تشهد سوق الشحن البحري قفزة حادة في التكاليف، مع تجاوز تكلفة استئجار بعض ناقلات النفط العملاقة حاجز المليون دولار يوميًا، في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية واضطراب عدد من الممرات البحرية الرئيسية، بالتزامن مع نقص السفن وطول مسارات الرحلات البديلة.
وبلغت تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة لنقل الإمدادات من الشرق الأوسط إلى آسيا أكثر من 1.2 مليون دولار يوميًا، مقارنة بنحو 30 ألف دولار يوميًا في السابق، بما يعكس ارتفاعًا بأكثر من 40 ضعفًا منذ بداية عام 2026.
ولا تقتصر الزيادة على الناقلات المرتبطة بعبور مضيق هرمز، إذ تجاوزت تكلفة رحلات الشحن من خليج المكسيك إلى آسيا 338 ألف دولار يوميًا، بينما ارتفعت تكلفة النقل من غرب أفريقيا إلى الصين إلى أكثر من 400 ألف دولار يوميًا.
ويزداد الضغط مع محدودية أسطول ناقلات النفط الخام العملاقة المعروفة باسم VLCC، الذي لا يتجاوز نحو 925 ناقلة فقط.
كما دفعت الحرب بعض الدول إلى شراء النفط من مصادر أبعد جغرافيًا، ومن بينها اليابان التي اتجهت إلى شراء مزيد من النفط من الولايات المتحدة، وهو ما يعني بقاء السفن مشغولة لفترات أطول وتراجع عدد الناقلات المتاحة، وبالتالي زيادة الضغوط على تكاليف الشحن.
الحرب تعيد تسعير حركة الناقلات عالميًا
وقالت الدكتورة جيهان يعقوب، الخبيرة الاقتصادية، إن ارتفاع تكاليف الشحن البحري لمنتجات الطاقة أصبح يمثل أزمة عالمية، في ظل وجود ثلاث مناطق رئيسية للنزاع البحري تشمل مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأسود.
وأوضحت أن هذه التوترات تفرض ضغوطًا كبيرة على تكلفة الشحن، تنعكس في النهاية على تكلفة المواد والبضائع، مشيرة إلى أن المستهلكين يتحملون جانبًا من هذه الزيادات.
وأضافت أن بعض الحكومات تدخلت بتقديم إعانات، إلا أن الأسعار ارتفعت بالفعل في عدد من الأسواق، كما ظهرت آثار الأزمة على أسعار النفط الخام وتذاكر الطيران ووسائل النقل بصورة عامة.
وأكدت أن ارتفاع تكاليف الشحن لم يعد مقتصرًا على منطقة الخليج، بل امتد إلى حركة الناقلات على نطاق أوسع.
وأوضحت أن بداية الأزمة شهدت بقاء عدد من السفن عالقة في منطقة الخليج قبل أن تتمكن من الإبحار لاحقًا، مشيرة إلى أن التجارة العالمية تحتاج إلى استمرار حركة الشحن، إلا أن الاعتماد على مسارات أطول أو الحصول على الشحنات من مصادر بعيدة مثل الولايات المتحدة يؤدي إلى زيادة التكلفة.
وأضافت أن المخاطر المرتبطة بالمرور عبر المناطق غير الآمنة رفعت تكلفة النقل من السعودية ومنطقة الخليج العربي بصورة كبيرة مقارنة بالسابق.
قد يهمّك أيضًا: النفط بين 80 و126 دولارًا.. هرمز يرسم الاتجاه
الضغوط قد تستمر على المدى المتوسط
وأشارت يعقوب إلى أن الشركات والمصافي تواجه حاليًا مستويات مرتفعة من التكلفة، في وقت لا تبدو فيه حلول واضحة على المدى المتوسط، سواء على المستوى العسكري أو الدبلوماسي.
وأضافت أن الوضع الحالي أصبح أقرب إلى واقع تتعامل معه الأسواق، مع استمرار الآمال في التوصل إلى حل دبلوماسي أو التوسع في تنويع طرق نقل منتجات الطاقة بما يقلل الاعتماد على الممرات البحرية الحالية.
ولفتت إلى زيادة الاعتماد على بعض خطوط الأنابيب، ومن بينها مسارات مرتبطة بينبع والفجيرة، بهدف تخفيف الضغط على حركة النقل البحري.
وأضافت أن هذه المسارات تستطيع تغطية جزء من احتياجات النقل، في ظل استمرار الحرب والمخاطر المحيطة بحركة الشحن، مؤكدة أن المدى المتوسط قد يشهد محاولات إضافية لتقليل المخاطر حول مضيق هرمز وضمان استمرار تدفق المنتجات عبر الخليج.
هل تكيف الشحن البحري على حساب الكفاءة؟
من جانبها، قالت الدكتورة شيماء وجيه، أستاذة الاقتصاد في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، إن نظام الشحن البحري العالمي نجح في التكيف مع الأزمات التي يشهدها، سواء في مضيق هرمز أو باب المندب أو على المستوى العالمي.
وأوضحت أن تقييم قدرة المنظومة على التكيف يجب أن يستند إلى ثلاثة معايير رئيسية، هي استمرارية الخدمة والكفاءة التشغيلية والتكلفة.
وأكدت أن منظومة الشحن البحري نجحت في الحفاظ على استمرارية الخدمة بعد إيجاد بدائل تضمن استمرار نقل البضائع إلى وجهاتها النهائية، بينما جاء التأثير الأكبر على الكفاءة التشغيلية والتكلفة.
