اقتصادات عربية

    تثبيت التصنيف الائتماني لمصر.. وخدمة الدين أبرز التحديات

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •7 دقائق
    التصنيف الائتماني لمصر

    ثبتت وكالة “ستاندرد آند بورز ” التصنيف الائتماني لمصر عند مستوى “B” للعملتين المحلية والأجنبية، على المديين الطويل والقصير، مع الإبقاء على النظرة المستقبلية المستقرة، في ظل استمرار توقعات النمو الاقتصادي على المدى المتوسط، ومواصلة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، مقابل المخاطر الناجمة عن تصاعد الصراعات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

    وأوضحت الوكالة أن النظرة المستقبلية المستقرة تعكس توازنًا بين العوامل الداعمة للاقتصاد المصري والتحديات الخارجية، مشيرة إلى أن الإجراءات الاستباقية التي اتخذتها السلطات المصرية أسهمت في تخفيف الضغوط المباشرة الناتجة عن الصراع الإقليمي.

    وأكد الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، أن قرار الوكالة يعكس تحسن عدد من المؤشرات الاقتصادية والمالية، لكنه لا يعني انتهاء المخاطر التي تواجه الاقتصاد المصري، خاصة مع استمرار ارتفاع أعباء خدمة الدين وضخامة الاحتياجات التمويلية.

    وأوضح شوقي أن تثبيت التصنيف يمثل رسالة بأن التحسن الاقتصادي قائم، لكن الاختبار الحقيقي يتمثل في تحويل هذا التحسن إلى استدامة مالية، خصوصًا مع توجيه نسبة كبيرة من الإيرادات الحكومية لسداد الفوائد، وتجاوز الاحتياجات التمويلية 30% من الناتج المحلي الإجمالي.

    وأشار إلى أن القرار يعكس تقييمًا متوازنًا لقدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع الضغوط الخارجية، في ضوء تحسن عدد من المؤشرات، مقابل استمرار تحديات هيكلية تشمل ارتفاع أعباء خدمة الدين، وضخامة الاحتياجات التمويلية، والتعرض لتقلبات أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية.

    وأضاف أن النظرة المستقبلية المستقرة لا تعني انتهاء المخاطر أو اقتراب رفع التصنيف، وإنما تشير إلى أن الوكالة ترى توازنًا نسبيًا بين عوامل الدعم والمخاطر القائمة وفقًا لتوقعاتها الأساسية.

    توقعات بنمو الاقتصاد المصري 5.1% وارتفاع الاحتياطيات إلى 54.5 مليار دولار

    وأوضح الدكتور أحمد شوقي أن ستاندرد آند بورز تتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 5.1% خلال العام المالي 2025/2026، و4.5% خلال العام المالي 2026/2027، إلى جانب تحقيق فائض أولي يعادل 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي، رغم استمرار العجز الكلي المتوقع عند 5.8%.

    وأشار إلى أن الاحتياطيات الدولية بلغت 54.5 مليار دولار في سبتمبر 2026، فيما سجل صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك 31.2 مليار دولار، بدعم من التحويلات القوية للمصريين العاملين بالخارج، وإيرادات السياحة، والتعافي الجزئي لإيرادات قناة السويس.

    وأضاف أن إيرادات قناة السويس بلغت 3.4 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2025/2026، مقابل 2.8 مليار دولار خلال الفترة المقابلة من العام السابق، رغم استمرارها دون مستويات ما قبل اضطرابات البحر الأحمر.

    ولفت إلى أن الوكالة تتوقع استمرار عجز الحساب الجاري عند نحو 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2025/2026، و5.0% خلال العام المالي 2026/2027.

    وأكد أن تحسن مصادر النقد الأجنبي وزيادة الاحتياطيات والتدفقات الإيجابية لا يعني بالضرورة انتهاء الضغوط على ميزان المدفوعات أو تحقيق التوازن الخارجي المستدام.

    اقرأ أيضًا: اقتصاد مصر يخالف التوقعات.. كيف صمد أمام أزمات المنطقة؟

    تراجع الدين الحكومي إلى 87% لا يلغي تحديات خدمة الدين

    وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن ستاندرد آند بورز تتوقع انخفاض إجمالي الدين الحكومي إلى نحو 87% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 30 يونيو 2027، مقارنة بذروة بلغت 94% في يونيو 2023.

    وأوضح أن هذا الانخفاض يمثل تحسنًا مهمًا حال تحققه، لكن استدامة الدين لا تعتمد على نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي وحدها، وإنما ترتبط بتكلفة خدمته، ومواعيد استحقاق الالتزامات، وقدرة الدولة على إعادة تمويلها بتكلفة مقبولة.

