الذهب والفضة

    لماذا تكثف الصين مشترياتها من الذهب؟.. 23 طنًا خلال سبتمبر

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •5 دقائق
    الصين

    واصلت الصين تعزيز احتياطياتها من الذهب للشهر الثالث والعشرين على التوالي، في خطوة تعكس تسارع توجه بكين نحو تقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي وتنويع أصولها الاحتياطية، وسط مخاوف من التقلبات الاقتصادية والمخاطر الجيوسياسية.

    المركزي الصيني يضيف 23 طنًا من الذهب خلال سبتمبر

    ورفع البنك المركزي الصيني احتياطياته بنحو 23 طنًا من الذهب خلال سبتمبر 2026، في أكبر زيادة شهرية منذ نحو ثلاث سنوات، مع استمرار سياسة تنويع الأصول الاحتياطية وخفض الاعتماد على الأدوات المالية المقومة بالدولار الأمريكي.

    وسجلت واردات الصين من الذهب مستويات قياسية خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري، بعدما بلغت قيمتها 158.8 مليار دولار، بكميات تجاوزت 1000 طن، مقارنة بنحو 96.5 مليار دولار، بما يعادل 886 طنًا، خلال عام 2025 بأكمله.

    محمد محمود: أزمة العقارات وضعف الأسهم يعززان الطلب على الذهب

    وقال محمد محمود، الباحث الاقتصادي، إن ارتفاع الطلب على الذهب في الصين يرتبط باستمرار التحديات التي تواجه القطاعات الاستثمارية التقليدية، وفي مقدمتها العقارات، التي شكلت على مدار سنوات أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار للأسر الصينية.

    وأوضح أن تراجع القطاع العقاري، بالتزامن مع انخفاض عوائد الودائع المصرفية والسندات الحكومية وضعف أداء سوق الأسهم، قلص البدائل الاستثمارية المتاحة أمام الأفراد والمؤسسات، ما عزز الاتجاه نحو الذهب للتحوط من المخاطر الاقتصادية.

    وسجل مؤشر “سي إس آي 300” ، الذي يقيس أداء مجموعة من كبرى الشركات المدرجة في البورصات الصينية، تراجعًا بنحو 8% منذ بداية عام 2026، مقابل ارتفاع مؤشر مرحبا "ستاندرد آند بورز 500" الأمريكي بنحو 13% خلال الفترة نفسها.

    وأضاف محمود أن استمرار المخاوف من التضخم والتقلبات الاقتصادية دفع شريحة من المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية، مع زيادة الاهتمام بالأصول القادرة على الاحتفاظ بقيمتها على المدى الطويل، رغم ما تتعرض له من تقلبات سعرية.

    الصين تخفض حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية لأدنى مستوى في 18 عامًا

    وأشار الباحث الاقتصادي إلى أن زيادة احتياطيات الصين من الذهب تأتي ضمن استراتيجية أوسع تستهدف تقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي، والحد من المخاطر المرتبطة بالاحتفاظ بجزء كبير من الاحتياطيات الرسمية في سندات الخزانة الأمريكية.

    وأوضح أن تجميد الحكومات الغربية أصول البنك المركزي الروسي عقب اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية عام 2022 عزز مخاوف عدد من الدول بشأن إمكانية تقييد الوصول إلى احتياطياتها المالية المحتفظ بها في الخارج، في ظل استخدام العقوبات المالية أداة للضغط السياسي والاقتصادي.

    وأضاف أن الذهب المخزن محليا يوفر قدرا أكبر من الحماية من مخاطر تجميد الأصول أو فرض قيود على التعاملات المالية الدولية، وهو ما يعزز أهميته ضمن احتياطيات البنوك المركزية.

    وتراجعت حيازات الصين من سندات الخزانة الأمريكية إلى أدنى مستوياتها منذ 18 عامًا، مسجلة نحو 618 مليار دولار خلال يوليو 2026، في انعكاس لاستمرار توجه بكين نحو إعادة توزيع أصولها الاحتياطية وتقليل انكشافها على أدوات الدين الأمريكية.

    مشتريات الصين تحد من خسائر الذهب رغم ارتفاع عوائد السندات

    تزامن ارتفاع الطلب الصيني مع تعرض أسعار الذهب العالمية لضغوط بيعية خلال سبتمبر 2026، بعدما تراجعت بأكثر من 8% إلى نحو 4176 دولارًا للأوقية، مقارنة بمستوى قياسي تجاوز 5500 دولار خلال يناير الماضي.

    وجاءت هذه التراجعات بالتزامن مع ارتفاع عوائد السندات الأمريكية، ما عزز جاذبية الأدوات المالية ذات العائد الثابت، مقابل الذهب الذي لا يدر عائدًا دوريًا لحائزيه.

