تحولت الهجمات الأوكرانية على روسيا خلال 2026 من ضربات متفرقة إلى حملة تضغط مباشرة على قطاعات اقتصادية رئيسية، من تكرير النفط والطيران إلى التجارة الإلكترونية وصادرات الحبوب. ووصل التصعيد إلى ذروته في 20 سبتمبر، عندما قالت وزارة الدفاع الروسية إن دفاعاتها الجوية أسقطت 1,951 مسيرة هجومية و8 صواريخ كروز خلال 24 ساعة.
ولا يعني الرقم أن 1,951 مسيرة وصلت إلى أهدافها، بل إنه يمثل العدد الذي تقول موسكو إنها اعترضته أو أسقطته. وفي الليلة السابقة وحدها، قالت السلطات الروسية إنها أسقطت 1,110 مسيرات، فيما أعلن عمدة موسكو اعتراض أكثر من 1,600 مسيرة خلال الفترة نفسها، بينها نحو 450 كانت متجهة إلى العاصمة. وتعرضت منشآت اقتصادية في موسكو ومحيطها لأضرار، أبرزها مصفاة موسكو النفطية.
موسكو تحت هجوم واسع
وصف عمدة موسكو سيرغي سوبيانين الهجوم بأنه الأكبر الذي تتعرض له العاصمة منذ بداية الحرب، بينما قالت وزارة الدفاع الروسية إن الهجوم الواسع لم يحقق أهدافه. لكن الأضرار التي لحقت بمنشآت اقتصادية أظهرت أن جزءًا من المسيرات تمكن من تجاوز الدفاعات والوصول إلى أهداف داخل العاصمة.
وكانت مصفاة موسكو، التابعة لشركة غازبروم نفت، من أبرز المنشآت التي تعرضت للهجوم. وقالت مصادر صناعية لرويترز في 21 سبتمبر إن المصفاة أوقفت معالجة النفط الخام بعد اندلاع حرائق في وحدتي التقطير الأولي الرئيسيتين، وإن إصلاح الأضرار قد يستغرق عدة أسابيع.
اقرأ أيضا: عمالة الهند في روسيا.. هل تحل أزمة سوق العمل ومخلفات الحرب؟
وتبلغ الطاقة الإجمالية للمصفاة نحو 245 ألف برميل يوميًا. وفي 2024 عالجت المنشأة 11.6 مليون طن من النفط الخام، وأنتجت 2.9 مليون طن من البنزين و3.2 مليون طن من الديزل و1.3 مليون طن من البيتومين. لذلك فإن توقفها لا يمثل خسارة لمنشأة صناعية واحدة فقط، بل يضغط على إمدادات الوقود في واحدة من أكبر المناطق الاستهلاكية في روسيا.
النفط في قلب الأزمة
قطاع الطاقة هو الحلقة الأكثر تعرضًا للهجمات الأوكرانية خلال العام الحالي.
ووفق وكالة الطاقة الدولية، تمتلك روسيا 32 مصفاة رئيسية بطاقة تكرير إجمالية تبلغ نحو 6.5 مليون برميل يوميًا، وكانت قبل الحرب ثالث أكبر منتج للمنتجات النفطية المكررة عالميًا بعد الولايات المتحدة والصين.
لكن الهجمات المتكررة أضعفت قدرة المصافي الروسية على العمل. ففي يونيو، انخفض معدل معالجة النفط الخام إلى نحو 3.8 مليون برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى في أكثر من 20 عامًا، وأقل بنحو 30% عن مستواه قبل عام.
كما تراجع إنتاج البنزين بنحو 20% مقارنة بمستويات 2025، بينما انخفض إنتاج الديزل بنحو 30% تقريبًا. وبحلول نهاية أغسطس، خفضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها لمعدل تكرير النفط الروسي إلى متوسط يبلغ نحو 4 ملايين برميل يوميًا لبقية 2026 ولعام 2027.
واللافت أن الهجمات أصبحت أكثر انتظامًا. ففي الأشهر الثمانية الأولى من 2026، تعرضت مصفاة روسية لهجوم في المتوسط مرة كل ثلاثة أيام، وبحلول أواخر أغسطس لم يتبق سوى خمس مصافٍ روسية رئيسية لم تتعرض لهجمات بطائرات مسيرة أوكرانية، وجميعها تقع في مناطق بعيدة شرق البلاد.
الوقود يدفع الفاتورة
تراجع التكرير انعكس سريعًا على سوق الوقود الروسية.
فمع انخفاض إنتاج البنزين والديزل، فرضت الحكومة قيودًا على الصادرات لحماية السوق المحلية، ومددت حظر تصدير الديزل حتى نهاية سبتمبر، فيما لجأت شركات روسية إلى استيراد البنزين من دول بينها المغرب وكوريا الجنوبية والهند وتركيا.