    وأضاف أن توقعات الوكالة تشير إلى انخفاض نسبة مدفوعات الفوائد إلى الإيرادات الحكومية من نحو 68% خلال العام المالي 2025/2026 إلى 60% في 2026/2027، ثم إلى 53% خلال العام المالي 2027/2028.

    وأكد أن هذا المسار يعكس تحسنًا تدريجيًا، إلا أن استمرار تخصيص نسبة كبيرة من الإيرادات لسداد الفوائد يقلص الموارد المتاحة للإنفاق على الخدمات العامة والاستثمارات الإنتاجية.

    وشدد على أن قدرة الدولة على توجيه موارد أكبر للتنمية ستظل مرتبطة بسرعة انخفاض تكلفة الدين، حتى مع استمرار تحسن المؤشرات المالية.

    احتياجات التمويل تتجاوز 30% من الناتج المحلي ومخاطر إعادة الاقتراض مستمرة

    وأوضح الدكتور أحمد شوقي أن احتياجات التمويل الإجمالية تتجاوز 30% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقًا للتقرير، فيما تمثل أدوات الدين المحلي قصيرة الأجل نحو 60% من الدين المحلي، بمتوسط أجل يبلغ 1.1 سنة.

    وأشار إلى أن الاعتماد على أدوات قصيرة الأجل يفرض ضرورة تجديد جزء كبير من الالتزامات خلال فترات متقاربة، ما يجعل المالية العامة أكثر تأثرًا بتغيرات أسعار الفائدة وشهية المستثمرين للتمويل.

    وأضاف أن ارتفاع تكلفة الاقتراض أو تراجع السيولة قد يضطر الدولة إلى إعادة تمويل التزاماتها بشروط أكثر تكلفة، بما يفرض ضغوطًا إضافية على الموازنة العامة.

    وأكد أن تحسين الجدارة الائتمانية يتطلب خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وتقليل تكلفة خدمة الدين، وإطالة آجال الاستحقاق للحد من مخاطر إعادة التمويل، إلى جانب تنويع مصادر التمويل وتقليل الاعتماد على الاقتراض المتكرر.

    وشدد على أن نجاح إدارة الدين لا يقاس فقط بقدرة الدولة على الحصول على التمويل، وإنما بقدرتها على توفيره بتكلفة مناسبة وتوجيهه إلى أنشطة تدعم النمو وتولد موارد مستقبلية.

    تراجع التضخم إلى 14.5% وتوقعات بانخفاضه إلى 9% في 2028/2029

    وقال الدكتور أحمد شوقي إن معدل التضخم السنوي تراجع من 15.2% في مارس 2026 إلى 14.5% في أغسطس 2026، فيما أبقى البنك المركزي المصري خلال سبتمبر 2026 سعر عائد الإيداع عند 19% والإقراض عند 20%.

    وأوضح أن ذلك جاء بعد تخفيضات تراكمية في أسعار الفائدة بلغت 825 نقطة أساس خلال الفترة من أبريل 2025 إلى فبراير 2026.

    وأشار إلى أن ستاندرد آند بورز تتوقع متوسط تضخم يبلغ 12.9% خلال العام المالي 2026/2027، مع تراجعه تدريجيًا إلى 9% خلال العام المالي 2028/2029.

    وأكد أن انخفاض التضخم يدعم الاستقرار الاقتصادي ويحسن بيئة الاستثمار والتخطيط المالي، لكن استمرار هذا المسار يرتبط بأسعار الطاقة العالمية، وتكلفة الواردات، وحركة سعر الصرف، والتطورات الجيوسياسية.

    وأضاف أن تراجع التضخم لا يعني انتهاء المشكلة، إذ يتطلب تحقيق استقرار مستدام للأسعار استمرار انخفاض معدلات التضخم، وتحسين القدرة الإنتاجية، وزيادة مرونة جانب العرض، بما يقلل الاعتماد على الأدوات النقدية وحدها في احتواء الضغوط السعرية.

    قد يهمّك أيضًا: لماذا ثبّت البنك المركزي أسعار الفائدة في مصر؟

    ارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الإقليمية يمثلان مخاطر على الاقتصاد المصري

    وحذر شوقي من استمرار المخاطر المرتبطة بفاتورة الطاقة، خاصة مع تحول مصر إلى مستورد صافٍ للنفط منذ عام 2008، وللغاز الطبيعي منذ عام 2023.

    وأوضح أن الوقود يمثل نحو 22% من إجمالي واردات السلع، فيما يمثل الغاز الطبيعي نحو 8%، وفقًا لتقرير ستاندرد آند بورز.

    وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا أو اضطراب الإمدادات قد يزيد فاتورة الواردات، ويضغط على الحساب الجاري والمالية العامة، ويجعل السيطرة على التضخم أكثر صعوبة.

