بعد سنوات من الدعم الحكومي والاعتماد على الموردين الأجانب، تكسب شركات صناعة الرقائق الصينية زخماً جديداً بفعل قيود التصدير الأمريكية وطفرة الذكاء الاصطناعي، لكن الفجوة في الشرائح الأكثر تقدماً لم تختفِ بعد.
وتسعى بكين منذ أكثر من عقد إلى تقليل اعتمادها على أشباه الموصلات المستوردة؛ ورغم ضخامة التمويل الحكومي وتدفق المشروعات القومية والتسابق المحموم من الكيانات المحلية لدخول خط الإنتاج، إلا أن المهمة بقيت شاقة ومحفوفة بالتحديات منذ انطلاقها.
لكن المشهد تغيّر تدريجياً، فقد دفعت القيود الأمريكية على المعدات والرقائق المتقدمة بكين إلى توجيه مزيد من التمويل والطلب المحلي نحو الشركات الصينية، كما رفعت طفرة الذكاء الاصطناعي أهمية رقائق الذاكرة والمعالجات، ومنحت هذه الشركات سوقاً محلية تحتاج إلى بدائل عن الموردين الأجانب.
وتبرز شركة "تشانغشين ميموري تكنولوجيز" المعروفة باسم "سي إكس إم تي" بوصفها المثال الأوضح على هذا التحول، فهذه الشركة الصينية المتخصصة في رقائق الذاكرة جمعت 8.6 مليار دولار في طرحها ببورصة شنغهاي خلال يوليو، وقفز سهمها 466% في أول يوم تداول.
لكن هل يعني ذلك أن الصين اقتربت من الاكتفاء الذاتي في الرقائق؟ الإجابة ما زالت أكثر تعقيداً من صعود سهم واحد أو نجاح طرح كبير لشركة واحدة.

"سي إكس إم تي".. نموذج لطموح الصين
تنتج شركة "سي إكس إم تي" رقائق ذاكرة "DRAM" المستخدمة في الخوادم والهواتف وأجهزة الكمبيوتر، بالإضافة إلى بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وقد تحولت إلى رمز لطموح الصين في بناء شركة محلية قادرة على منافسة مجموعات عالمية مثل "سامسونغ" و"إس كيه هاينكس" و"مايكرون".
وتأسست الشركة في عام 2016 بدعم من جهات استثمار محلية وصناديق مرتبطة بالدولة، وجاء طرحها الأخير ليمنحها تمويلاً جديداً للتوسع في الإنتاج والبحث والتطوير، في وقت تشهد فيه سوق الذاكرة محليًا وعالميًا طلبًا قويًا بسبب مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
لكن الصعود الحاد في سعر السهم، يعكس أيضاً رهان المستثمرين على سياسة بكين الصناعية، ولا يثبت وحده أن الشركة لحقت بالمنافسين العالميين، فما زالت الشركة أصغر من الشركات الرائدة في صناعة الذاكرة، وتعمل في سوق تتغير تقنياتها بسرعة كبيرة.
اقرأ أيضًا: آلات DUV الصينية تُربك أسهم الرقائق العالمية
لماذا تعتمد بكين على الخارج؟
تحتاج صناعة الرقائق إلى استثمارات ضخمة وخبرة متراكمة لسنوات، من تصميم الشرائح إلى آلات التصنيع والمواد والبرمجيات المستخدمة في الإنتاج، ولهذا سبقت شركات أمريكية وكورية وتايوانية منافساتها الصينية بعقود كثيرة.
وعندما أطلقت بكين خطة "صنع في الصين 2025"، كان هدفها بناء قدرة محلية في الصناعات المتقدمة، وعلى رأسها الرقائق الإلكترونية، ومنذ عام 2014 تجاوز التمويل الحكومي والموجه من الدولة لصناعة أشباه الموصلات 150 مليار دولار، وفق تقديرات حديثة.
لكن المال وحده لم يكن كافياً، فقد تعطلت مشروعات، وفشلت شركات في الوصول إلى الإنتاج التجاري، وفتحت قضايا فساد في بعض الاستثمارات، كما استمرت الشركات المحلية في الاعتماد على معدات وبرمجيات وتقنيات لا تملكها محلياً.