وبحلول نهاية يونيو، كانت أزمة الوقود قد ظهرت في 92% من المناطق الروسية، وفق وكالة الطاقة الدولية، بينما طبقت نحو ثلثي المناطق إجراءات لتقنين المبيعات، مثل تحديد الكميات التي يمكن شراؤها.
وفي 26 أغسطس، أظهرت بيانات هيئة الإحصاء الروسية أن متوسط سعر البنزين ارتفع بأكثر من 19% منذ بداية العام، فيما ارتفعت أسعار الديزل بنحو 18%.
وهنا يظهر الأثر الاقتصادي المباشر للهجمات: المشكلة لا تتوقف عند تكلفة إصلاح المصفاة، بل تنتقل إلى شركات النقل والمزارعين والمصانع والمستهلكين، لأن الوقود يدخل في تكلفة نقل السلع وتشغيل المعدات والإنتاج الزراعي والصناعي.
الطيران تحت الضغط
لم يكن قطاع الطاقة وحده المتضرر.
فخلال أغسطس، أغلقت المطارات الروسية مؤقتًا 993 مرة بسبب مخاطر المسيرات، وفق بيانات شركة Osprey Flight Solutions التي نقلتها وسائل إعلام دولية، وشملت القيود 32 مطارًا روسيًا.
اقرأ أيضا: مصادرة أسطول الظل تضرب شريان نفط روسيا
وبلغ عدد حالات الإغلاق خلال أشهر يونيو ويوليو وأغسطس 2,182 حالة، متجاوزًا إجمالي الحالات المسجلة خلال عام 2025 بأكمله، والبالغة 1,923 حالة.
وتؤدي هذه الإجراءات إلى تعليق الإقلاع والهبوط، وتحويل مسارات الطائرات، وإلغاء الرحلات وتأخيرها. وفي الأيام الثلاثة الأولى من سبتمبر، بلغ متوسط الرحلات الملغاة في روسيا نحو 86 رحلة يوميًا، وفق بيانات FlightRadar24 التي نقلتها تقارير صحفية.
وبالتالي، أصبح تأثير المسيرات يمتد إلى قطاع الخدمات، وليس فقط إلى المنشآت التي تتعرض لضربات مباشرة.
ضربة للتجارة الإلكترونية
قطاع التجارة الإلكترونية الروسي تعرض بدوره لضغوط متزايدة.
واستهدفت الهجمات مستودعات ومراكز لوجستية تابعة لشركتي Wildberries وOzon، وهما من أكبر منصات التجارة الإلكترونية في البلاد. ووفق تحليل نقلته صحيفة موسكو تايمز، تسببت الهجمات على البنية اللوجستية للقطاع في أضرار تتجاوز 5 مليارات دولار للبنية التحتية والبضائع.
أما الرقم الذي تحدث عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فقد وضع إجمالي الخسائر الناتجة عن حملة استهداف البنية التحتية الاقتصادية عند نحو 1% من الناتج المحلي الروسي، أي قرابة 25 مليار دولار.
وتكشف الضربات على المستودعات جانبًا مختلفًا من الضغط الاقتصادي، إذ إن تدمير مركز لوجستي لا يؤثر فقط على الشركة المالكة، وإنما يمتد إلى التجار الذين يعتمدون عليها في التخزين والتوزيع، وإلى المستهلكين الذين قد يواجهون تأخرًا في تسليم المنتجات أو ارتفاعًا في تكاليفها.
الحبوب تبحث عن طريق بديل
وصلت التداعيات أيضًا إلى الصادرات الزراعية الروسية.
فقد انخفضت صادرات الحبوب الروسية المنقولة بحرًا في أغسطس بنسبة 61.9% على أساس سنوي إلى نحو مليوني طن مسجلة أدنى مستوى منذ العام 2010، وفق بيانات شحن نقلتها رويترز.
وكانت الهجمات على البنية التحتية في البحر الأسود وبحر آزوف أحد العوامل الرئيسية وراء تراجع حركة الشحن، بعدما علقت السلطات الروسية الملاحة في بحر آزوف، كما توقفت عمليات تحميل في موانئ رئيسية بعد هجمات في أغسطس.
وتكمن أهمية هذه التطورات في أن نحو 90% من صادرات الحبوب الروسية المنقولة بحرًا كانت تمر قبل الأزمة عبر موانئ البحر الأسود وبحر آزوف.
وبدأت الشركات الروسية في تحويل جزء من صادراتها إلى موانئ البلطيق والموانئ الشمالية، لكن القدرة الاستيعابية لهذه المسارات لا تكفي بسهولة لتعويض الطرق التقليدية.
