اقتصاد كلي

    3 أزمات تضرب الاقتصاد العالمي وتهدد النمو

    الطاقة والديون والذكاء الاصطناعي

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •6 دقائق
    الاقتصاد العالمي

    لم يعد الاقتصاد العالمي يواجه أزمة واحدة يمكن احتواؤها بإجراءات اقتصادية تقليدية، بل أصبح محاصرا بسلسلة من الضغوط المتلاحقة، تبدأ من اضطرابات إمدادات النفط والغاز وارتفاع أسعار الطاقة، ولا تنتهي عند تضخم الديون وتكاليف الاقتراض والمخاطر المصاحبة للتوسع في الذكاء الاصطناعي، وبينما تحاول الحكومات السيطرة على التضخم والحفاظ على معدلات النمو، تتقلص قدرتها على مواجهة الصدمات الجديدة، في وقت تتحمل فيه الاقتصادات الناشئة، جانبا كبيرا من تداعيات هذه الأزمات. 

    وفي هذا السياق، حذر الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، من أن تزامن هذه التحديات يضع الاقتصاد العالمي أمام مرحلة شديدة التعقيد، قد تتفاقم خلالها المخاطر المالية والاقتصادية، خاصة مع استمرار النزاعات الجيوسياسية وارتفاع أعباء خدمة الدين ومحدودية أدوات التدخل المتاحة للحكومات.

    انجذاب الاقتصاد العالمي في اتجاهين متعاكسين

    وقال الجرم،  إن مديرة صندوق النقد الدولي البنوك سبق وحذرت  من انجذاب الاقتصاد العالمي في اتجاهين متعاكسين، يتمثل أولهما في صدمة عرض سلبية بقطاع الطاقة نتيجة الصراعات في الشرق الأوسط والحرب الروسية الأوكرانية، بينما يتمثل الثاني في صدمة طلب إيجابية ناجمة عن الذكاء الاصطناعي.

    وأوضح أن الصدمتين تغذيان معدلات التضخم، رغم تفاوت تأثيراتهما بين الدول، في وقت يتزامن فيه تسارع الذكاء الاصطناعي مع ارتفاع الدين العام وأعباء خدمته، ما يحد من قدرة الحكومات على التدخل لإعادة التوازن الاقتصادي دون تعريض الاستدامة المالية لمزيد من المخاطر.

    تفاوت تأثير الأزمات بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة

    وأشار الجرم إلى أن هذه التطورات تثير تساؤلات بشأن قدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص صدمات متزامنة في ظل محدودية الأدوات المتاحة لمواجهتها، واحتمال تطور الأوضاع إلى أزمات متعددة ومتشابكة.

    وأضاف أن الاقتصادات المتقدمة تمتلك فرصًا للاستفادة من التطورات التكنولوجية في زيادة الإنتاجية وتحقيق النمو المستدام، بينما تتحمل الاقتصادات الأكثر هشاشة أعباء أكبر نتيجة تقلبات الأسواق وارتفاع تكاليف التمويل.

    وأوضح أن بعض الدول تواجه صعوبات في الحصول على التمويل، أو تضطر إلى الالتزام بشروط ومتطلبات محددة للحصول على موارد مالية كافية وميسرة نسبيًا.

    إغلاق مضيق هرمز يفاقم أزمة إمدادات الطاقة

    وأكد الخبير الاقتصادي أن أزمة الطاقة تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على الأنشطة الاقتصادية المختلفة.

    وأوضح أنه مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في 28 فبراير 2026، تعرضت إمدادات النفط والغاز الطبيعي لاضطرابات حادة وغير مسبوقة، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز.

    وأشار إلى أن نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات النفطية كانت تمر عبر المضيق، وفقا لإحصاءات عام 2025، بما يعادل نحو 25% من تجارة النفط المنقولة بحرا عالميا.

