تقارير اقتصادية

    الانتخابات الأميركية.. اختبار ترامب بعد 21 شهراً مضطرباً

    تمثل الانتخابات الأميركية لعام 2026 اختباراً لشعبية دونالد ترامب وأداء إدارته بعد 21 شهراً من التحولات السياسية والاقتصادية والعسكرية. وتضع الناخبين أمام تقييم سياساته في ملفات الهجرة والتجارة والحرب مع إيران، فيما تكتسب المنافسة على الكونغرس أهمية خاصة في تحديد التوازن السياسي وقدرة الإدارة على مواصلة أجندتها. Do you like this personality?

    بقلم Onboarding Account••آخر تحديث •5 دقائق
    الانتخابات الأميركية اختبار للسياسات الاقتصادية للرئيس ترامب
    تجاوز عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم مبكراً في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لعام 2026 حاجز 59.5 مليون ناخب، وفقاً لبيانات مختبر الانتخابات في جامعة فلوريدا.

    تتجه الأنظار إلى الانتخابات الأميركية النصفية باعتبارها محطة مهمة لتقييم أداء الرئيس دونالد ترامب وإدارته، بعد 21 شهراً شهدت تحولات سياسية واقتصادية وعسكرية غير مسبوقة، وأثارت انقساماً واسعاً بين الأميركيين بشأن توجهات البيت الأبيض وطريقة إدارة البلاد.

    وبحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز، يدخل الأميركيون هذه الانتخابات وهم يستعيدون حصيلة فترة رئاسية اتسمت بتسارع القرارات واتساع نطاق المواجهات، من السياسات الداخلية والهجرة إلى العلاقات التجارية والتحركات العسكرية، في وقت باتت فيه الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة من أبرز القضايا المؤثرة في توجهات الناخبين.

    ولا يقتصر الاختبار على شعبية ترامب وحدها، بل يمتد إلى تقييم قدرة إدارته على تنفيذ وعودها، وحدود الصلاحيات الرئاسية، وطبيعة الدور الذي ينبغي أن يؤديه الكونغرس في المرحلة المقبلة.

    ولاية كسرت التقاليد

    منذ عودته إلى البيت الأبيض، تبنى ترامب نهجاً سياسياً سريعاً ومثيراً للجدل، شمل إصدار سلسلة واسعة من الأوامر التنفيذية، وإعادة تشكيل مؤسسات حكومية، والدخول في مواجهات مع جهات قضائية وإعلامية وأكاديمية.

    ويرى مؤيدوه أنه ينفذ تعهداته الانتخابية ويواجه ما يعتبرونه نظاماً سياسياً وإدارياً لا يخدم مصالح الأميركيين، مستشهدين بإغلاق الحدود أمام المهاجرين، وتوسيع عمليات ترحيل المقيمين بصورة غير قانونية، والتراجع عن سياسات المناخ التي تبنتها إدارة جو بايدن.

    في المقابل، يرى منتقدوه أن هذه السياسات تجاوزت حدود السلطة التنفيذية، وأضعفت الضوابط المؤسسية والتوازن بين السلطات. ونقلت فايننشال تايمز عن إروين تشيميرينسكي، عميد كلية الحقوق في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، قوله إن الولايات المتحدة لم تشهد من قبل رئيساً بهذا القدر من التجاهل للدستور والقوانين.

    ويصف التقرير الفترة الأولى من ولاية ترامب الثانية بأنها سلسلة متلاحقة من المواجهات، جعلت أحداثاً كانت تبدو محورية في وقتها تتراجع سريعاً أمام تطورات أكثر حدة.

    التعريفات الجمركية تهز الأسواق

    كان ملف التجارة من أبرز محطات المواجهة الاقتصادية خلال الولاية. ففي أبريل 2025، أعلن ترامب ما وصفه بـ«يوم التحرير»، كاشفاً عن رسوم جمركية واسعة طالت معظم الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.

