اتسعت التعاملات بالمشتقات المالية في الأسواق العالمية، وسط تصاعد المخاوف من تأثير المضاربات على أسعار الذهب والفضة والسلع الأساسية، خاصة مع تنامي استخدام العملات المستقرة المرتبطة بالدولار، والتي تعتمد بعض جهات إصدارها على أدوات الدين الأمريكية ضمن الأصول الداعمة لقيمتها.
وقال الدكتور عمرو يوسف، أستاذ الاقتصاد، إن الولايات المتحدة تسعى إلى تعزيز نفوذها في النظام المالي العالمي من خلال التشريعات الجديدة المنظمة للعملات المستقرة، التي تتيح الاعتماد على أدوات الدين الأمريكية لتغطية قيمتها، بدلا من الذهب والفضة.
وأوضح أن التوسع في استخدام العملات المستقرة المدعومة بالسندات وأذون الخزانة الأمريكية من شأنه زيادة الطلب على أدوات الدين الحكومي الأمريكي، بما يعزز مكانة الدولار ويمنح الولايات المتحدة نفوذًا أكبر في المعاملات المالية الدولية.
العملات المستقرة ومخاطر تجميد الأصول
وأشار يوسف إلى أن هذا التوجه يثير تحفظات لدى دول مثل الصين وروسيا، في ظل مخاوف من إمكانية تجميد الأصول المرتبطة بالنظام المالي الأمريكي حال نشوب خلافات سياسية أو اقتصادية مع واشنطن.
وأضاف أن الاعتماد على أدوات مالية تخضع للسلطات الأمريكية قد يعرض الدول لمخاطر تقييد التصرف في أموالها، الأمر الذي يدفع بعضها إلى البحث عن بدائل تقلل ارتباطها بالدولار وتحد من تأثير القرارات الأمريكية على معاملاتها المالية.
وأوضح أن الذهب والفضة يأتيان في مقدمة الأصول التي يمكن اللجوء إليها للتحوط من هذه المخاطر، باعتبارهما من الملاذات الآمنة التي تحظى باهتمام المستثمرين والدول خلال فترات عدم الاستقرار المالي والنقدي.
المضاربات تؤثر في أسعار الذهب والفضة
وأكد أستاذ الاقتصاد أن زيادة الإقبال على الذهب والفضة لا تعني بالضرورة استقرار أسعارهما، في ظل التأثير المتزايد للتعاملات بالمشتقات المالية والعقود الآجلة على حركة الأسواق.
ورأى أن الولايات المتحدة تستطيع التأثير في اتجاهات أسعار المعادن النفيسة من خلال عمليات البيع في أسواق العقود الآجلة والمشتقات المالية، بما قد يؤدي إلى تراجع الأسعار ودفع بعض المستثمرين إلى العودة للدولار.
وأوضح أن بعض هذه التعاملات لا يتطلب تسليم الذهب أو الفضة فعليًا، إذ تجري تسوية العقود نقديًا وفقا للفروق بين الأسعار المتفق عليها عند التعاقد والأسعار السائدة عند التنفيذ.
وأضاف أن هذه الآلية تتيح إجراء معاملات ضخمة على المعادن النفيسة دون الحاجة إلى بيع كميات فعلية من الاحتياطيات، وهو ما يمنح المضاربات قدرة كبيرة على التأثير في حركة الأسعار.
وأشار إلى أن اتساع هذه التعاملات جعل الأسواق أكثر تأثرًا بتوقعات المتعاملين ومراكزهم المالية، إلى جانب العوامل التقليدية المرتبطة بالعرض والطلب.
قد يهمّك أيضًا: اختراق بينانس.. لماذا قد يصبح الأكبر بتاريخ العملات المشفرة؟
كيف تعمل عقود الذهب دون تسليم المعدن؟
وشرح يوسف طبيعة هذه التعاملات، موضحًا أن بعض عقود المشتقات، ومنها عقود الخيارات، تتيح للمستثمر الحصول على حق شراء أصل معين أو بيعه بسعر محدد خلال فترة مستقبلية، مقابل دفع علاوة مالية عند إبرام العقد.
وأضاف أن مشتري خيار الشراء يستطيع الاستفادة من ارتفاع سعر الأصل فوق السعر المتفق عليه، بينما يتحمل البائع الالتزامات المنصوص عليها في العقد إذا قرر المشتري ممارسة حقه.
أما إذا انخفض السعر وأصبح تنفيذ الخيار غير مجدٍ للمشتري، فيمكنه ترك العقد ينتهي دون تنفيذ، مع خسارة العلاوة التي دفعها مقدمًا، بينما يحتفظ البائع بهذه العلاوة.
وأوضح أن بعض هذه العقود تتم تسويتها نقديًا، بحيث يحصل الطرف المستحق على الفرق المالي الناتج عن تغير السعر، دون الحاجة إلى تسليم الذهب فعليًا.
وأكد أن هذه الآلية تسمح بتحقيق أرباح أو تكبد خسائر نتيجة تحركات الأسعار، حتى في المعاملات التي لا تتضمن انتقال السلعة بين أطراف التعاقد.
المشتقات المالية تمتد إلى النفط والقمح والأسهم
وأشار أستاذ الاقتصاد إلى أن التعاملات بالمشتقات المالية لا تقتصر على الذهب والفضة، وإنما تمتد إلى النفط والقمح ومختلف السلع والأسهم والأصول المالية.
