تقارير خاصة

    هل يقيّد فوز الديمقراطيين سياسات ترامب وأجندته الاقتصادية؟

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •5 دقائق
    فوز الديمقراطيين

    تدخل السياسة الاقتصادية الأمريكية مرحلة جديدة من الترقب عقب فوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ خلال انتخابات التجديد النصفي، وسط تكهنات بشأن قدرة الرئيس دونالد ترامب على تنفيذ أجندته الاقتصادية، ومستقبل الإنفاق الحكومي والرسوم الجمركية والعلاقات التجارية، وانعكاسات التحولات السياسية على أسواق النفط والذهب والدولار والسندات الأمريكية.

    وقال الدكتور ياسر حسين، أستاذ الاقتصاد، إن انتقال السيطرة التشريعية إلى الديمقراطيين يحد من قدرة الجمهوريين على تمرير مشروعات القوانين والسياسات الاقتصادية داخل الكونجرس، ويفرض على الإدارة الأمريكية التفاوض للتوصل إلى تسويات بشأن الملفات المالية والتشريعية.

    وأوضح أن تأثير هذا التحول لن يكون فوريًا، إذ يحتفظ ترامب بصلاحيات دستورية وتنفيذية واسعة، أبرزها حق النقض "الفيتو"، ما يمنحه القدرة على مواجهة بعض التشريعات التي قد تتعارض مع توجهاته الاقتصادية.

    توقعات بتمرير التمويل الحكومي في ديسمبر

    وتوقع حسين التوصل إلى اتفاق بشأن التمويل المؤقت للحكومة الفيدرالية في 11 ديسمبر 2026، مستبعدًا حدوث إغلاق حكومي خلال تلك الفترة، في ظل احتمالات توافق الحزبين على ضمان استمرار عمل المؤسسات الحكومية.

    ورجح تصاعد الخلافات مع بدء انعقاد الكونجرس الجديد في يناير 2027، عندما تتولى الأغلبية الديمقراطية ممارسة صلاحياتها التشريعية والرقابية، خاصة بشأن الموازنة العامة وأولويات الإنفاق والعجز المالي.

    وأشار إلى أن هذه المرحلة قد تشهد مفاوضات معقدة بين الحزبين، تفرض تقديم تنازلات متبادلة للوصول إلى اتفاقات مالية تضمن استمرار عمل الحكومة.

    عجز الموازنة الأمريكية يقترب من تريليوني دولار

    وأوضح أستاذ الاقتصاد أن التقديرات المطروحة للموازنة الأمريكية تشير إلى إيرادات تبلغ نحو 5.4 تريليون دولار، مقابل نفقات تصل إلى 7.4 تريليون دولار، بفجوة مالية تقارب تريليوني دولار.

    وأضاف أن اتساع العجز يضع الإدارة الأمريكية أمام تحديات تتعلق بتمويل الإنفاق الحكومي واحتواء نمو الدين العام، في ظل اختلاف أولويات الجمهوريين والديمقراطيين بشأن الضرائب والإنفاق الاجتماعي والعسكري.

    وأشار إلى أن الديمقراطيين يتمسكون بحماية برامج الرعاية الصحية، وعلى رأسها "ميديكير"و"ميديكيد" ، ويرفضون التخفيضات المقترحة على مخصصاتها، في وقت تتجاوز فيه تقديرات الإنفاق الصحي المتداولة تريليوني دولار، مع الإشارة إلى نسبة 22.5% ضمن المناقشات المتعلقة بموازنة 2027.

    ولفت إلى أن الخلاف يمتد إلى الإنفاق الدفاعي، الذي تقترب تقديراته من 950 مليار دولار، بينما تتضمن بعض المقترحات الجمهورية زيادة إضافية بنحو 90 مليار دولار.

    وأوضح أن الديمقراطيين قد يعارضون التوسع في المخصصات العسكرية، ويدفعون نحو توجيه موارد أكبر للرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية، ما يزيد احتمالات المساومات السياسية عند مناقشة الموازنة.

    وأكد أن التوصل إلى تسوية بين الحزبين لا يعني بالضرورة إنهاء العجز، الذي قد يظل قريبًا من تريليوني دولار حتى بعد إقرار الموازنة.

    قد يهمّك أيضًا: كيف تفاعلت الأسواق العالمية مع فوز الديمقراطيين بأمريكا؟

    الرسوم الجمركية والحرب التجارية مع الصين

    وفيما يتعلق بالتجارة الخارجية، أوضح حسين أن سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس قد تزيد الضغوط على سياسات الرسوم الجمركية التي تبنتها إدارة ترامب تجاه عدد من الشركاء التجاريين، وفي مقدمتهم الصين وكندا والمكسيك ودول الاتحاد الأوروبي.

    وأشار إلى أن الكونجرس يمتلك أدوات تشريعية ورقابية للتأثير في السياسة التجارية، لكن الرئيس الأمريكي يحتفظ بصلاحيات تنفيذية واسعة في فرض الرسوم أو تعديلها، وفقًا للأطر القانونية المنظمة لهذه الإجراءات.

    وأضاف أن الرسوم الجمركية ساهمت في زيادة تكلفة بعض السلع والمكونات المستوردة، ما رفع أعباء الإنتاج على الشركات الأمريكية وانعكس على الأسعار النهائية للمستهلكين، في وقت شكلت فيه تكاليف المعيشة أحد العوامل المؤثرة في توجهات الناخبين.

