التكنولوجيا

    هل يجعلك الذكاء الاصطناعي أقل ذكاءً؟

    يسهّل الذكاء الاصطناعي الوصول إلى المعلومات، لكنه قد يشجع على الاكتفاء بإجابات جاهزة بدلًا من التحقق منها وفهمها. ومن خلال مقارنة هذه الظاهرة بتأثير الهاتف، ودراسة عن التفكير النقدي لدى الموظفين، يوضح المقال أن قيمة التكنولوجيا تتوقف على استخدامها لتعميق المعرفة، لا استبدال التفكير.

    بقلم Onboarding Account••آخر تحديث •6 دقائق
    شخص يستخدم الذكاء الاصطناعي على جهاز حاسوب، في مشهد يطرح تساؤلات حول التفكير النقدي والتحقق من المعلومات.
    اتهامات للذكاء الاصطناعي بقتل الابداع عند البشر

    قد لا يكون الخطر الأكبر في الذكاء الاصطناعي أن نصدّق كل ما يقوله، بل أن نتوقف عن الاهتمام بما يكفي للتحقق من صحة ما يقوله. فالأدوات التوليدية تستطيع إعداد ملخصات وتقارير والإجابة عن أسئلة معقدة خلال ثوانٍ، لكنها تستطيع أيضًا تقديم معلومات خاطئة بصياغة واثقة ومقنعة. وبين هذين الاحتمالين، يبرز سؤال يتجاوز دقة التكنولوجيا نفسها: هل تساعدنا هذه الأدوات على فهم العالم، أم تجعلنا نكتفي بالشعور بأننا فهمناه؟

    هذه هي الفكرة التي يناقشها الكاتب الاقتصادي تيم هارفورد في مقال نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» في السابع من أكتوبر 2026، بعنوان «How AI tempts the lazy mind». ويستعين هارفورد بتاريخ الهاتف وتجربة اجتماعية تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، ليشرح كيف يمكن للتكنولوجيا أن تسهّل التواصل والمعرفة، لكنها قد تدفعنا أيضًا إلى الاستغناء عن الجهد الذي يجعل كليهما أكثر عمقًا.

    التكنولوجيا لا تغيّر حياتنا فقط

    استهل هارفورد مقاله بحكاية رواها جاك كلارك، الشريك المؤسس لشركة أنثروبيك، عن أثر التكنولوجيا في السلوك البشري. استحضر كلارك كتاب «رسائل من جهنم» للكاتب سي إس لويس، الذي يتناول محاولات شيطانية لإفساد البشر، وربط الفكرة بالتأثير المحتمل للتكنولوجيا في حياتنا.

    لكن القصة التي رواها كلارك تضمنت أخطاء في تذكر الكتاب ومضمونه؛ إذ لم يكتبه لويس قبل قرن، كما أن الرسائل فيه موجّهة من الشيطان الأكبر إلى ابن أخيه، وليس العكس، ولا يتضمن الكتاب الحكاية المتعلقة بالهاتف التي أشار إليها كلارك.

    وهنا تظهر مفارقة لافتة: شخص بارز في صناعة الذكاء الاصطناعي استطاع تقديم قصة جذابة ومقنعة، لكنها لم تكن دقيقة من الناحية الواقعية.

    لم يكن الهدف من هذه الحكاية إثبات أن الذكاء الاصطناعي أو العاملين في مجاله غير موثوقين، بل إظهار مشكلة أوسع: قد تبدو المعلومة منطقية وممتعة ومتماسكة، من دون أن تكون صحيحة.

    وهذا تحديدًا ما يجعل التحقق ضروريًا. فالمعلومات الخاطئة لا تأتي دائمًا في صورة ادعاءات غريبة يسهل اكتشافها؛ أحيانًا تصل إلينا داخل قصة جيدة الصياغة، أو تحليل يبدو متكاملًا، أو إجابة لا تترك مجالًا واضحًا للشك.

    ماذا علّمنا انقطاع الهاتف؟

    في فبراير 1975، تسبب حريق في مركز للاتصالات الهاتفية في مانهاتن بانقطاع الخدمة عن أكثر من مئة ألف خط هاتفي، قبل استعادة الخدمة بعد نحو ثلاثة أسابيع.

