قفزت أسعار النفط العالمية إلى أعلى مستوياتها منذ عام ستة أشهر مدفوعة بتصاعد المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط، عقب هجوم استهدف ناقلة نفط في مضيق هرمز، وسط استمرار التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 2.76 دولار، بنسبة 2.4%، لتغلق عند 117.64 دولار للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنحو 2.12 دولار، بنسبة 2.08%، ليصل إلى 104.12 دولارات للبرميل. وحقق الخامان مكاسب شهرية بلغت 13.6% لبرنت و15.2% للخام الأمريكي.
وجاءت هذه الارتفاعات وسط مخاوف من تعطل تدفقات النفط من المنطقة، مع استمرار التهديدات التي تواجه الملاحة البحرية والمنشآت الحيوية، بالتزامن مع جهود دبلوماسية لاحتواء الأزمة بين واشنطن وطهران.
وقالت الدكتورة رانيا الجندي، الخبيرة الاقتصادية، إن استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى، خاصة مع استنزاف المخزونات الاستراتيجية التي ساعدت على الحد من الارتفاعات السابقة.
وأوضحت أن استمرار التصعيد قد يدفع الأسعار إلى تجاوز 120 دولارًا للبرميل، وصولًا إلى ما بين 130 و140 دولارًا وربما أكثر، وفقًا لمدة الصراع ومدى تأثيره على الإمدادات العالمية.
وأضافت أن التأثير الكامل للأزمة قد يستغرق عدة أشهر، خاصة إذا استمرت الاضطرابات دون التوصل إلى تسوية تعيد تدفقات النفط إلى مستوياتها الطبيعية.
اضطرابات مضيق هرمز تضغط على أسعار النفط
وأشارت الجندي إلى أن استمرار ارتفاع أسعار النفط، رغم التصريحات الأمريكية بشأن بقاء مضيق هرمز مفتوحًا أمام الملاحة، يرجع إلى عدم عودة حركة الشحن إلى مستوياتها السابقة.
وأوضحت أن مرور بعض الناقلات لا يعني انتهاء الأزمة، في ظل استمرار المخاطر التي تواجه السفن وارتفاع تكاليف النقل.
وأكدت أن تراجع الأسعار يتطلب التوصل إلى اتفاق ينهي التوترات ويعيد ثقة شركات الشحن في استقرار الملاحة، مشيرة إلى أن استمرار الهجمات على السفن قد يؤدي إلى مزيد من اضطرابات الإمدادات.
وأضافت أن الأسواق أصبحت أقل استجابة لبعض التطورات نتيجة استمرار الأزمة، لكن اتساع نطاق الهجمات قد يفرض ضغوطًا إضافية على أسعار النفط والغاز.
نقص التكرير يرفع أسعار المشتقات النفطية
وأوضحت الخبيرة الاقتصادية أن ارتفاع أسعار الديزل والبنزين ووقود الطائرات يرتبط بمحدودية طاقات التكرير العالمية واضطراب الإمدادات، إلى جانب تداعيات الصراع الروسي الأوكراني.
وأضافت أن زيادة الطلب على المنتجات البترولية وارتفاع العلاوات السعرية يفاقمان الأزمة، خاصة مع صعوبة توفير الكميات المطلوبة في الأسواق المستهلكة.
وأكدت أن استخدام المخزونات الاحتياطية لم يكن كافيًا لاحتواء الارتفاعات، متوقعة استمرار الضغوط على أسعار المشتقات النفطية ما لم تتحسن قدرات التكرير وتنتظم الإمدادات.
أوروبا تواجه شتاءً صعبًا مع ارتفاع أسعار الغاز
وقالت الجندي إن أوروبا تواجه تحديات متزايدة لتأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعي، بعدما تجاوزت الأسعار مستوى 100 يورو لكل ميجاوات/ساعة، بالتزامن مع انخفاض المخزونات الاحتياطية.
وأوضحت أن القارة أصبحت أكثر قدرة على تنويع مصادر الطاقة مقارنة بما كانت عليه قبل أربع سنوات، لكنها لا تزال تواجه ارتفاع الأسعار ومحدودية المعروض.
وأشارت إلى أن مخزونات الغاز في ألمانيا تدور حول 60%، وفق التقديرات التي استندت إليها، ما يزيد المخاوف بشأن قدرة الدول الأوروبية على مواجهة ارتفاع الاستهلاك خلال الشتاء.
وأضافت أن استمرار الأزمة في منطقة الخليج قد يزيد الضغوط على إمدادات الغاز الطبيعي المسال، فيما قد تدفع الأسعار المرتفعة بعض الدول إلى تقليل الاستهلاك.
النرويج وأمريكا والخليج بدائل الغاز الأوروبي
وأوضحت الجندي أن النرويج والولايات المتحدة تمثلان أبرز مصادر الغاز البديلة بالنسبة إلى أوروبا، إلى جانب محاولات الحصول على إمدادات إضافية من دول الخليج.
