اقتصادات عالمية

    الصين والاتحاد الأوروبي.. مواجهة تجارية في بروكسل

    عجز تجاري بـ360 مليار يورو يدفع بروكسل لمواجهة السيطرة الصينية، وتساؤلات حول تطبيق المادة 301 ضد بكين

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •5 دقائق
    علما الصين والاتحاد الأوروبي، في ظل اجتماع الطرفين على طاولة المفاوضات لتهدئة التوترات وتجنب الحرب التجارية.

    أتاح الاجتماع رفيع المستوى الذي تم عقده  في بروكسل اليوم الاثنين، 29 يونيو 2026، بين كبار المسؤولين في الصين والاتحاد الأوروبي، فرصة جديدة أمام الجانبين لتقييم إمكانية خفض حدة التوترات التجارية المتصاعدة، في ظل مخاوف متزايدة من انزلاق العلاقات الاقتصادية بين الطرفين إلى حرب تعريفات جمركية شاملة.

    ومن المقرر أن يجري مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي، ماروش سيفكوفيتش، محادثات تستمر يومًا كاملًا مع وزير التجارة الصيني، وانغ وينتاو، في العاصمة البلجيكية بروكسل، في محاولة لتهدئة الخلافات التجارية بين الاتحاد الأوروبي وبكين، وبحث فرص حل النزاعات القائمة من خلال الحوار.

    الاختلال التجاري بين الصين والاتحاد الأوروبي

    في هذا السياق، قال الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، إن الاجتماع  يمثل محطة مهمة لاختبار قدرة الجانبين على تهدئة التوترات التجارية المتصاعدة، في ظل مخاوف واضحة من انزلاق العلاقة الاقتصادية بين الطرفين إلى حرب تعريفات جمركية شاملة.

    وأضاف أن اللقاء المزمع بين ماروش سيفكوفيتش ووانغ وينتاو يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يسعى الطرفان إلى تقييم فرص حل النزاعات التجارية عبر الحوار، بدلًا من الدخول في مسار تصعيد متبادل قد يضر بالاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية.

    وأوضح أن الاتحاد الأوروبي بدأ يحول تركيزه بقوة نحو الصين، مع تصاعد القلق داخل بروكسل من الاختلال التجاري الكبير بين الكتلة الأوروبية، التي تضم 27 دولة، والقوة الاقتصادية الآسيوية، مشيرًا إلى أن المشكلة لم تعد مجرد خلاف تجاري عابر، بل أصبحت مرتبطة بمستقبل قطاعات صناعية أوروبية كاملة.

    وأشار شوقي إلى أن الاتحاد الأوروبي يرى أن استمرار تدفق السلع الصينية منخفضة التكلفة إلى الأسواق الأوروبية يهدد المصنّعين الأوروبيين بصورة مباشرة، خصوصًا في القطاعات الحيوية التي يصعب تعويض خسارتها إذا خرجت من المنافسة. ولفت إلى أن بروكسل تخشى أن يؤدي غياب التحرك إلى فقدان عدد من الصناعات الرئيسة بالكامل لصالح المنتجات الصينية الأرخص.

    وأكد أن حجم الاختلال التجاري بين الصين والاتحاد الأوروبي يعكس عمق الأزمة، حيث يقدر العجز التجاري للاتحاد الأوروبي في السلع مع الصين خلال عام 2025 بنحو 360 مليار يورو، أي ما يقارب 410 مليارات دولار أمريكي، وهو رقم يوضح أن العلاقة التجارية بين الجانبين لم تعد متوازنة من وجهة النظر الأوروبية.

    اقرأ أيضًا: الصين توسع فائضها التجاري مع أمريكا

    تجنب حرب تجارية شاملة مع الصين

    وقال شوقي إن زيارة وزير التجارة الصيني إلى بروكسل جاءت بعد أقل من أسبوعين من تكليف قادة الاتحاد الأوروبي للمفوضية الأوروبية بالعمل على حل الأزمة من خلال المفاوضات مع بكين، بالتوازي مع استعداد الاتحاد الأوروبي لتعزيز إجراءاته الدفاعية التجارية لحماية القطاعات الحيوية داخل القارة.

    وأضاف شوقي أن الجانب الصيني، من خلال زيارة وانغ وينتاو، قد يسعى إلى قياس مدى جدية التهديدات الأوروبية باستخدام أدوات الدفاع التجاري ضد بكين، خاصة في ظل حديث أوروبي متزايد عن ضرورة التحرك لحماية الصناعة الأوروبية من المنافسة الصينية المدعومة من الدولة.

    وأوضح أن الاتحاد الأوروبي، رغم تصعيده اللهجة، لا يزال يأمل في تجنب حرب تجارية شاملة مع الصين، باعتبارها ثاني أكبر شريك تجاري له في مجال السلع، لأن أي مواجهة مفتوحة بين الطرفين لن تكون محدودة التأثير، بل ستنعكس على التجارة العالمية والأسعار وسلاسل الإنتاج.

    وأشار إلى أن بكين، في المقابل، أرسلت إشارات واضحة بأنها سترد بالمثل إذا تعرضت لإجراءات تعتبرها غير عادلة أو تمييزية، ما يعني أن هامش الخطأ في هذه المفاوضات ضيق للغاية، وأن أي خطوة أوروبية غير محسوبة قد تقابلها إجراءات صينية مضادة.