    وأضاف أن المضيق يمثل أيضا ممرا لنحو 110 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، بما يعادل نحو خُمس التجارة العالمية.

    تراجع صادرات النفط وسحب 400 مليون برميل من المخزونات الاستراتيجية

    وقال الجرم إن الأيام الأولى للنزاع شهدت تراجع الصادرات المارة عبر مضيق هرمز إلى أقل من 10% من مستوياتها السابقة.

    وأوضح أن هذه التطورات دفعت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية إلى ضخ 400 مليون برميل إضافية من مخزوناتها الاستراتيجية، في واحدة من أكبر عمليات السحب من الاحتياطيات النفطية منذ فترة طويلة.

    وأشار إلى تجاوز الخسائر التراكمية في إمدادات دول الشرق الأوسط نحو 1.3 مليار برميل، ما جعل الأزمة أشد حدة من الأزمات النفطية التي شهدها العالم في أعوام 1973 و1979 و2022 مجتمعة.

    وأكد أن هذه الاضطرابات تعد الأشد في تاريخ سوق النفط العالمية، بما لها من تداعيات سلبية على معدلات النمو الاقتصادي.

    ارتفاع أسعار النفط واتساع الفارق مع المنتجات المكررة

    وأضاف الجرم أن تداعيات الأزمة امتدت إلى تضرر قدرات التكرير بصورة كبيرة، ما أدى إلى اتساع الفارق بين أسعار المنتجات النفطية وأسعار النفط الخام.

    وأوضح أن الفارق وصل إلى نحو 100 دولار إضافية لبعض المنتجات الرئيسية، ومنها الديزل، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط الخام إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل.

    وأشار إلى أن هذه التطورات انعكست على تكاليف النقل والصناعة وسلاسل الإمداد العالمية.

    الدين العام العالمي مرشح لبلوغ 100% من الناتج المحلي في 2029

    وحذر الجرم من أن صدمة الطاقة تتزامن مع تصاعد أزمة الدين العالمي، ليس فقط من حيث ارتفاع أرصدة المديونية، وإنما أيضًا نتيجة زيادة تكاليف خدمة الدين واحتياجات إعادة التمويل.

    وأوضح أن الدين العام العالمي بلغ نحو 94% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى 100% بحلول عام 2029.

    وأشار إلى أن هذا الاتجاه يحد من قدرة الحكومات على مواجهة الصدمات الاقتصادية دون التأثير سلبًا في معدلات النمو.

    اقرأ أيضًا: نمو الاقتصاد العالمي.. صمود تحت ضغط الطاقة والدين

    استمرار الفائدة المرتفعة يزيد ضغوط التضخم وسعر الصرف

    وقال الخبير الاقتصادي إن استمرار الأزمة يرتبط بصعوبة تخلي السلطات النقدية في الدول المختلفة عن السياسات الانكماشية التي اعتمدتها لمواجهة التضخم، باستخدام أسعار الفائدة باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسية لكبح ارتفاع الأسعار.

    وأضاف أن مخاوف نزوح الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة من أدوات الدين الحكومية تزيد تعقيد الأوضاع، وقد تؤدي إلى أزمة جديدة تدفع صانعي السياسة النقدية إلى خفض قيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية.

    وأوضح أن انخفاض قيمة العملة يرفع تكلفة السلع المستوردة، بما يؤدي إلى زيادة أسعار السلع والخدمات وتغذية معدلات التضخم.

    اقتراض الحكومات والشركات يتجاوز 29 تريليون دولار في 2026

    وأشار الجرم إلى توقعات ببلوغ اقتراض الحكومات والشركات من أسواق السندات أكثر من 29 تريليون دولار بنهاية عام 2026، بزيادة تُقدر بنحو 17% مقارنة بعام 2024.

    وأوضح أن هذه التقديرات تعكس تفاقم حجم المديونية في الدول المتقدمة، لافتًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الاقتراض لا يُستخدم بالضرورة في تمويل إنفاق جديد، وإنما لتجديد التزامات سابقة في ظل ارتفاع تكلفة التمويل.