اقرأ أيضا: سباق الذكاء الاصطناعي.. أمريكا بالرقائق والصين بالسعر
البحث عن بدائل محلية بسبب القيود الأمريكية
بدلاً من وقف التقدم الصيني، دفعت قيود التصدير الأمريكية الشركات والحكومة إلى تسريع البحث عن بدائل محلية، فأصبح التركيز أكبر على الأدوات التي تُصنّع الرقائق، وعلى الذاكرة تحديداً، وأيضًا على الشرائح التي تحتاجها مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والسيارات والهواتف.
وفي هذا السياق، باتت الشركات المحلية تحظى بدعم حكومي موجه وأكثر كفاءة، يسانده طلب متزايد من عمالقة التكنولوجيا الصينيين الذين وُضعوا أمام حتمية التخلي عن الموردين الأجانب في المنتجات الحساسة.
غير أن تشييد المصانع وحده لا يضمن النجاح؛ إذ يتطلب نمو صناعة الرقائق تدفقاً مستمراً من الطلبيات المستقرة لكبار العملاء، يتيح اختبار المنتجات وتطوير كفاءتها وزيادة طاقتها الإنتاجية، وهي البيئة التي توفرها اليوم شركات الحوسبة السحابية وصانعو الهواتف والسيارات الكهربائية داخل السوق الصيني.
تحديات أمام الصين
التحدي الأكبر أمام الصين ليس إنتاج أي رقاقة، بل إنتاج الشرائح الأحدث بكميات كبيرة وبكلفة مناسبة، وهذا يشمل رقائق الذاكرة ذات النطاق الترددي العالي، وهي عنصر مهم في خوادم الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى آلات التصنيع المتقدمة وبرمجيات تصميم الرقائق.
كما تواجه الشركات الصينية مشكلة الإنتاج المستقر، فالوصول إلى نموذج أولي ناجح يختلف عن تشغيل مصنع ينتج ملايين الشرائح بالجودة نفسها وبنسبة هدر منخفضة، وهذه خبرة بنتها الشركات العالمية عبر سنوات طويلة من العمل مع عملاء وموردين من دول متعددة.
وتبقى القيود الأمريكية وحلفاؤها تحدياً آخر أمام الشركات الصينية المصنعة للرقائق الإلكترونية، لأنها تحد من وصول الصين إلى بعض المعدات والبرمجيات والخبرات المتخصصة، وتدفع هذه القيود الصين إلى الاستثمار أكثر في البدائل المحلية، وهو ما يجعل المسار أبطأ، لكنه أكثر استقلالاً على المدى الطويل.
اقرأ أيضًا: الصين تسيطر على نصف المعروض العالمي للروبوتات البشرية
هل تحقق الصين الاكتفاء الذاتي؟
ليس في المدى القريب، فالصين تتقدم في صناعة بعض أنواع الرقائق والمعدات، لكنها لا تزال بعيدة عن الاكتفاء الكامل أو عن منافسة الشركات الرائدة في كل طبقات الصناعة.
والأقرب إلى الواقع، هو أن الصين تبني قدرة أقوى في الرقائق التي تحتاجها السوق المحلية، خاصة الشرائح الأساسية والذاكرة وبعض الأدوات، وإذا نجحت الشركات المحلية في تحويل الطلب المحلي إلى عقود طويلة الأجل، وتطوير مشترك مع العملاء، فقد تتقلص الفجوة بوتيرة أسرع.
لكن الطريق أمام الصين سيبقى مليئاً بالمخاطر، فالشركات المحلية تواجه منافسة عالمية شرسة، وتكاليف ضخمة، واحتمال فشل مشروعات جديدة، بالإضافة إلى صعوبة الوصول إلى التقنيات الأكثر تقدماً، ولذلك لا تمثل طفرة شركة "سي إكس إم تي" نهاية السباق، بل اختباراً جديداً لقدرة الصين على تحويل الدعم الحكومي إلى صناعة قادرة على المنافسة.
اقرأ أيضًا: أزمة الرقائق الإلكترونية ترفع أسعار الأجهزة
