اقتصادات عربية

    الصناديق السيادية الخليجية تعزز استثماراتها العالمية

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •7 دقائق
    الصناديق السيادية الخليجية

    تواصل الصناديق السيادية الخليجية تعزيز حضورها في الأسواق العالمية، بأصول تتراوح قيمتها بين 4 و6 تريليونات دولار، وسط توقعات بارتفاعها إلى نحو 8.8 تريليون دولار بحلول عام 2030، وفقا لتقديرات مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

    وسجلت الصناديق الخليجية نشاطا استثماريا قياسيا خلال النصف الأول من عام 2026، بعدما التزمت باستثمارات بلغت 53.9 مليار دولار عبر 108 صفقات، رغم تقلبات الأسواق الناجمة عن التوترات الإقليمية

    وتشير تقديرات مؤسسة “جلوبال إس دبليو إف” إلى إمكانية وصول إجمالي الاستثمارات السيادية في المنطقة إلى 136 مليار دولار بنهاية عام

    وأكد الدكتور عمر غرايبة، الخبير الاقتصادي، أن الصناديق السيادية الخليجية أصبحت تؤدي دورا متناميا في دعم التحولات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة، بعدما تجاوزت وظيفتها التقليدية المتمثلة في إدارة الفوائض النفطية وحفظ الثروات للأجيال المقبلة، لتصبح شريكًا رئيسيًا في تمويل التنمية والاستثمار في قطاعات المستقبل.

    وأوضح أن نجاح هذه الصناديق لا يرتبط فقط بحجم أصولها أو العوائد التي تحققها، وإنما يمتد إلى قدرتها على توظيف تلك الاستثمارات في تطوير القاعدة الإنتاجية للاقتصادات المحلية وتعزيز تنافسيتها على المدى الطويل.

    الفوائض النفطية تدعم توسع الصناديق السيادية الخليجية

    وقال غرايبة إن التوسع في الاستثمارات السيادية الخليجية يرتبط بعاملين رئيسيين، يتمثل الأول في الفوائض المالية التي حققتها الدول المنتجة للنفط والغاز، بينما يرتبط الثاني بالتوجهات الاستراتيجية الرامية إلى تنويع الاقتصادات والاستعداد للتحولات المستقبلية في أسواق الطاقة.

    وأوضح أن الإيرادات النفطية وفرت قاعدة مالية قوية مكنت الصناديق الخليجية من بناء محافظ استثمارية كبيرة، والتوسع في الأسواق الدولية، والدخول في شراكات مع مؤسسات مالية وشركات عالمية.

    وأشار إلى أن الدول الخليجية تتجه بصورة متزايدة إلى توظيف جزء من هذه الموارد في قطاعات غير نفطية، تشمل التكنولوجيا والصناعات المتقدمة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة.

    وأضاف أن هذه الاستثمارات تمثل أحد المسارات المهمة لدعم التحول الاقتصادي، من خلال الاستفادة من الموارد النفطية في بناء أنشطة جديدة قادرة على تحقيق إيرادات مستدامة.

    66 مليار دولار استثمارات سيادية في الذكاء الاصطناعي خلال 2025

    أوضح الخبير الاقتصادي أن المنافسة العالمية على التكنولوجيا المتقدمة دفعت الصناديق السيادية إلى زيادة استثماراتها في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.

    وأشار إلى أن الصناديق السيادية العالمية ضخت نحو 66 مليار دولار في هذه المجالات خلال عام 2025، استحوذت الصناديق الخليجية على نحو 43% منها، وفق البيانات التي استند إليها.

    وأكد أن هذه الاستثمارات تعكس اهتمامًا متزايدًا بالقطاعات المتوقع أن تؤدي دورًا رئيسيًا في تشكيل الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.

    ولفت إلى أن أهمية الاستثمار في التكنولوجيا تتجاوز تحقيق العوائد المالية، إذ تتيح الشراكات الدولية فرصًا للاستفادة من الخبرات المتقدمة والتقنيات الحديثة، إلى جانب تعزيز حضور المؤسسات الخليجية في سلاسل القيمة العالمية.

    قد يهمّك أيضًا: أسعار الذهب بين 4600 ودون 4000 دولار.. أيهما أقرب؟

    أبوظبي توسع استثماراتها في شركات التكنولوجيا العالمية

    استعرض غرايبة التجربة الإماراتية في الاستثمار التكنولوجي، مشيرًا إلى أن أبوظبي تتبنى استراتيجية تقوم على بناء شراكات عالمية والاستحواذ على حصص في الشركات والبنية التحتية المرتبطة بالاقتصاد الرقمي.