    الشركات الأوروبية في منافسة غير متكافئة الأطراف

    ولفت شوقي إلى أن أحد جذور الخلاف يتمثل في الدعم الحكومي الكبير الذي تحصل عليه الشركات الصينية، موضحًا أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قدرت أن الشركات الصينية تلقت بين عامي 2005 و2024 دعمًا حكوميًا يفوق ما حصلت عليه نظيراتها في دول المنظمة بما يتراوح بين ثلاثة وثمانية أضعاف، مع اعتبار المنظمة أن هذا التقدير محافظ، أي أن حجم الدعم الفعلي قد يكون أكبر.

    وأكد أن هذه النقطة تحديدًا تغذي المخاوف الأوروبية، لأن الشركات الأوروبية تجد نفسها أمام منافسة غير متكافئة مع شركات صينية تستفيد من دعم حكومي واسع، وتستطيع طرح منتجات بأسعار منخفضة تضغط على المنتجين الأوروبيين وتحد من قدرتهم على البقاء في السوق.

    اقرأ أيضًا: تحليل أبعاد قرار الصين بإلغاء الرسوم عن واردات إفريقيا

    آليات جديدة لتقليل الاعتماد على الصين

    وقال إن الاتحاد الأوروبي يمتلك بالفعل مجموعة قوية من أدوات الدفاع التجاري، من بينها فرض تعريفات جمركية أعلى على المنتجات القادمة من الصين، واستخدام تدابير الحماية الطارئة عند الضرورة، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن اللجوء المفرط لهذه الأدوات قد يفتح الباب أمام ردود صينية مماثلة.

    وأضاف أن بروكسل تعمل حاليًا على تطوير آليات رقابية جديدة بشكل سريع، في محاولة لتقليل الاعتماد على الصين في القطاعات الاستراتيجية. ومن بين هذه الآليات أداة قانونية جديدة تعمل المفوضية الأوروبية على تطويرها لإلزام الشركات بتنويع مورديها في مجالات بالغة الأهمية، مثل أشباه الموصلات والعناصر الأرضية النادرة.

    وأوضح شوقي أن هذا التوجه يعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن الأزمة مع الصين لا تتعلق فقط بالواردات الرخيصة، بل تشمل أيضًا الاعتماد الصناعي والتكنولوجي على مورد رئيس واحد في قطاعات حساسة، وهو ما قد يمثل خطرًا على الأمن الاقتصادي الأوروبي في أوقات الأزمات.

    وأشار إلى أن العناصر الأرضية النادرة وأشباه الموصلات أصبحت من أكثر الملفات حساسية في العلاقات التجارية الدولية، لأنها تدخل في صناعات استراتيجية تشمل التكنولوجيا المتقدمة، والطاقة النظيفة، والسيارات الكهربائية، والصناعات الدفاعية، وبالتالي فإن تنويع سلاسل الإمداد لم يعد خيارًا اقتصاديًا فقط، بل ضرورة أمنية وسياسية.

    هل تتبع أوروبا ترامب في فرض التعريفات الجمركية؟

    وقال إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اقترح في مايو 2026 تطبيق نسخة أوروبية من "المادة 301" ، وهي أداة تجارية شبيهة بتلك التي استخدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفرض تعريفات جمركية أعلى على صناعات محددة بعد إجراء تحقيقات مستقلة.

    وأضاف أن هذا المقترح يعكس تغيرًا واضحًا في المزاج الأوروبي، إذ لم تعد أوروبا تكتفي بالدعوة إلى قواعد التجارة الحرة، بل بدأت تبحث عن أدوات أكثر صرامة للدفاع عن صناعاتها في مواجهة ما تعتبره ممارسات تجارية غير عادلة.

    وأكد شوقي أن الأزمة بين الاتحاد الأوروبي والصين لا يمكن اختزالها في ملف التعريفات الجمركية وحده، لأنها تعبر عن صراع أوسع حول قواعد المنافسة العالمية، ودور الدولة في دعم الشركات، ومستقبل الصناعات الاستراتيجية، وقدرة أوروبا على حماية نموذجها الصناعي دون الانزلاق إلى سياسات حمائية مفرطة.

    وأوضح أن الصين تنظر إلى أي إجراءات أوروبية دفاعية باعتبارها محاولة لتقييد صعودها الاقتصادي وتقليص نفوذ شركاتها في الأسواق العالمية، بينما يرى الاتحاد الأوروبي أن عدم التحرك سيجعل صناعاته عرضة للانكماش أو الخروج من المنافسة أمام منتجات صينية مدعومة ومنخفضة التكلفة.

    وأشار إلى أن مفاوضات بروكسل تمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الطرفين على الوصول إلى تسوية متوازنة، تحفظ لأوروبا حقها في حماية صناعاتها، وفي الوقت نفسه تمنح الصين مساحة للحفاظ على تدفق صادراتها دون مواجهة تجارية مفتوحة.

    واختتم الدكتور أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن الحوار قد يخفف حدة التوتر بين بروكسل وبكين، لكنه لن ينهي جوهر الخلاف بسهولة، لأن السؤال الأساسي لا يزال قائمًا: هل تستطيع أوروبا منافسة الصين دون أدوات حمائية أقوى، وهل تقبل بكين بتعديل سياساتها الصناعية والتجارية بما يطمئن شركاءها الأوروبيين ويمنع انفجار حرب تعريفات جديدة

    قد يهمّك أيضًا: كيف يؤثر إلغاء رسوم ترامب الجمركية على مستقبل التجارة الدولية؟