تحولت مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية على الساحل الشمالي للمغرب إلى بؤرة أزمة هجرة غير مسبوقة، بعدما حاول عشرات الآلاف الوصول إليها عبر البحر أو بتسلق السياج الحدودي، ما دفع السلطات الإسبانية إلى نشر تعزيزات عسكرية وأمنية وبدء إجراءات إعادة عدد من الوافدين إلى المغرب.
وفي هذا السياق، قال الدكتور أحمد عناني، خبير العلاقات الدولية، إن موجة الهجرة إلي سبتة تمثل تطورًا استثنائيًا، ليس فقط بسبب ضخامة الأعداد التي حاولت العبور خلال فترة زمنية قصيرة، وإنما أيضًا نتيجة تنوع الفئات المشاركة والظروف الإنسانية والأمنية والسياسية التي أحاطت بالأزمة.
الهجرة إلى سبتة.. عائلات وأطفال يخاطرون بحياتهم
وأوضح أن محاولات العبور لم تقتصر على الشباب الباحثين عن العمل، بل شملت أطفالًا وقاصرين وفتيات وأمهات يحملن رضعًا وشيوخًا وعائلات كاملة، خاطر أفرادها بحياتهم للوصول إلى الأراضي الأوروبية عبر البر والبحر.
وأضاف أن بعض المهاجرين استخدموا أطوافًا مطاطية بدائية، بينما حاول آخرون تسلق السياج الحدودي أو الالتفاف حوله سباحة، مشيرًا إلى أن الأرقام الواردة في المادة المتداولة تحدثت عن عبور نحو 60 ألف مهاجر خلال 24 ساعة، وفق تصريحات منسوبة إلى حاكم سبتة.
وأكد عناني أن أخطر ما تكشفه الأزمة هو مشاركة عائلات وأطفال صغار في محاولات العبور، بما يعكس عمق الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت بعض الأسر إلى المخاطرة بأطفالها من أجل الوصول إلى أوروبا.
وأظهرت المقاطع المتداولة آباء وأمهات يصطحبون أطفالًا لا تتجاوز أعمار بعضهم عدة أشهر، إلى جانب مراهقين تحركوا نحو معبر "تراخال" سيرًا على الأقدام أو باستخدام الدراجات والسيارات.
ووصل بعض المهاجرين إلى مراكز الإيواء داخل سبتة، بينما عاد آخرون إلى المغرب بعد تجارب قاسية تضمنت السير لمسافات طويلة وسط الجبال، والتدافع، وقضاء ساعات طويلة دون نوم أو مأوى.
وكشفت شهادات بعض العائدين عن حالة ارتباك واسعة، بعدما اعتقد كثيرون أن باب سبتة مفتوح وأن بإمكانهم دخول المدينة، ما دفع أعدادًا متزايدة إلى التحرك نحو الحدود دون معرفة دقيقة بالإجراءات الأمنية أو القانونية التي تنتظرهم.
اقرأ أيضاً: مشروع الربط الكهربائي بين المغرب وفرنسا.. الأبعاد والفرص
استنفار أمني على جانبي الحدود
أدت موجة الهجرة إلى حالة من الاستنفار الأمني في سبتة والمناطق المغربية القريبة منها، إذ دفعت إسبانيا بقوات عسكرية وأمنية إضافية للسيطرة على الوضع ومنع استمرار التدفقات.
وفي المقابل، حاولت قوات الأمن المغربية منع أعداد كبيرة من الشباب من التقدم نحو المعابر، وشهدت بعض المناطق الحدودية اشتباكات وتدافعًا، مع استخدام شاحنات مزودة بمدافع المياه لتفريق التجمعات.
من جهته، يرى عناني أن التعامل الأمني قد ينجح في احتواء التدفقات بصورة مؤقتة، لكنه لا يعالج الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع آلاف الأشخاص إلى المخاطرة بحياتهم، كما أنّه لا يوقف نشاط شبكات التهريب أو انتشار الشائعات عبر منصات التواصل الاجتماعي.
هل تهدد أزمة سبتة اتفاقية "شنغن"؟
تحولت أزمة الهجرة إلى سبتة إلى ساحة للتجاذب السياسي داخل إسبانيا، بعدما وصف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز التدفق الجماعي للمهاجرين بأنه "هجوم" وانتهاك لوحدة الأراضي الإسبانية.