    وأوضح أن صندوق "إم جي إكس"، المدعوم من شركتي "مبادلة" و"جي 42"، أغلق في يوليو 2026 صندوقًا استثماريًا بقيمة 49 مليار دولار مخصصًا للذكاء الاصطناعي، تتوزع استثماراته على شركات من بينها "أوبن إيه آي" و"إكس إيه آي" و"ألايند داتا سنترز".

    وأضاف أن تحالفًا استثماريًا ضم "إم جي إكس" وشركة "جلوبال إنفراستركتشر بارتنرز" التابعة لمجموعة "بلاك روك"، إلى جانب شركاء آخرين، قاد في أكتوبر 2025 صفقة للاستحواذ على شركة "ألايند داتا سنترز" بقيمة 40 مليار دولار.

    وأشار إلى أن الصفقة تشمل أكثر من 50 مركز بيانات في الأمريكتين، بما يعكس أهمية الاستثمارات الموجهة إلى البنية التحتية الرقمية.

    السعودية تركز على تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي

    وفي السعودية، أوضح غرايبة أن الاستراتيجية الاستثمارية تمنح أولوية لتطوير القدرات التكنولوجية المحلية، بما يدعم بناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة.

    وأشار إلى أن شركة "هيومين" وقعت اتفاقيات بقيمة تقارب 23 مليار دولار مع شركات "إنفيديا" و"إيه إم دي" و"أمازون ويب سيرفيسز"، ضمن خطط تطوير البنية التحتية الرقمية.

    وأضاف أن الشركة تستهدف إنشاء مراكز بيانات بقدرة تصل إلى 1.9 جيجاواط بحلول عام 2030.

    وأكد أن هذه الاستثمارات يمكن أن تدعم تطوير الخدمات الرقمية، وجذب الشركات التكنولوجية، وتعزيز فرص توطين الخبرات والأنشطة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

    قطر تتوسع في استثمارات البنية التحتية الرقمية

    أشار غرايبة إلى أن قطر تتبنى بدورها استراتيجية تستهدف تعزيز حضورها في قطاع الذكاء الاصطناعي، من خلال شركة كيو إيه آي، التي تتجه إلى استثمار نحو 20 مليار دولار في البنية التحتية المرتبطة بهذا القطاع.

    وأوضح أن التجارب الإماراتية والسعودية والقطرية تعكس تنوعًا في الأولويات الاستثمارية، حيث تركز بعض المؤسسات على الاستثمار في الشركات العالمية، بينما تمنح أخرى أولوية لبناء القدرات المحلية أو تطوير البنية التحتية.

    وأضاف أن اختلاف الاستراتيجيات يرتبط بطبيعة الأهداف الاقتصادية لكل دولة، وهيكل الصناديق السيادية، والدور الذي تؤديه ضمن خطط التنمية الوطنية.

    التكامل بين الاستثمارات الخارجية والتنمية المحلية

    أكد غرايبة أن الصناديق السيادية الخليجية أصبحت تمثل أحد المحركات المهمة للاستثمار والتنمية الاقتصادية، سواء من خلال تمويل المشروعات المحلية أو إقامة الشراكات الدولية.

    وأوضح أن الاستثمارات الخارجية توفر فرصًا لتحقيق عوائد مالية وتنويع المحافظ الاستثمارية، فضلًا عن إتاحة الوصول إلى الأسواق والخبرات والتكنولوجيا.

    وفي المقابل، تساهم الاستثمارات المحلية في تطوير القطاعات الإنتاجية وخلق فرص العمل وجذب رؤوس الأموال الخاصة.

    وأشار إلى أن تحقيق التكامل بين المسارين يمكن أن يعزز الأثر الاقتصادي للصناديق السيادية، خاصة عندما ترتبط الاستثمارات الخارجية بمشروعات صناعية وتكنولوجية داخل الدول الخليجية.

    تنويع المحافظ الاستثمارية وإدارة المخاطر

    لفت الخبير الاقتصادي إلى أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر، بالتزامن مع التوسع في القطاعات التكنولوجية الحديثة.

    وأوضح أن الاستثمار في شركات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات ومشروعات الطاقة المرتبطة بها يوفر فرصًا متعددة، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى زيادة الترابط بين الأصول داخل المحافظ الاستثمارية.

    وأشار إلى أن الاعتماد على استمرار نمو الطلب على قدرات الحوسبة يستدعي متابعة التطورات الفعلية للأسواق، لضمان التوازن بين الفرص الاستثمارية والمخاطر المحتملة.