    ورجح أن تشهد المرحلة المقبلة مراجعة بعض الرسوم أو تخفيضها بصورة محدودة، خصوصًا في العلاقات التجارية مع كندا والمكسيك، نظرًا إلى الترابط الوثيق بين الصناعات وسلاسل الإمداد في دول أمريكا الشمالية.

    وفي المقابل، توقع استمرار التنافس التجاري والاقتصادي بين واشنطن وبكين، حتى مع احتمالات إجراء تعديلات جزئية على الرسوم، موضحًا أن الخلافات بين البلدين تتجاوز التجارة التقليدية إلى التكنولوجيا والصناعة وسلاسل التوريد والمنافسة على الأسواق العالمية.

    أسعار الطاقة ومستقبل العقوبات على روسيا

    وتطرق حسين إلى تأثير التحولات السياسية الأمريكية على أسواق الطاقة، مشيرًا إلى أن ارتفاع أسعار النفط والوقود يظل من العوامل الضاغطة على تكلفة المعيشة داخل الولايات المتحدة، ما يجعل سياسات الطاقة والعقوبات الاقتصادية ضمن الملفات الرئيسية للإدارة الأمريكية.

    وأوضح أن أي تخفيف للعقوبات المؤثرة في صادرات النفط الروسية قد يسهم في زيادة المعروض العالمي، بحسب حجم الإمدادات الإضافية التي تتمكن من الوصول إلى الأسواق.

    ورجح استمرار الجدل بشأن العقوبات على قطاع الطاقة الروسي، في ظل تداخل الاعتبارات الاقتصادية والجيوسياسية، مع إمكانية ممارسة الكونجرس ضغوطًا على الإدارة الأمريكية بشأن أي تعديلات مقترحة.

    وأشار إلى أن قدرة السلطة التشريعية على التأثير في هذه القرارات تعتمد على طبيعة العقوبات والأسس القانونية التي صدرت بموجبها، إلى جانب موقف البيت الأبيض من العلاقات مع موسكو.

    تراجع النفط وانخفاض المخاطر الجيوسياسية

    وأوضح أستاذ الاقتصاد أن خام برنت تراجع، وفق المستويات المشار إليها في المناقشات السوقية، إلى نحو 95 دولارًا للبرميل، بالتزامن مع انخفاض نسبي في علاوة المخاطر الجيوسياسية.

    وأشار إلى أن تراجع المخاوف المتعلقة باضطراب الإمدادات قد يخفف الضغوط على أسعار الطاقة، بينما تظل الأسواق حساسة لأي تطورات عسكرية أو سياسية تؤثر في الإنتاج وحركة التجارة العالمية.

    وأضاف أن المستثمرين يراقبون القرارات الأمريكية المتعلقة بالعقوبات والتجارة الدولية، لما لها من تأثير محتمل على أسعار النفط وتكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع.

    تداعيات فوز الديمقراطيين على الدولار والذهب والسندات

    وأكد حسين أن تأثير نتائج الانتخابات الأمريكية يمتد إلى أسواق العملات والسندات والمعادن النفيسة، في ظل إعادة تقييم المستثمرين لتوقعات الإنفاق الحكومي والتضخم والسياسة النقدية.

    وأشار إلى أن المستويات السوقية المتداولة في المناقشات تضمنت عائدًا على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات قرب 4.94%، ومستوى يقارب 101.20 نقطة لمؤشر الدولار.

    وأوضح أن تراجع عوائد السندات الأمريكية قد يدعم أسعار الذهب، نتيجة انخفاض تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن النفيس، الذي لا يحقق عائدًا دوريًا.

    وأضاف أن العلاقة بين الدولار والذهب غالبًا ما تكون عكسية، إذ يؤدي انخفاض العملة الأمريكية إلى زيادة جاذبية الذهب للمستثمرين من حائزي العملات الأخرى، ما قد يعزز الطلب العالمي عليه.

    وأشار إلى أن تحركات الذهب لا ترتبط بالدولار وحده، وإنما تتأثر أيضًا بالعوائد الحقيقية للسندات والتضخم والتوترات الجيوسياسية وتوقعات السياسة النقدية الأمريكية.

    الأسواق العالمية تترقب سياسات الكونجرس الجديد

    واختتم حسين تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستشهد اختبارًا لقدرة البيت الأبيض والكونجرس على إدارة الخلافات بشأن الموازنة والإنفاق الدفاعي وبرامج الرعاية الصحية والتجارة الخارجية والعقوبات الاقتصادية.

    ورجح أن تتضح انعكاسات الأغلبية الديمقراطية بصورة أكبر مع بدء عمل الكونجرس الجديد في يناير 2027، خاصة في ظل الحاجة إلى معالجة الخلافات المالية والتوصل إلى تسويات تشريعية.

    وأكد أن اتجاهات الأسواق العالمية ستظل مرتبطة بمدى قدرة الطرفين على التوافق بشأن هذه الملفات، وانعكاسات القرارات المرتقبة على النمو الاقتصادي الأمريكي والتضخم وأسعار النفط والذهب والدولار وعوائد السندات.

    اقرأ أيضًا: الانتخابات الأميركية.. اختبار ترامب بعد 21 شهراً مضطرباً