    وأضاف أن لجوء الحكومات إلى آجال استحقاق أقصر لتقليل تكلفة الاقتراض الحالية قد يزيد تعرضها لمخاطر إعادة التمويل مستقبلًا، خاصة إذا استمرت أسعار الفائدة المرتفعة أو تراجعت شهية المستثمرين للسندات الحكومية.

    صناديق التحوط تزيد مخاطر اضطرابات أسواق السندات

    وأوضح الجرم أن أسواق السندات السيادية تشهد تحولات هيكلية مع تنامي دور المؤسسات المالية غير المصرفية، ومنها صناديق التحوط التي يعتمد بعضها على الاقتراض والرافعة المالية لزيادة استثماراتها في السندات الحكومية.

    وأشار إلى أن هذه التطورات تتزامن مع تراجع علاوة الأمان المرتبطة بسندات الخزانة الأمريكية، التي تعد من الأصول الآمنة والأكثر سيولة.

    وحذر من أن اعتماد المستثمرين على الرافعة المالية قد يؤدي إلى عمليات بيع واسعة وسريعة للسندات عند حدوث اضطرابات في الأسواق العالمية.

    وأضاف أن هذه العمليات قد تتسبب في انخفاض أسعار السندات وارتفاع عوائدها، ومن ثم زيادة تكاليف الاقتراض الحكومي وصعوبة إعادة تمويل الديون القائمة.

    الأسواق الناشئة تواجه ارتفاع تكاليف التمويل

    وأكد الخبير الاقتصادي أن الاقتصادات الناشئة، تواجه ارتفاعًا في تكاليف الاقتراض وأعباء خدمة الدين العام، بالتزامن مع استمرار احتياجات التنمية ومحدودية الحيز المالي.

    وأوضح أن مدفوعات الفائدة في البلدان النامية منخفضة الدخل بلغت مستويات قياسية، ما يقلص الموارد المتاحة للإنفاق على الخدمات الأساسية.

    وأشار إلى أن هذه التطورات تتزامن مع تراجع قدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص الصدمات المالية الطارئة، نتيجة استنزاف الهوامش المالية واحتياطيات الطاقة، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع أعباء المديونية.

    قد يهمّك أيضًا: حرب أمريكا وإيران تكلف الاقتصاد العالمي 2.2 تريليون دولار

    تراجع عوائد الذكاء الاصطناعي قد يضغط على أسعار الأصول

    ولفت الجرم إلى توقعات صندوق النقد الدولي بشأن احتمالات تراجع الربحية المتوقعة أو الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات في أسعار الأصول.

    وأوضح أن هذه التأثيرات قد تتفاقم نتيجة استخدام الرافعة المالية وترابط الالتزامات بين المؤسسات والأسواق المالية المختلفة.

    الهجمات السيبرانية والاحتيال الرقمي تهدد الاستقرار المالي

    وحذر الدكتور رمزي الجرم من تزايد المخاطر المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي والهجمات السيبرانية، وانعكاساتها المحتملة على الاستقرار المالي.

    وأوضح أن التطورات الحديثة في هذه التقنيات قد تُستخدم في عمليات الاحتيال وانتحال الهوية، بما يجعل مخاطرها تتجاوز فوائدها في غياب الضوابط اللازمة.

    وشدد على أهمية إرساء أطر تنظيمية وآليات رقابية فعالة لمواجهة المخاطر الناشئة عن استخدام الذكاء الاصطناعي، إلى جانب وضع مبادئ أخلاقية عالمية تضمن الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات، وتحافظ على الثقة في المؤسسات المالية واستقرار النظام المالي.

    اقرأ أيضًا: الاقتصاد العالمي في 2026.. تباطؤ التجارة وعودة شبح الحروب الجمركية