    واستشهد بتحذيرات مجلس الاستقرار المالي في مايو 2025 بشأن احتمالات زيادة المعروض من مراكز البيانات مقارنة بالطلب الفعلي عليها.

    وأكد أن تنويع الاستثمارات عبر قطاعات ومناطق جغرافية مختلفة يظل عنصرًا أساسيًا في دعم الاستقرار المالي للصناديق السيادية.

    الاعتبارات التنظيمية ودورها في الاستثمارات الدولية

    أوضح غرايبة أن توسع الصناديق الخليجية في القطاعات الاستراتيجية العالمية يرتبط أيضًا بالتطورات التنظيمية والجيوسياسية، خاصة في المجالات التكنولوجية الحساسة.

    وأشار إلى أن بعض الاستثمارات الكبرى تحتاج إلى موافقات الجهات التنظيمية في الدول المستقبلة، وهو ما يتطلب مراعاة الأطر القانونية والأمنية المنظمة لهذه القطاعات.

    واستشهد بالاتفاق الذي أبرمته مايكروسوفت مع شركة جي 42 الإماراتية عام 2024، والذي تضمن استثمارًا بقيمة 1.5 مليار دولار، إلى جانب ترتيبات تتعلق بالشراكات التقنية ومتطلبات الأمن السيبراني.

    وأكد أن هذه التطورات تعكس أهمية بناء شراكات دولية متوازنة، مع مراعاة المتطلبات التنظيمية للأسواق المختلفة.

    خمسة مؤشرات لقياس الأثر الاقتصادي للصناديق السيادية

    حدد غرايبة خمسة مؤشرات رئيسية يمكن الاستناد إليها في تقييم المردود التنموي لاستثمارات الصناديق السيادية الخليجية، إلى جانب المؤشرات المالية التقليدية.

    وتشمل هذه المؤشرات:

    • زيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي.

    • وفير فرص عمل نوعية في المجالات الصناعية والتكنولوجية.

    • عزيز نقل التكنولوجيا والمعرفة إلى الشركات والمؤسسات المحلية.

    • عم اندماج الشركات الخليجية في سلاسل الإنتاج العالمية.ت

    • تحفيز استثمارات القطاع الخاص وجذب رؤوس أموال إضافية إلى المشروعات الإنتاجية.

    وأوضح أن متابعة هذه المؤشرات بصورة منتظمة تساعد على قياس مساهمة الاستثمارات السيادية في تحقيق أهداف التنويع الاقتصادي وتعزيز الإنتاجية.

    الصادرات غير النفطية تعكس نتائج التحول الاقتصادي

    أكد غرايبة أن نمو الصادرات غير النفطية يمثل أحد المؤشرات المهمة لتقييم التقدم الذي تحققه الاقتصادات الخليجية في تنويع مصادر الدخل.

    وأوضح أن مقارنة معدلات نمو الصادرات غير النفطية بمعدلات نمو أصول الصناديق السيادية يمكن أن توفر صورة أوضح للعلاقة بين التوسع الاستثماري وتطور القطاعات الإنتاجية.

    وأشار إلى أن ارتفاع قيمة الأصول السيادية يمثل إنجازًا ماليًا مهمًا، بينما تتعزز آثاره الاقتصادية عندما يتزامن مع نمو الصناعات المحلية وزيادة الإنتاجية وتحسن القدرة التنافسية للشركات.

    وأضاف أن التوسع في الشراكات التكنولوجية والصناعية يمكن أن يسهم في تطوير منتجات وخدمات جديدة، وفتح أسواق تصديرية إضافية، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص.

    وأوضح أن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة الربط بين كفاءة إدارة الأصول وتحقيق الأهداف التنموية، بحيث تساهم العوائد الاستثمارية في دعم قطاعات الاقتصاد الحقيقي وتطوير الصناعات والتكنولوجيا والخدمات المتقدمة.

    وأكد أن التحدي الرئيسي يتمثل في تعظيم الاستفادة من الثروات المالية وتحويلها إلى قدرات إنتاجية ومعرفية مستدامة، بما يعزز نجاح استراتيجيات التنويع الاقتصادي ويرسخ مكانة دول الخليج في الاقتصاد العالمي.

    وأشار إلى أن تحقيق التوازن بين تنمية الأصول المالية وتطوير القطاعات الإنتاجية المحلية من شأنه دعم قدرة الاقتصادات الخليجية على تحقيق نمو مستدام، والاستفادة من الفرص التي توفرها التحولات التكنولوجية والاستثمارية العالمية.

    اقرأ أيضًا: لماذا تكثف الصين مشترياتها من الذهب؟.. 23 طنًا خلال سبتمبر