وأشارت إلى أن التحركات الفرنسية تجاه المنطقة، بما فيها مناقشات الرئيس إيمانويل ماكرون بشأن الغاز، تعكس اهتمام أوروبا بتنويع مصادر الاستيراد.
وأكدت أن زيادة الواردات من الخليج قد تساعد على تحسين الإمدادات، لكنها ستزيد المنافسة مع الأسواق الآسيوية على شحنات الغاز الطبيعي المسال.
وأضافت أن الأزمة الأوروبية لا تتعلق بنقص المعروض وحده، بل تشمل ارتفاع تكلفة الاستيراد، وهو ما قد يدفع الاقتصادات الكبرى إلى اتخاذ إجراءات إضافية لترشيد الاستهلاك.
اقرأ أيضًا: النفط والديون يدفعان عوائد السندات الأميركية لذروة 24 عاماً
عام 2027 يحمل تحديات للطاقة الأوروبية
وتوقعت الخبيرة الاقتصادية أن تواجه أوروبا صعوبات في تأمين إمدادات الطاقة خلال عام 2027، خاصة إذا أدى الشتاء القارس إلى استنزاف المخزونات، التي تتراوح مستوياتها في بعض الحالات بين 60% و75%، وفق التقديرات المطروحة.
وأوضحت أن الشتاء المعتدل قد يخفف الضغوط على الاستهلاك، بينما تؤدي موجات البرد إلى زيادة الطلب وارتفاع الأسعار.
وأشارت إلى أن انخفاض معدلات الأمطار ونقص المياه في بعض المناطق الأوروبية قد يضيفان تحديات أخرى، مؤكدة أن إعادة ملء المخزونات ستتوقف على ظروف الطقس واستقرار الإمدادات.
هل تعود أوروبا إلى الغاز الروسي؟
ورأت الجندي أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع بعض الدول الأوروبية إلى إعادة النظر في موقفها من استيراد الغاز والنفط الروسي، تحت ضغط الاحتياجات الاقتصادية والسياسية الداخلية.
لكنها استبعدت عودة الإمدادات الروسية بكميات كبيرة على المدى القصير، في ظل الجهود التي بذلها الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأربع الماضية لتقليل اعتماده على موسكو.
وأوضحت أن إعادة طرح هذا الخيار ستظل مرتبطة بتطورات الصراع الروسي الأوكراني ومدى استمرار ارتفاع تكلفة البدائل.
انتهاء الحرب قد يشعل الطلب العالمي على النفط
وحذرت الجندي من أن انتهاء التوترات في الشرق الأوسط لا يعني بالضرورة تراجع أسعار النفط سريعًا إلى مستويات ما قبل الأزمة، خاصة بعد استنزاف المخزونات العالمية خلال الأشهر الستة الماضية.
وأوضحت أن التوصل إلى اتفاق في منطقة الخليج قد يدفع الاقتصادات الكبرى، وفي مقدمتها الصين والولايات المتحدة، إلى زيادة مشترياتها من النفط والمشتقات البترولية لتعويض الاحتياطيات المستهلكة.
وأضافت أن إعادة بناء المخزونات قد تؤدي إلى موجة جديدة من الطلب، بما يبقي الضغوط على الأسعار حتى بعد انتظام الإمدادات، متوقعة ظهور تأثير هذه المشتريات بصورة أوضح خلال العام المقبل.
كيف تؤثر الصين في استقرار أسعار النفط؟
وأكدت الخبيرة الاقتصادية أن الصين لعبت دورا مهما في التأثير على أسعار النفط، من خلال إدارة الطلب المحلي والاستفادة من مخزوناتها الاستراتيجية.
وأوضحت أن تراجع الطلب الصيني في بعض الفترات ساهم في تخفيف الضغوط السعرية، بينما فرضت بكين قيودًا على صادرات بعض المشتقات النفطية إلى دول مجاورة لتلبية احتياجاتها المحلية.
وأضافت أن حجم المخزونات الصينية يمنح بكين تأثيرا كبيرا على الأسواق، رغم اختلاف تقييم الدول لدورها في استقرار الأسعار وحركة الإمدادات.
دول الخليج تعزز ثقة أسواق الطاقة
وأشادت الجندي بقدرة دول الخليج على التعامل مع اضطرابات إمدادات الطاقة، من خلال تطوير مسارات بديلة للتصدير والاستمرار في توفير النفط والمنتجات البترولية للأسواق العالمية.
وأوضحت أن سرعة استجابة الدول الخليجية ومرونتها في مواجهة اضطرابات الشحن ساعدتا على تعزيز ثقة المشترين الدوليين في قدرتها على توفير الإمدادات.
وأكدت أن أوروبا والاقتصادات الكبرى تنظر إلى دول الخليج باعتبارها شريكا رئيسيا في تأمين احتياجات الطاقة، في ظل دور المنطقة في إنتاج النفط والغاز وتصديرهما.
اقرأ أيضًا: هرمز يعود.. لكن النفط لا يهدأ