    وأضاف أن استمرار التوترات الإقليمية أو تعطل حركة الملاحة في الممرات البحرية الحيوية قد يؤثر في إيرادات قناة السويس وتدفقات النقد الأجنبي.

    وأكد أن خطورة هذه العوامل تكمن في تأثيرها المتزامن على التضخم والنمو والاحتياجات التمويلية والقدرة على توفير العملة الأجنبية، مشددًا على أن تعزيز مرونة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية يمثل جزءًا أساسيًا من تحسين التصنيف الائتماني.

    التمويل الخارجي يدعم الاقتصاد والإصلاحات الهيكلية ضرورة للاستدامة

    وأوضح الدكتور أحمد شوقي أن التمويل الخارجي يمثل أحد العوامل الداعمة للمركز المالي لمصر، بما يشمل برنامج صندوق النقد الدولي البالغ 8 مليارات دولار، إلى جانب التمويلات الأوروبية ومتعددة الأطراف والدعم الخليجي.

    وأشار إلى أن التقرير ذكر اكتمال المراجعة السابعة لبرنامج صندوق النقد الدولي في يوليو 2026، بما أتاح تمويلًا بقيمة 1.7 مليار دولار، مع توقع إجراء المراجعة الثامنة والأخيرة في ديسمبر 2026.

    وأكد أن التمويل الخارجي رغم أهميته، لا يمثل بديلًا عن بناء قدرة ذاتية مستدامة على توليد النقد الأجنبي، من خلال زيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة المنتجة، وتحسين تنافسية القطاعات القابلة للتصدير، وتوسيع دور القطاع الخاص.

    وأضاف أن الإصلاحات الهيكلية تشمل تحسين حوكمة الشركات المملوكة للدولة، وتسريع التخارج من أصول مختارة، وتوسيع القاعدة الضريبية، وترشيد الاستثمار العام كثيف الاستيراد.

    وشدد على ضرورة تحول هذه الإصلاحات من إجراءات معلنة إلى نتائج قابلة للقياس، تنعكس على زيادة الإنتاجية والاستثمار والتشغيل والصادرات، وتقليل الحاجة إلى التمويل المتكرر.

    عوامل رفع التصنيف الائتماني لمصر ومخاطر خفضه

    وأوضح الخبير الاقتصادي أن مستقبل التصنيف الائتماني لمصر يرتبط بقدرة الاقتصاد على تحويل الاستقرار الحالي إلى تحسن هيكلي أكثر استدامة.

    وأشار إلى أن الجدارة الائتمانية قد تواجه ضغوطًا في حال تراجع مرونة سعر الصرف، أو تباطؤ الإصلاحات، أو اتساع فجوات النقد الأجنبي، أو ارتفاع أعباء خدمة الدين، أو تراجع القدرة على الوصول إلى أسواق التمويل الخارجية.

    وفي المقابل، أكد أن فرص رفع التصنيف قد تتحسن إذا انخفض الدين الحكومي والخارجي بوتيرة أسرع من المتوقع، وتراجعت تكلفة خدمة الدين، وزادت الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتحسنت قدرة الاقتصاد على تنويع مصادر النمو والنقد الأجنبي.

    وأضاف أن تثبيت التصنيف الحالي يمثل مرحلة تتطلب استمرار التحسن المالي والاقتصادي، وتعزيز قدرة الاقتصاد على مقاومة الصدمات.

    استدامة التحسن الاقتصادي تتطلب خفض تكلفة الدين وزيادة الإنتاج والصادرات

    وأكد شوقي أن قرار ستاندرد آند بورز يعكس صورة اقتصادية تجمع بين مؤشرات إيجابية وتحديات مستمرة، موضحًا أن ارتفاع الاحتياطيات، وتحسن تدفقات النقد الأجنبي، والنمو الاقتصادي المتوقع، وتحقيق فائض أولي، تمثل عوامل داعمة للاستقرار.

    وأشار في المقابل إلى أن ارتفاع عبء الفوائد، وضخامة الاحتياجات التمويلية، وقصر آجال جانب من الدين المحلي، والتعرض لصدمات الطاقة، تظل تحديات تحد من سرعة التحسن الائتماني.

    وشدد على أن الاختبار الحقيقي لا يتمثل فقط في الحفاظ على الاستقرار المالي، وإنما في تحويله إلى دين أقل تكلفة، واستثمارات إنتاجية أكبر، وصادرات أقوى، وموارد مستدامة من النقد الأجنبي.

    وأوضح أن زيادة اعتماد النمو على الإنتاج والتصدير والاستثمار طويل الأجل، وتقليل الاعتماد على الاقتراض المتكرر والتمويل قصير الأجل، يعززان قدرة الاقتصاد على خفض المخاطر وزيادة ثقة المستثمرين.

    اقرأ أيضًا: إبقاء "فوتسي راسل" على تصنيف البورصة المصرية؟