    وأحدثت هذه الرسوم اضطراباً في الأسواق المالية، ودفعت إلى موجة بيع حادة في سندات الخزانة الأميركية، وسط تحذيرات من مؤسسات مالية كبرى بشأن التداعيات المحتملة على الاقتصاد والأسواق العالمية.

    وجاءت الخطوة في إطار توجه أوسع لإعادة صياغة العلاقات التجارية الأميركية، لكنها أثارت مخاوف بشأن مستقبل النظام التجاري العالمي الذي استند لعقود إلى قواعد واتفاقيات متعددة الأطراف.

    اقرأ أيضا: الانتخابات الأميركية.. اختبار ترامب والكونغرس

    ولم تكن التعريفات الجمركية التطور الاقتصادي الوحيد في الولاية. ففي يوليو 2025، أقر ترامب ما سماه «القانون الكبير الجميل الواحد»، الذي جعل التخفيضات الضريبية التي أُقرت عام 2017 دائمة، وخفض الإنفاق على بعض برامج الرعاية الاجتماعية، وخصص تمويلات إضافية لإنفاذ قوانين الهجرة والدفاع.

    وتضع هذه السياسات الناخبين أمام تساؤلات بشأن انعكاساتها على المالية العامة، وتوزيع الأعباء الاقتصادية، وقدرة الأسر على مواجهة تكاليف المعيشة.

    الهجرة والانتخابات الأميركية

    احتلت سياسة الهجرة موقعاً مركزياً في أجندة ترامب، الذي تعهد بتشديد الرقابة على الحدود وتنفيذ عمليات ترحيل واسعة للمهاجرين الموجودين في البلاد بصورة غير قانونية.

    لكن تطبيق هذه السياسة أدى إلى مواجهات واحتجاجات في عدد من المدن الأميركية، بعد انتشار عناصر إدارة الهجرة والجمارك في الأحياء السكنية وتنفيذ مداهمات وعمليات توقيف.

    وشهدت لوس أنجلوس احتجاجات واسعة في يونيو 2025، رد عليها ترامب بنشر قوات من الحرس الوطني ومشاة البحرية، في خطوة أثارت جدلاً بشأن استخدام القوات الفيدرالية داخل المدن الأميركية.

    وتصاعدت التوترات لاحقاً في مدينة مينيابوليس، حيث تحولت إلى بؤرة للاحتجاجات على أساليب إنفاذ قوانين الهجرة، خصوصاً بعد مقتل مواطنين أميركيين برصاص عناصر فيدراليين، هما رينيه غود وأليكس بريتي.

    وبحسب التقرير، كان من الممكن أن تتصدر هذه الأحداث الحملات الانتخابية في ظروف سياسية عادية، لكن تعدد الأزمات خلال ولاية ترامب جعل بعض الملفات تتراجع أمام تطورات أخرى أكثر إلحاحاً.

    الحرب مع إيران تغيّر الأولويات

    أصبحت الحرب مع إيران من أكثر الملفات تأثيراً في المشهد الانتخابي، بعدما أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الضغوط على تكاليف المعيشة، وهو ما جعل تداعياتها حاضرة بقوة في حسابات الناخبين.

    ويشير تقرير فايننشال تايمز إلى أن الحرب لم تحقق الأهداف التي سعى إليها ترامب، فبدلاً من تغيير النظام في طهران، أصبحت إيران تحت قيادة أكثر تشدداً، واحتفظت ببرنامجها النووي، كما استخدمت سيطرتها على مضيق هرمز ورقة ضغط على الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط.

    وتضع هذه التطورات الرئيس الأميركي أمام انتقادات من بعض أنصاره، الذين دعموا وعوده بإنهاء الحروب الأميركية الطويلة، قبل أن يجدوا الولايات المتحدة منخرطة في مواجهة عسكرية جديدة ذات كلفة بشرية واقتصادية مرتفعة.