وأضافت أن النظام العالمي حافظ على الخدمة، لكنه سجل تراجعًا في الكفاءة التشغيلية بالتزامن مع ارتفاع ملموس في تكلفة النقل.
المسارات الأطول ترفع الحاجة إلى السفن والوقود
وأشارت وجيه إلى أن اتجاه السفن لاستخدام مسارات أطول عبر رأس الرجاء الصالح أدى إلى زيادة الوقت اللازم لوصول الحاويات إلى مناطق التفريغ، خصوصًا في أوروبا.
وأضافت أن عبور السفن عبر رأس الرجاء الصالح يزيد الحاجة إلى عدد أكبر من السفن، لأن الرحلة تستغرق مسافة ووقتًا أطول للوصول إلى أوروبا ثم العودة إلى موانئ التصدير في آسيا.
كما يؤدي طول المسارات إلى استهلاك كميات أكبر من الوقود، ما يمثل تكلفة إضافية تتحملها الخطوط الملاحية.
وأكدت أن العودة إلى المرور عبر قناة السويس تعني انتقالًا تدريجيًا إلى وضع أكثر كفاءة من الناحية التشغيلية.
وأضافت أن جميع المسارات لم تعد حتى الآن إلى قناة السويس، إذ ما تزال بعض السفن تستخدم رأس الرجاء الصالح، وهو ما يؤدي إلى تفاوت بين بعض الموانئ الرئيسية من حيث توافر الحاويات.
ارتفاع التكلفة أصبح التحدي الأكبر
وقالت وجيه إن تكيف منظومة الشحن العالمية مع الوضع الراهن، من خلال الاستعانة بموانئ بديلة وطرق برية إضافية بجانب الطرق البحرية، أدى إلى تراجع مشكلة نقص الحاويات الفارغة باعتبارها التحدي الرئيسي.
وأضافت أن المشكلة الأساسية في الوقت الحالي أصبحت ارتفاع التكلفة، أكثر من عدم توافر الحاويات الفارغة في موانئ التصدير.
وأشارت إلى أن أسعار الشحن تتحدد وفق عدة عوامل، يأتي في مقدمتها العرض والطلب في السوق، إلى جانب طول الرحلات وزيادة استهلاك الوقود وارتفاع التكاليف الأمنية.
وأوضحت وجيه أن التكاليف الأمنية تمثل عاملًا إضافيًا وراء ارتفاع أسعار الشحن، خاصة تكاليف التأمين البحري والتأمين ضد مخاطر الحرب والتأمين على السفن.
وأشارت إلى أن تكلفة التأمين على السفن كانت قبل الأزمات تدور حول ربع في المئة تقريبًا، بينما ارتفعت حاليًا إلى نحو 3% أو 4%، فيما تشير بعض التقارير إلى وصولها إلى قرابة 10% في مناطق المخاطر المرتفعة.
وأضافت أن بعض وثائق التأمين البحري لا تغطي مخاطر الحرب، ما يؤدي إلى تحمل الشركات تكلفة إضافية للحصول على هذه التغطية.
أجور وتأمينات أعلى للبحارة
وقالت وجيه إن ارتفاع المخاطر الأمنية انعكس كذلك على تكاليف العمالة البحرية، إذ يطالب البحارة العاملون على السفن التي تعبر مناطق عالية الخطورة بأجور وتأمينات أعلى، إلى جانب الحصول في بعض الحالات على بدل مخاطر الحرب.
وأشارت وجيه إلى أن ارتفاع الطلب على خدمات الشحن البحري، بالتزامن مع محدودية البدائل المتاحة نتيجة المشكلات التي تواجه بعض المضائق والممرات البحرية، يؤدي إلى زيادة الضغوط على الأسعار.
وأضافت أن هذه العوامل تؤثر بصورة مباشرة على تكلفة الشحن من وإلى المناطق المختلفة، وبصفة خاصة المنطقة العربية، باعتبارها من أكثر المناطق تأثرًا بالمخاطر الأمنية المحيطة بالممرات البحرية الرئيسية.
العودة إلى قناة السويس قد تخلق ازدحامًا مؤقتًا
وأكدت وجيه أن المسافة عبر قناة السويس إلى الموانئ الأوروبية أقصر من المسار عبر رأس الرجاء الصالح.
وأوضحت أن طول الرحلة عبر رأس الرجاء الصالح منح الموانئ الأوروبية وقتًا أطول لتفريغ الحاويات واستلام العملاء لها، ثم إعادة الحاويات الفارغة إلى موانئ التصدير الرئيسية في آسيا.
وأضافت أن العودة إلى المسار الأقصر عبر قناة السويس ستؤدي إلى وصول السفن والحاويات إلى الموانئ الأوروبية بوتيرة أسرع، وهو ما قد ينتج عنه تدفق كميات كبيرة من الحاويات خلال فترات زمنية أقصر.
وأشارت إلى أن ذلك قد يتسبب في بعض الازدحام داخل عدد من الموانئ الرئيسية، لكنه سيكون مرتبطًا بفترة انتقالية محدودة، إلى أن تعود شبكة الشحن البحري العالمية بالكامل إلى المرور عبر قناة السويس، وتتأقلم الموانئ الأوروبية مجددًا مع معدلات التدفقات التي كانت سائدة قبل الأزمات.
وأكدت أن هذه المرحلة الانتقالية ستستمر إلى أن تعود منظومة الشحن البحري تدريجيًا إلى أوضاعها السابقة.
اقرأ أيضًا: هرمز مقابل التسوية.. ماذا تحمل خطة إيران الجديدة لواشنطن؟
