أسواق العملات

    الدولار في مصر وليبيا واليمن.. لماذا لا يملك سعراً واحداً؟

    بقلم باسل محمود••آخر تحديث •4 دقائق
    الدولار

    تكشف أسعار الدولار في مصر وليبيا واليمن أن قيمة العملة الأميركية لا تحددها الورقة النقدية وحدها، بل القناة التي يمر عبرها الدولار، ومن يملك الوصول إليه، ففي مصر يظهر السعر عبر الجهاز المصرفي، بينما يتسع في ليبيا الفرق بين السعر الرسمي والنقدي الموازي، أما اليمن فيعيش انقساماً نقدياً بين عدن وصنعاء، يرتبط بنوع الأوراق المتداولة والسلطات التي تديرها.

    في 29 أكتوبر 2026، سجل الدولار في نشرة البنك المركزي المصري نحو 55.98 جنيه للشراء و56.12 جنيه للبيع، وفي اليوم نفسه، أظهر مصرف ليبيا المركزي متوسطاً رسمياً عند 6.43 دينار للدولار، مقابل سعر نقدي موازٍ في طرابلس بلغ 9.99 دينار، وفق رصد مستقل، وفي اليمن، سجل مرصد اقتصادي 533 ريالاً للدولار في صنعاء للأوراق القديمة، و1580 ريالاً في عدن للأوراق الجديدة.

    هذه الأرقام، لا تقيس الشيء نفسه، فجميعها تعبر عن عدد وحدات العملة المحلية اللازمة لشراء دولار واحد، لكن كل رقم ينتمي إلى سوق وقناة تداول مختلفة.

    الدولار

    أسعار الدولار في مصر وليبيا واليمن ليست رقماً واحداً

    قد يبدو السؤال بسيطاً.. كم يساوي الدولار؟ لكن الإجابة تختلف بين شخص يحصل عليه من بنك، ومستورد يبحث عن تمويل، ومسافر يحتاج إلى نقد، وتاجر يعمل في سوق موازية، أو مواطن يعيش في منطقة تستخدم أوراقاً نقدية مختلفة عن منطقة أخرى داخل البلد نفسه.

    لهذا لا تعني قيمة 56 جنيهاً للدولار في مصر أن الجنيه "أضعف" أو "أقوى" من الدينار الليبي عند مستوى 6.43 دينار، ولا أن الريال اليمني عند 1580 يعكس مقارنة مباشرة معهما، فالرقم وحده لا يكفي، ولكن المهم هو آلية التسعير، وتوافر النقد الأجنبي، والفجوة بين السعر الذي تعلنه المؤسسات الرسمية، والسعر الذي يدفعه من لا يستطيع الوصول إلى تلك القنوات.

    مصر.. سعر الدولار داخل القنوات المصرفية

    تُظهر نشرة أسعار الصرف لدى البنك المركزي المصري سعر الدولار المعلن في 29 أكتوبر عند 55.98 جنيه للشراء و56.12 جنيه للبيع، وهذا هو المؤشر المستخدم رسمياً، لا سعر نقدي خارج النظام المصرفي.

    وتتحرك سوق الصرف المصرية مع تدفقات العملة الأجنبية، من تحويلات العاملين بالخارج وإيرادات السياحة والصادرات والاستثمارات، مقابل احتياجات الاستيراد وسداد الالتزامات الخارجية وخروج رؤوس الأموال، ولذلك لا يحدد تغير السعر وحده درجة الاستقرار، فاستمرار قدرة البنوك على تلبية الطلب على الدولار يظل عاملاً أساسياً في قراءة السوق.

    ودعا صندوق النقد الدولي مصر إلى الحفاظ على مرونة سعر الصرف بالتوازي مع بناء الاحتياطيات الأجنبية، ويعني ذلك أن تحرك الجنيه قد يستوعب جانباً من تغير العرض والطلب، بدلاً من تراكم طلب غير ملبى خارج القنوات الرسمية.

    اقرأ أيضاً: سعر الدولار في مصر تحت ضغط باب المندب والفائدة الأمريكية

    ليبيا.. تكلفة أعلى للحصول على الدولار النقدي

    في ليبيا، تبدو المسافة بين السعرين أكثر وضوحاً، حيث سجل مصرف ليبيا المركزي متوسطاً رسمياً قدره 6.43 دينار للدولار في 29 أكتوبر، فيما بلغ سعر الدولار النقدي في طرابلس 9.99 دينار عند الإغلاق، بحسب منصة "Prices.ly" التي تصف بياناتها بأنها أسعار استرشادية للسوق الموازية وليست أسعاراً رسمية.