وهذا يعني أن الهجمات لا تضغط فقط على إنتاج الطاقة، بل تزيد أيضًا تكلفة وصول السلع الروسية إلى الأسواق الخارجية.
تكلفة تتجاوز روسيا
الأثر الاقتصادي لهذه الهجمات لا يتوقف عند الاقتصاد الروسي.
روسيا من أكبر موردي المنتجات النفطية في العالم، وبالتالي فإن تراجع إنتاج المصافي وصادرات الديزل ينعكس على الأسواق الدولية، خصوصًا في وقت تعاني فيه أسواق الوقود من اضطرابات أخرى في الشرق الأوسط.
اقرأ أيضا: أزمة مضيق هرمز تحرق الاقتصادات العربية
وفي أغسطس، انخفضت صادرات الديزل والغازويل المجمعة من روسيا ودول الشرق الأوسط إلى نحو 520 ألف برميل يوميًا، أي أقل بنحو 75% من مستواها في أغسطس 2025، وفق وكالة الطاقة الدولية.
وفي 21 سبتمبر، قالت رويترز إن العقود الآجلة للديزل الأوروبي تجاوزت أكثر من ضعف مستويات بداية 2026، مع وصول المصافي العالمية إلى مستويات تشغيل مرتفعة جدًا ووجود مساحة محدودة لزيادة الإنتاج لتعويض النقص.
وبذلك أصبحت الهجمات على المصافي الروسية جزءًا من معادلة أوسع في سوق الطاقة العالمية، حيث يمكن أن يؤدي خروج كميات إضافية من المنتجات النفطية إلى زيادة الضغط على الأسعار.
اقتصاد تحت ضغط متراكم
المشكلة الأساسية بالنسبة لروسيا ليست في تكلفة ضربة واحدة، بل في تراكم الأضرار.
فإصلاح وحدة تكرير بسيطة قد يستغرق أسبوعًا أو أسبوعين، لكن إصلاح بعض وحدات التكرير الثانوية الأكثر تعقيدًا قد يستغرق بين ستة وثمانية أشهر، وفق وكالة الطاقة الدولية.
ومع استمرار الهجمات، ترتفع تكلفة الحماية والإصلاح، وتنخفض موثوقية المصافي، وتضطر الحكومة إلى تقييد الصادرات أو استيراد الوقود، بينما يواجه المستهلكون أسعارًا أعلى.
وفي أغسطس، وقع بوتين مرسومًا يسمح للحكومة بوضع شركات ومنشآت خاصة تحت إدارة الدولة مؤقتًا إذا اعتبرت أنها فشلت في حماية منشآتها الحيوية من هجمات المسيرات أو تأخرت في استعادة عملياتها.
وتزامن ذلك مع ضغوط أوسع على المالية العامة. فقد قالت وزارة المالية الروسية في سبتمبر إن عجز الميزانية قد يصل إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، مقابل هدف سابق يبلغ 1.6%، مع ارتفاع الإنفاق العسكري وتكاليف تعزيز الدفاعات الجوية ومعالجة نقص الوقود.
من المسيرات إلى الاقتصاد
تكشف أحداث سبتمبر أن المسيرات أصبحت أداة قادرة على إحداث اضطراب اقتصادي حتى عندما لا تؤدي كل ضربة إلى تدمير منشأة بالكامل.
فإغلاق مطار لساعات، أو توقف مصفاة لأسابيع، أو تغيير مسار سفن الحبوب، أو تضرر مستودع لوجستي، قد يبدو حدثًا منفصلًا. لكن تكرار هذه الأحداث يحولها إلى تكلفة اقتصادية متراكمة.
وفي حالة روسيا، ظهرت بالفعل نتائج قابلة للقياس: انخفاض التكرير إلى أدنى مستوى في أكثر من عقدين، ارتفاع أسعار البنزين بأكثر من 19%، قيود على صادرات الوقود، مئات حالات إغلاق المطارات، وتراجع حاد في صادرات الحبوب المنقولة بحرًا.
أما هجوم 20 سبتمبر، فقد أضاف فصلًا جديدًا إلى هذه القصة، بعدما قالت موسكو إنها أسقطت 1,951 مسيرة خلال 24 ساعة، فيما تعرضت مصفاة موسكو لأضرار أجبرتها على وقف معالجة الخام.
وبالتالي، فإن السؤال الاقتصادي لم يعد فقط عن عدد المسيرات التي تستطيع روسيا اعتراضها، بل عن قدرة اقتصادها على تحمل تكلفة الإصلاح والتعويض وإعادة توجيه التجارة والحفاظ على إمدادات الوقود مع استمرار الهجمات.