    وأتاح الحادث للباحثين آلان وورتزل وكولن تيرنر دراسة كيفية تعامل الناس مع غياب وسيلة أصبحت جزءًا أساسيًا من حياتهم اليومية. وفي استطلاع شمل أشخاصًا تأثروا بالانقطاع، أفاد أكثر من ثلثي المشاركين بأن غياب الهاتف جعلهم يشعرون بالعزلة أو القلق، فيما ذكر نحو ثلثهم أنهم زاروا أشخاصًا آخرين بصورة أكثر تكرارًا، وقالت نسبة مماثلة إنهم استقبلوا زوارًا أكثر.

    اقرأ أيضا: سوفت بنك يطلب 100 مليار دولار من الخليج لرهان الذكاء الاصطناعي

    تكشف النتائج عن وجهين للتكنولوجيا. فمن جهة، سهّل الهاتف البقاء على اتصال بالأصدقاء والعائلة، وخفّف الشعور بالوحدة. ومن جهة أخرى، أدى غيابه إلى زيادة بعض أشكال التواصل المباشر بين الناس.

    ويستحضر هارفورد استنتاج عالم السياسة روبرت بوتنام، الذي أشار في كتابه «Bowling Alone» الصادر عام 2000 إلى أن الهاتف يمنحنا شيئًا ويأخذ شيئًا آخر في الوقت نفسه: فهو يقلل العزلة، لكنه قد يقلل أيضًا التواصل وجهًا لوجه.

    ولا تعني هذه المقارنة أن الهاتف أضر بالعلاقات الإنسانية بالضرورة، أو أن التكنولوجيا الجديدة ستؤدي حتمًا إلى نتائج سلبية. الفكرة أن تسهيل نشاط ما قد يعزز ممارسته، لكنه قد يصبح أيضًا بديلًا عن أشكال أخرى منه.

    وهذا ما يجعل تجربة الهاتف مدخلًا لفهم الذكاء الاصطناعي.

    الذكاء الاصطناعي.. إجابات أكثر ومعرفة أقل؟

    تمنح نماذج الذكاء الاصطناعي المستخدمين قدرة غير مسبوقة على الوصول السريع إلى المعلومات. يستطيع المستخدم طلب تقرير شامل، أو مقارنة بين شركات، أو شرح لمفهوم اقتصادي معقد، بدلًا من البحث في عشرات الصفحات وجمع المعلومات بنفسه.

    لكن سهولة الوصول إلى الإجابة لا تعني بالضرورة فهمها.

    فقد يقرأ المستخدم ملخصًا عن أزمة اقتصادية ويشعر بأنه استوعب أسبابها، من دون الرجوع إلى البيانات الأصلية أو معرفة الافتراضات التي بُني عليها التحليل. وقد يحصل على قائمة بمصادر تبدو موثوقة، من دون التحقق من أن هذه المصادر موجودة فعلًا أو أنها تدعم الادعاءات الواردة في الإجابة.

    وفي هذه الحالة، لا تحل التكنولوجيا مشكلة الوصول إلى المعرفة بقدر ما تنقل التحدي إلى مرحلة أخرى: تقييم المعلومات والتحقق منها وفهم سياقها.

    وقد تصبح المشكلة أكثر تعقيدًا عندما تتكرر التجربة. فكلما اعتاد المستخدم الحصول على إجابات جاهزة، زاد احتمال أن يكتفي بالنتيجة بدلًا من فحص الطريق الذي أدى إليها. وقد يتحول توفير الوقت، الذي يمثل إحدى أهم مزايا الذكاء الاصطناعي، إلى تقليص للجهد الذي يحتاج إليه الفهم الحقيقي.

    المشكلة ليست مجرد أخطاء تقنية

    لا تقتصر المخاطر على أن النماذج قد تنتج معلومات غير صحيحة. فهناك أيضًا احتمال أن يتغير سلوك المستخدم نفسه، فيصبح أقل استعدادًا لبذل الجهد اللازم للتفكير والتحقق.

    وفي دراسة نُشرت ضمن مؤتمر CHI لعام 2025، بحث فريق من مايكروسوفت وأكاديميين آخرين تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي في التفكير النقدي لدى العاملين في وظائف معرفية. وشملت الدراسة استطلاع 319 موظفًا، قدموا 936 مثالًا من استخدامهم لهذه الأدوات في العمل.

    وجد الباحثون ارتباطًا بين ارتفاع ثقة المستخدم بقدرات الذكاء الاصطناعي وانخفاض الجهد الذي يبذله في التفكير النقدي أثناء استخدامه. كما أظهرت الدراسة أن طبيعة العمل تتغير: فبدلًا من جمع المعلومات وتنفيذ المهمة بالكامل، يزداد التركيز على التحقق من مخرجات الذكاء الاصطناعي ودمجها والإشراف عليها.