    وتتجاوز تداعيات الحرب أسعار الوقود، لتشمل تكاليف السلع الأساسية والضغوط على المستهلكين، في وقت تظل فيه القدرة الشرائية من العوامل المؤثرة في تقييم الناخبين لأداء الإدارة.

    السياسة الخارجية في قلب الانتخابات الأميركية

    لم تقتصر التحولات خلال الولاية على الشرق الأوسط. فقد أثارت تصريحات ترامب بشأن كندا وغرينلاند وغزة، إلى جانب المواجهة العلنية مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، تساؤلات بشأن اتجاه السياسة الخارجية الأميركية ومستقبل علاقات واشنطن مع حلفائها.

    كما شهد يناير 2026 تطوراً استثنائياً مع اعتقال القوات الأميركية الخاصة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في عملية عسكرية داخل العاصمة كاراكاس، ونقله إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات تتعلق بتهريب المخدرات.

    وتعكس هذه التطورات اتساع نطاق التحركات الأميركية في عهد ترامب، من إعادة ترتيب العلاقات التجارية إلى التدخلات العسكرية، وهو ما جعل السياسة الخارجية أحد الملفات التي يصعب فصلها عن التقييم السياسي للولاية.

    اختبار للكونغرس وحدود السلطة

    يرى محللون نقلت عنهم فايننشال تايمز أن إحدى السمات الأبرز لولاية ترامب الثانية تتمثل في توسيع مفهوم السلطة التنفيذية، واستخدام الأوامر الرئاسية بوتيرة غير معتادة، في محاولة لإحداث تغيير سريع في مؤسسات الدولة وسياساتها.

    لكن التقرير يلفت أيضاً إلى أن حجم القرارات التنفيذية لا يعني بالضرورة تحقيق إنجازات تشريعية مماثلة، إذ وصف أستاذ العلوم السياسية في جامعة جونز هوبكنز، دانيال شلوزمان، سجل ترامب التشريعي مقارنة برؤساء سابقين بأنه محدود للغاية.

    ويثير ذلك تساؤلات بشأن قدرة الإدارة على تحويل توجهاتها السياسية إلى تغييرات مؤسسية وتشريعية طويلة الأمد، خصوصاً في ظل الخلافات مع الكونغرس والتحديات القانونية التي واجهت عدداً من قراراتها.

    ومن هنا تكتسب الانتخابات النصفية أهمية إضافية، فهي لا تقيس فقط موقف الناخبين من الرئيس، بل تحدد أيضاً طبيعة التوازن السياسي داخل الكونغرس، ومدى قدرة الإدارة على مواصلة تنفيذ أجندتها.

    ماذا تكشف الانتخابات؟

    تأتي الانتخابات الأميركية في نهاية فترة اتسمت بتراكم الأزمات وتسارع التحولات، ما يجعلها اختباراً واسعاً لتوجهات الناخبين تجاه ملفات الاقتصاد والهجرة والحرب والسياسة الخارجية، إلى جانب أسلوب ترامب في إدارة السلطة.

    اقرأ أيضا: تكلفة حرب إيران على الأسر الأميركية تصل إلى 2000 دولار

    وبينما يرى أنصاره في سياساته محاولة لإعادة تشكيل النظام الأميركي وتنفيذ الوعود الانتخابية، يعتبرها معارضوه توسعاً مقلقاً في صلاحيات الرئيس وتراجعاً عن تقاليد سياسية ومؤسسية راسخة.

    لكن النتيجة السياسية الأهم لا تتعلق بملف واحد، بل بمدى استعداد الأميركيين لمنح إدارة ترامب دعماً سياسياً للاستمرار في نهجها، أو الدفع باتجاه تغيير موازين القوى داخل الكونغرس.

    وبذلك، تتحول انتخابات التجديد النصفي إلى محطة لقياس حصيلة 21 شهراً من حكم اتسم بالمواجهات والتقلبات، واختبار لما إذا كان الناخبون يرون في هذا النهج مساراً ينبغي مواصلته أم سبباً لإعادة ضبط التوازن السياسي في واشنطن.