    وتبلغ العلاوة بين السعر النقدي الموازي والمتوسط الرسمي قرابة 55%، وهي لا تمثل فرقاً عادياً بين شركتي صرافة، بل كلفة إضافية، يدفعها من لا يستطيع تدبير الدولار عبر القنوات الرسمية أو ينتظر توافره فيها.

    وأشار صندوق النقد الدولي في أبريل إلى أن الفجوة بين السعر الرسمي والموازي ما زالت كبيرة، رغم تقلصها عقب تخفيضات في قيمة الدينار وعمليات بيع واسعة للنقد الأجنبي، كما خصص المصرف المركزي في يوليو مليار دولار لتمويل الاعتمادات المستندية وملياراً آخر لاحتياجات الأفراد عبر منصته الإلكترونية، في محاولة لزيادة المعروض الرسمي واحتواء الطلب على السوق الموازية.

    وعندما يتسع هذا الفرق، تصبح قدرة المستورد أو التاجر على الحصول على الدولار بسعر رسمي عاملاً مؤثراً في تكلفة السلع، فالدولار المشتَرى من السوق النقدية الأعلى سعراً قد ينتقل أثره إلى أسعار الاستيراد والنقل والبيع بالتجزئة.

    اليمن.. انقسام نقدي بين عدن وصنعاء

    لا يمثل اليمن فجوة بين سعر رسمي وسعر موازٍ فقط، فبيانات مبادرة تتبع الاقتصاد اليمني التابعة لـ"ACAPS" سجلت في 28 أكتوبر نحو 533 ريالاً للدولار في صنعاء، باستخدام الأوراق القديمة، مقابل 1580 ريالاً في عدن باستخدام الأوراق الجديدة، وتوضح المنصة أن هذه أسعار غير رسمية تجمع من مصدر رصد محلي.

    وتعود الفجوة إلى انقسام نقدي ومؤسسي قائم منذ 2020، حين حُظر تداول الأوراق الجديدة الصادرة عن البنك المركزي في عدن داخل مناطق سيطرة سلطات صنعاء، ونتج عن ذلك منطقتان نقديتان عملياً، الأولى أوراق قديمة في الشمال، والثانية أوراق جديدة في الجنوب والشرق، ولكل منهما ديناميكيات عرض وطلب مختلفة.

    ولا يعني ذلك أن الدولار أصبح أغلى في عدن بسبب عامل واحد فقط، إذ تتداخل معه السيولة النقدية والإيرادات الحكومية والتحويلات والتجارة والوضع السياسي، ولكن البنك الدولي يشير إلى أن الريال في عدن استقر بعد تحسن حاد في أغسطس 2025 بدعم إجراءات البنك المركزي وتدفقات خارجية، مع بقاء الوضع هشاً بسبب ضعف الصادرات والتحويلات والمساعدات.

    ما الذي تقوله فجوة السعر عن الاقتصاد؟

    اتساع الفارق بين القنوات المختلفة لشراء الدولار يرفع كلفة الوصول إلى النقد الأجنبي، وقد يدفع جزءاً من الطلب إلى السوق النقدية أو التحويلات غير الرسمية، ولكن الفجوة وحدها لا تكفي للحكم على صحة الاقتصاد أو توقع اتجاه العملة في الأسبوع التالي.

    في مصر، يبقى الاختبار مرتبطاً بتدفقات الدولار وقدرة البنوك على تغطية الطلب، وفي ليبيا، تظل الفجوة بين السعر الرسمي والنقدي مؤشراً على مدى توافر العملة الأجنبية وفاعلية قنواتها الرسمية، أما اليمن، فالسؤال يتجاوز سعر الصرف إلى استمرار الانقسام بين منطقتين نقديتين ومؤسستين تديران السياسة المالية والنقدية.

    إذا، الدولار واحد، لكن كلفة الحصول عليه تتغير بحسب السوق والقواعد والسيولة، وكلما اتسعت المسافة بين السعر المعلن والسعر الذي يدفعه المستورد أو المواطن فعلياً، زادت احتمالات انتقال هذه الكلفة إلى الأسعار اليومية.