    ورغم الضغوط التي تعرض لها المعدن النفيس، ساهم استمرار المشتريات الصينية في دعم الطلب العالمي والحد من وتيرة الخسائر، لا سيما أن مشتريات البنوك المركزية ترتبط عادة بأهداف استراتيجية طويلة الأجل، ما يجعلها أقل تأثرًا بالتقلبات السعرية قصيرة الأجل مقارنة بالمستثمرين الأفراد.

    حنان رمسيس: الطلب الصيني قد يدفع أسعار الذهب للارتفاع مجددًا

    أكدت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، أن استمرار الصين في تكوين مراكز استثمارية كبيرة بالذهب يمثل أحد العوامل الرئيسية الداعمة للأسعار العالمية، خصوصًا بعد موجة الانخفاضات التي دفعت المعدن النفيس إلى الاقتراب من مستويات دعم فنية مهمة.

    وقالت رمسيس، إن أسعار الذهب كانت معرضة لمزيد من التراجع حال استمرار ضعف الطلب العالمي، إلا أن المشتريات الصينية ساعدت على تقليص الضغوط البيعية، وعززت فرص استقرار الأسعار وعودتها إلى الارتفاع خلال الفترة المقبلة.

    وأوضحت أن توجه الصين لزيادة حيازاتها من الذهب يعكس اعتبارات اقتصادية واستراتيجية، تشمل التحوط من التضخم والمخاطر الجيوسياسية، وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي، إلى جانب البحث عن بدائل استثمارية في ظل التحديات التي تواجه أسواق العقارات والأسهم.

    وأضافت أن استمرار عمليات الشراء من جانب البنك المركزي الصيني، بالتوازي مع الطلب الاستثماري المحلي، يوفر دعمًا إضافيًا للسوق العالمية، ويحد من احتمالات استمرار موجة الهبوط، خاصة مع تنامي اهتمام المستثمرين بالذهب باعتباره أحد الملاذات الآمنة.

    وأشارت خبيرة أسواق المال إلى أن زيادة الطلب الصيني قد تسهم في تخفيف حدة الارتباط العكسي بين الذهب والدولار الأمريكي، ما يعزز قدرة المعدن النفيس على مقاومة الضغوط الناتجة عن تحركات العملة الأمريكية وارتفاع عوائد سندات الخزانة.

    ولفتت إلى أن المشتريات الصينية تؤثر أيضا في توقعات المستثمرين بأسواق العقود الآجلة، وتدعم النظرة الإيجابية لدى بنوك الاستثمار العالمية بشأن تحركات الذهب خلال الفترة المقبلة.

    وأوضحت رمسيس أن استمرار الطلب الصيني يمنح المؤسسات المالية مؤشرات إضافية لتقييم اتجاهات السوق، وتحديد مستويات الدعم والمقاومة والقمم السعرية المحتملة، في ضوء تأثير هذه المشتريات على التوازن بين العرض والطلب.

    هل يستمر الطلب الصيني على الذهب خلال الفترة المقبلة؟

    يرتبط استمرار الطلب الصيني على الذهب بالمعدلات الحالية بعدد من المتغيرات الاقتصادية، أبرزها أداء سوق العقارات والأسهم، واتجاهات أسعار الفائدة، وتحركات اليوان مقابل العملات الأجنبية.

    وقد يؤدي تعافي ثقة المستثمرين في القطاع العقاري والأسواق المالية إلى إعادة توجيه جزء من السيولة نحو هذه الأصول، فيما قد يحد ارتفاع أسعار الذهب محليًا، نتيجة ضعف اليوان، من قدرة الأفراد على زيادة مشترياتهم.

    كما يمثل ارتفاع أسعار الفائدة عامل ضغط محتملًا على الطلب الاستثماري، مع زيادة جاذبية الودائع المصرفية والأدوات المالية ذات العائد الثابت مقارنة بالمعدن النفيس.

    ووفقًا للخبيرة، فرغم هذه العوامل، تشير التوجهات الحالية للبنوك المركزية إلى استمرار الاهتمام بتنويع الاحتياطيات، في ظل المخاطر الجيوسياسية والمخاوف المرتبطة بالاعتماد الكبير على العملات الأجنبية.

    وترى حنان رمسيس أن استمرار مشتريات الصين سيظل أحد العوامل المؤثرة في اتجاهات أسعار الذهب العالمية، مع إمكانية دعم تعافي المعدن النفيس من تراجعاته الأخيرة، وتوفير مستويات طلب تساعد على استقرار السوق خلال الفترة المقبلة.

    اقرأ أيضًا: رهانات الذهب عند أعلى مستوى في 6 أشهر: ماذا يعني؟