وأعلن سانشيز تعبئة الموارد اللازمة، بالتنسيق مع المغرب والجهات الدولية، لإعادة الأوضاع إلى طبيعتها، في خطاب يعكس تعامل مدريد مع سبتة باعتبارها جزءًا من أراضيها وحدود الاتحاد الأوروبي الخارجية.
كما حملت التصريحات الإسبانية رسالة إلى المغرب بضرورة تشديد الرقابة على الحدود، وأخرى إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي لتقديم دعم أمني ومالي أكبر للدول الواقعة على الحدود الخارجية للتكتل.
واستغل حزب فوكس اليميني المتشدد الأزمة لمهاجمة حكومة سانشيز، متهمًا إياها بعدم توفير الحماية الكافية للحدود، ووصف زعيمه سانتياجو أباسكال موجة العبور بأنها "غزو"، في خطاب يعكس استخدام ملف الهجرة أداة للتعبئة السياسية والانتخابية لدى أحزاب اليمين الأوروبي.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى إيطاليا، بعدما وصفت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني الصور القادمة من سبتة بأنها صادمة، واعتبرت الهجرة غير القانونية تهديدًا لأمن الحدود الأوروبية. وتحدثت ميلوني عن إمكان اتخاذ تدابير استثنائية، من بينها تعليق اتفاقية "شنجن" مع إسبانيا، ما أدى إلى توتر دبلوماسي واستدعاء مدريد السفير الإيطالي.
وأكد عناني أن الحديث عن تعليق شنجن يحمل تداعيات سياسية واقتصادية كبيرة؛ لأنه يمس حرية حركة المواطنين والبضائع، وقد يؤثر في التجارة والسياحة والنقل داخل أوروبا.
5 عوامل تقود الهجرة إلى سبتة
قال عناني إن أسباب انفجار موجة الهجرة إلى سبتة لا يمكن اختزالها في عامل واحد، فهي ترتبط بتفاعل عوامل قانونية وإعلامية وموسمية واقتصادية وسياسية.
حكم قضائي استغلته شبكات التهريب
تتعلق الفرضية الأولى بحكم قضائي إسباني حديث، قالت وزارة الداخلية الإسبانية إن شبكات التهريب استغلته للترويج لفكرة أن المهاجرين الذين يتم توقيفهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة أو مليلية لا يمكن إعادتهم إلى المغرب بصورة فورية.
وروجت الشبكات لفكرة أن الهجرة إلى سبتة سباحة تزيد فرص بقاء المهاجر داخل إسبانيا، مستندة إلى قضية مهاجر جزائري طعن في قرار إعادته بعد اعتراضه عام 2024 خلال محاولة للعبور سباحة.
لكن عناني أكد أن منع الإعادة الفورية لا يعني ضمان البقاء داخل إسبانيا، لافتًا إلى إعلان مدريد تفعيل إجراءات إعادة المهاجرين، والاتفاق مع الرباط على تعزيز التنسيق لإعادة من دخلوا بصورة غير قانونية.
اقرأ أيضًا: تأثير أزمة الشرق الأوسط على اقتصاد المغرب وأسعار الطاقة
شائعة فتح باب سبتة تُعّقد المشهد
ترتبط الفرضية الثانية بانتشار شائعة عبر منصات التواصل الاجتماعي تفيد بأن معبر سبتة فُتح بالكامل، وأن الدخول إلى المدينة أصبح متاحًا. وتتوافق هذه الفرضية مع شهادات بعض المشاركين الذين أكدوا تحركهم بعد سماع أن "الباب مفتوح" ما يبرز خطورة المعلومات المضللة في دفع الأفراد إلى اتخاذ قرارات مصيرية دون التحقق منها.
وتعليقًا على هذه الفرضية، أشار عناني إلى أن منصات التواصل أصبحت عنصرًا أساسيًا في الهجرة غير النظامية، سواء من خلال نشر الشائعات، أو الترويج لمسارات العبور، أو تسهيل التواصل بين المهاجرين وشبكات التهريب.
العامل الموسمي
يرتبط العامل الثالث بموسم الصيف، الذي يشهد عادة زيادة محاولات العبور بسبب تحسن الطقس وهدوء البحر نسبيًا، إلا أن حجم الأعداد هذه المرة جعل العامل الموسمي غير كافