اتخذت الصين خطوة جديدة لتوسيع المقاصة باليوان في المعاملات الدولية، بإدخال الدولار السنغافوري والدولار النيوزيلندي والبات التايلاندي ضمن نظام المقاصة المركزية المحلي، بما يعزز التداول المباشر لهذه العملات مقابل اليوان ويقلل الحاجة إلى استخدام الدولار كعملة وسيطة.
148 مليون دولار في أول جلسات المقاصة باليوان
وبدأت دار شنغهاي للمقاصة تقديم خدمات الطرف المقابل المركزي، المعروفة باسم CCP، لأزواج العملات الثلاثة الجديدة، ونفذت معاملات بقيمة 996 مليون يوان، تعادل نحو 148 مليون دولار، خلال أول جلسة بمشاركة 12 بنكًا.
كما قررت إعفاء أزواج العملات الثلاثة الجديدة من رسوم المقاصة حتى نهاية عام 2028، بهدف خفض تكاليف التداول ودعم السيولة وجعل التسوية باليوان أكثر جاذبية، ضمن مساعي بكين لتوسيع الاستخدام الدولي للعملة الصينية، خصوصًا في التجارة.
تسهيلات جديدة للبنوك الصينية
وكان بنك الشعب الصيني قد سمح لستة من أكبر البنوك المحلية، من بينها البنك الصناعي والتجاري وبنك الصين وبنك التعمير، بتنفيذ معاملات اليوان الخارجي مباشرة من داخل البلاد، بدلًا من الاقتصار على الفروع الموجودة في المناطق الحرة.
وفي السابق، كانت البنوك الصينية مضطرة إلى التعامل في أسواق اليوان الخارجية عبر حسابات منفصلة، ما حد من قدرتها على إدارة مراكزها بين السوقين المحلي والدولي.
ويتيح النظام الجديد إجراء العمليات من المقار الرئيسية للبنوك، بما يسهل إدارة مراكز اليوان داخليًا وخارجيًا، مع استمرار العمل بنظام الحصص، كما يقلص الفوارق بين السوقين ويسمح بنقل السيولة بصورة أكثر سهولة.
ولا تأتي هذه الخطوات بمعزل عن تحركات صينية أوسع لتنويع الاحتياطيات والاستثمارات وتقليل الاعتماد التدريجي على الأصول المقومة بالدولار.
قد يهمّك أيضًا: الرقائق الصينية.. هل تقترب بكين من نقطة التحول؟
تحولات في موازين الاقتصاد العالمي
وقال الدكتور رضا عبد السلام، الخبير الاقتصادي، إن التحولات الجارية تشير إلى تغيرات عميقة في موازين القوى الاقتصادية الدولية، في ظل الضغوط التي يواجهها الاقتصاد الأمريكي وتزايد الدين العام، بالتزامن مع تحركات صينية تستهدف تنويع أدوات الاحتياط والاستثمار وتقليل الاعتماد على الدولار.
وأوضح عبد السلام أن الدين العام الأمريكي يقترب من 41 تريليون دولار، في حين يدور الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة حول 30 تريليون دولار، مشيرًا إلى الزيادة الكبيرة التي شهدها الدين خلال السنوات الماضية بعدما كان دون 8 تريليونات دولار في 2009.
وأشار إلى أن الاقتصاد الأمريكي يواجه ضغوطا تشمل ارتفاع الدين العام والتضخم والخلافات حول اتجاه السياسة النقدية وأسعار الفائدة، معتبرا أن أي تحركات في الفائدة تنعكس على الدولار وتدفقات رؤوس الأموال والطلب على الأصول الأمريكية.
الصين تخفض حيازاتها من سندات الخزانة
وأكد عبد السلام أن الصين تتحرك تدريجيًا لإعادة توزيع استثماراتها واحتياطياتها، بعدما كانت لسنوات من أكبر المستثمرين في أدوات الدين الحكومية الأمريكية.
وقال إن حيازات بكين بلغت في مرحلة سابقة نحو 1.3 تريليون دولار، إذ كانت تعيد استثمار جانب من فوائضها الدولارية الناتجة عن التجارة مع الولايات المتحدة في سندات وأذون الخزانة الأمريكية.
وكان الحفاظ على قوة الدولار وانخفاض اليوان نسبيًا يخدم في مرحلة سابقة الاقتصاد الصيني القائم بدرجة كبيرة على التصدير، من خلال دعم تنافسية المنتجات الصينية وزيادة الصادرات وتشغيل المصانع.
لكن هذا الاتجاه تغير تدريجيًا خلال السنوات الأخيرة؛ إذ أظهرت أحدث بيانات وزارة الخزانة الأمريكية المتاحة أن حيازات الصين من سندات الخزانة بلغت 618 مليار دولار بنهاية يوليو 2026، مقابل 633.4 مليار دولار في يونيو و695.6 مليار دولار في يوليو 2025.
ويرى عبد السلام أن تراجع الحيازات يعكس تحركا صينيا لتقليل الاعتماد على الأصول الأمريكية، لكنه أكد في الوقت نفسه أن بكين لا يمكنها تنفيذ خروج مفاجئ من الدولار، نظرا إلى استمرار ارتباط جانب مهم من اقتصادها بالتجارة الدولية والسوق الأمريكية.
اقرأ أيضًا: الصين والاتحاد الأوروبي.. مواجهة تجارية في بروكسل
بكين تنوع استثماراتها عالميًا
وأشار عبد السلام إلى أن الصين تتجه في المقابل إلى توظيف جانب من أموالها في أصول واستثمارات ومشروعات بمناطق مختلفة حول العالم، بما يشمل البنية التحتية والموانئ والمناطق الصناعية، بالتوازي مع توسع مشروع الحزام والطريق.
وأوضح أن توزيع الاستثمارات على أكثر من سوق وأداة مالية يحد من الاعتماد على أصل واحد، وفي الوقت نفسه يعزز الحضور الاقتصادي والاستثماري للصين في أسواق متعددة.
كما شدد على أن تقليل الاعتماد على الدولار لا يعني اختفاء العملة الأمريكية سريعا، وإنما يمثل مسارا تدريجيا يمكن أن يمتد لفترة طويلة مع تغير هيكل الاحتياطيات والمعاملات الدولية.
الذهب يدخل بقوة في استراتيجية الاحتياطيات
ولفت عبد السلام إلى أن زيادة حيازات الذهب تمثل أحد المؤشرات المهمة في السياسة الصينية لتنويع الاحتياطيات.
وتؤكد البيانات الرسمية اتجاه بنك الشعب الصيني إلى زيادة احتياطياته من المعدن النفيس؛ إذ ارتفعت الحيازات إلى 76.08 مليون أوقية بنهاية يوليو 2026، بما يعادل نحو 2,367 طنا، بعد إضافة نحو 640 ألف أوقية خلال شهر واحد.
ويرى عبد السلام أن زيادة حيازات الذهب، بالتزامن مع خفض حيازات سندات الخزانة الأمريكية، تعكس استعدادا صينيا طويل الأجل لتحولات محتملة في النظام النقدي والمالي العالمي.
مصر والتحول نحو الشرق
وأكد عبد السلام أن تعزيز مصر علاقاتها الاقتصادية مع الصين والأسواق الشرقية يأتي في إطار التغيرات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، خاصة مع نمو العلاقات التجارية والاستثمارية والتوسع في استخدام العملات المحلية في بعض المعاملات.
وأضاف أن الصين نفسها لا تستطيع التخلي عن الدولار بصورة مفاجئة، نظرًا إلى اعتماد اقتصادها بصورة كبيرة على الصادرات، واستمرار أهمية السوق الأمريكية بالنسبة إلى المنتجات الصينية.
ولذلك تتحرك بكين باستراتيجية تدريجية تستهدف توسيع أسواقها وتنويع شركائها التجاريين وتقليل الاعتماد على سوق أو عملة واحدة.
بريكس وتنويع العلاقات الاقتصادية
وأشار عبد السلام إلى أن الصين تعمل أيضا، بالتعاون مع دول مجموعة بريكس، على توسيع العلاقات الاقتصادية والتجارية، معتبرًا أن التعامل مع التحولات الدولية يجب أن يقوم على المصالح الاقتصادية للدول.
وشدد على أن العلاقات الدولية تحكمها المصالح، وأن القرارات الاقتصادية والسياسية تتحرك وفق ما يخدم المصالح الوطنية، وهو ما يفسر التحركات الصينية لإعادة توزيع استثماراتها واحتياطياتها وتعزيز وجودها الاقتصادي في أسواق متعددة.
الدولار لن يختفي بين يوم وليلة
وأكد عبد السلام أن التحولات الحالية لا تعني انهيار الولايات المتحدة أو انتهاء دور الدولار بصورة مفاجئة، كما لا تعني انتقال الهيمنة الاقتصادية العالمية إلى الصين بين يوم وليلة، وإنما تشير إلى مسار تدريجي لإعادة تشكيل أجزاء من النظام الاقتصادي والمالي العالمي.
واعتبر أن تراجع حيازات الصين من سندات الخزانة الأمريكية، وزيادة احتياطيات الذهب وتوسع الاستثمارات والأصول الصينية خارج الولايات المتحدة، يمثل مجموعة من المؤشرات التي تستحق المتابعة لفهم اتجاه النظام النقدي العالمي خلال السنوات المقبلة.
واختتم عبد السلام تصريحاته بالتأكيد على أن الذهب سيظل، في ضوء هذه التحولات، أحد الأصول المهمة للتحوط، إلى جانب العقارات والأصول ذات القيمة، مشيرا إلى ضرورة قراءة حركة التجارة والاستثمارات والمبادلات الدولية في ضوء التغيرات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
اقرأ أيضًا: فائض صادرات الصين.. هل يهدد الاقتصاد العالمي؟
