يبعثها البيت الأبيض إلى المستثمرين: هل ستظل قرارات البنك محكومة بالبيانات الاقتصادية؟ أم أن الضغط السياسي سيصبح جزءاً ثابتاً من معادلة الفائدة؟
وصحيح أنّ مهلة كوك للرد تنتهي في 26 أغسطس، وبعدها قد تنتقل القضية إلى جولة قضائية جديدة، لكن حتى قبل صدور حكم نهائي فإنّ ترامب يمتلك مساحة للضغط على الفيدرالي، وإن كان لا يمتلك حتى الآن السيطرة المباشرة على قراراته.
قد يهمّك أيضًا: كيف أنقذ الفيدرالي الين الياباني دون مساس بالدولار؟