    لكن الدراسة اعتمدت على تجارب المستخدمين وتقييماتهم الذاتية، ولذلك لا تثبت أن استخدام الذكاء الاصطناعي يؤدي حتمًا إلى تراجع القدرات العقلية لدى الجميع. إنها تشير إلى خطر محتمل يتوقف على كيفية استخدام الأدوات ومدى ثقة المستخدم بها.

    وتنسجم هذه النتيجة مع مشكلة تقنية موثقة في الأبحاث العلمية. ففي دراسة نُشرت في مجلة «Nature» في أبريل 2026، أوضح باحثون أن نماذج اللغة الكبيرة لا تزال قادرة على إنتاج معلومات خاطئة بصياغة واثقة، وأن بعض أساليب تقييمها قد تشجع على التخمين بدلًا من الامتناع عن الإجابة عند عدم اليقين.

    وهذا يعني أن الإجابة الواثقة ليست دليلًا كافيًا على صحتها، حتى عندما تصدر عن نموذج متقدم.

    الذكاء الاصطناعي.. من الكفاءة إلى الاتكال

    تقوم إحدى أهم وعود الذكاء الاصطناعي على زيادة الإنتاجية: إنجاز المهام بسرعة أكبر، وخفض الوقت اللازم للبحث والكتابة والتحليل. لكن الفرق كبير بين استخدام الأداة لتوفير الجهد غير الضروري، واستخدامها للاستغناء عن التفكير نفسه.

    اقرا أيضا: هل يتمرد الذكاء الاصطناعي على البشر؟

    فعندما يساعد الذكاء الاصطناعي الباحث على الوصول إلى مصادر إضافية، أو يساعد الصحفي في تنظيم المعلومات ثم التحقق منها، فإنه يعزز قدرته على العمل. أما عندما يستبدل المستخدم البحث والتحقق بإجابة جاهزة، فقد يحصل على نتيجة أسرع، لكنه لا يضمن أنها أدق أو أنه أصبح أكثر معرفة.

    وتزداد أهمية هذا التمييز في المجالات التي تتطلب دقة عالية، مثل الصحافة والطب والقانون والاستثمار. فقد يؤدي خطأ صغير في معلومة مالية أو قانونية إلى استنتاجات خاطئة، حتى لو كان التقرير الذي يحتويها مكتوبًا باحترافية.

    ولا يعني ذلك ضرورة مراجعة كل كلمة ينتجها الذكاء الاصطناعي بالدرجة نفسها. بل يعني تحديد المعلومات التي تحتاج إلى تحقق، خصوصًا الأرقام والاقتباسات والتواريخ والمعلومات التي يمكن أن تغيّر القرار النهائي.

    الاختيار يبقى بيد المستخدم

    لا يرى هارفورد أن التكنولوجيا تقودنا بالضرورة إلى نتيجة واحدة. فكما ساعد الهاتف الناس على الحفاظ على علاقاتهم، لكنه غيّر طبيعة بعض أشكال التواصل، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون نقطة انطلاق لفهم أعمق، أو بديلًا عن البحث والتفكير.

    والفارق لا يتوقف على قدرات التقنية وحدها، بل على ما يفعله المستخدم بالإجابة التي يحصل عليها. هل يستخدمها لتحديد الأسئلة التالية التي ينبغي طرحها؟ أم يتعامل معها بوصفها نهاية البحث؟

    وهنا تكمن المفارقة: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل الوصول إلى المعلومات أسهل من أي وقت مضى، لكنه لا يستطيع أن يضمن أن المستخدم سيتعامل معها بفضول أو شك منهجي أو رغبة حقيقية في الوصول إلى الحقيقة.

    الخلاصة: لا يتمثل التحدي الأكبر في أن نثق بالذكاء الاصطناعي ثقة مطلقة، بل في أن نعتاد استخدامه إلى درجة نتوقف معها عن التحقق من إجاباته. فالإنتاجية الحقيقية لا تعني الحصول على إجابة بسرعة، وإنما استخدام الوقت الذي توفره التكنولوجيا للوصول إلى فهم أدق. وقد تكون أهم مهارة في عصر الذكاء الاصطناعي ليست القدرة على طرح السؤال، بل معرفة متى لا تكفي الإجابة.

    اقرأ أيضا: وكلاء الذكاء الاصطناعي.. ثغرات سيبرانية وسباق دولي محتدم