وأوضح أن الأسواق العالمية تشهد تداول ملايين العقود المرتبطة بهذه الأصول، دون أن تتضمن جميع المعاملات تسليمًا فعليًا للسلع محل التعاقد.
وأضاف أن المتعاملين يستطيعون تحقيق أرباح من توقع ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، وهو ما يجعل حركة الأسواق أكثر تأثرًا بالمضاربات والتوقعات المالية.
ولفت إلى أن المشتقات المالية تستمد قيمتها من الأصول المرتبطة بها، سواء كانت معادن أو سلعًا أو أسهمًا، إلا أن التوسع الكبير في تداول هذه العقود أدى، من وجهة نظره، إلى زيادة تأثيرها على الأسعار الفعلية للسلع.
وأوضح أن العلاقة بين المشتقات والأسواق الفورية لم تعد تقتصر على تأثر قيمة العقود بأسعار الأصول، إذ أصبحت تحركات العقود المالية نفسها من العوامل التي قد تؤثر في اتجاهات الأسعار.
وحذر من أن تضخم حجم هذه التعاملات قد يمنح مستثمرين لا يمتلكون السلع محل التعاقد تأثيرًا على أسعارها، بما ينعكس على المنتجين والمستهلكين.
التمويل الإسلامي للحد من المضاربات
وأكد يوسف أن مواجهة المخاطر المرتبطة بالتوسع في المضاربات تتطلب الاستفادة من مبادئ التمويل الأخلاقي، وفي مقدمتها التمويل الإسلامي، الذي يقوم على ربط المعاملات المالية بأصول وأنشطة اقتصادية حقيقية.
وأوضح أن هذه المبادئ تتضمن ضوابط تتعلق بملكية السلعة محل التعاقد والقدرة على تسليمها، مع تحديد حقوق الأطراف والتزاماتهم بصورة واضحة.
وأضاف أن الهدف من هذه الضوابط هو الحد من المعاملات القائمة على المراهنة على تغير الأسعار، وتوجيه النشاط المالي نحو الإنتاج والتجارة والاستثمار، بدلًا من الاعتماد على المضاربات المنفصلة عن الاقتصاد الحقيقي.
واعتبر أن تطبيق مبادئ التمويل الأخلاقي يمكن أن يساعد على تقليل المضاربات غير المنضبطة، وتعزيز ارتباط المعاملات المالية بالأصول الفعلية، بما يسهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار داخل الأسواق.
اختراق العملات المشفرة يثير مخاوف المستثمرين
وتطرق يوسف إلى واقعة اختراق إلكتروني قال إنها استهدفت إحدى أكبر منصات تداول العملات المشفرة، مشيرًا إلى أن المخترقين تمكنوا، وفق المعلومات التي استعرضها، من تحويل أصول رقمية بقيمة 6.3 مليار دولار إلى محفظة إلكترونية خاضعة لسيطرتهم.
وأوضح أن الحادث أثار مخاوف واسعة بين المستثمرين بشأن أمن أموالهم في منصات تداول العملات الرقمية، ودفع بعض المتعاملين إلى بيع أصولهم خشية التعرض لخسائر إضافية.
وأضاف أن حالة القلق امتدت إلى الأسهم المرتبطة بالشركات التكنولوجية، التي تعرضت لضغوط كبيرة خلال أكتوبر، مشيرًا إلى تقديرات بخسائر بلغت نحو تريليوني دولار خلال الشهر.
وأكد أن هذه التطورات تكشف حساسية الأسواق المالية تجاه المخاطر التكنولوجية والهجمات الإلكترونية، خاصة مع تنامي حجم الاستثمارات في الأصول الرقمية وارتباطها بحركة الأسواق الأخرى.
وأشار إلى أن تراجع ثقة المستثمرين قد يؤدي إلى اتساع عمليات البيع وزيادة التقلبات، خصوصًا في الأسواق التي تتأثر سريعًا بالأخبار والتوقعات.
أكتوبر يعيد مخاوف الخسائر في البورصات
وأشار أستاذ الاقتصاد إلى أن شهر أكتوبر يرتبط تاريخيًا في أذهان المستثمرين بعدد من أكبر الانهيارات التي شهدتها البورصات العالمية، وهو ما يجعل موجات الخسائر خلاله مصدر قلق إضافي للمتعاملين.
وأوضح أن الضغوط التي تعرضت لها أسهم التكنولوجيا خلال أكتوبر أعادت هذه المخاوف إلى الواجهة، خاصة مع تزامنها مع الاضطرابات التي شهدتها أسواق العملات المشفرة.
وأضاف أن هذه التطورات تعكس حجم المخاطر المرتبطة بالتقلبات الحادة في الأسواق المالية، ومدى تأثر المستثمرين بالأحداث الاقتصادية والتكنولوجية المفاجئة.
واختتم الدكتور عمرو يوسف تصريحاته بالتأكيد على ضرورة إعادة النظر في طبيعة المعاملات المالية العالمية، والحد من المضاربات التي تنفصل عن النشاط الاقتصادي الحقيقي.
اقرأ أيضًا: الدولار في مصر وليبيا واليمن.. لماذا لا يملك سعراً واحداً؟
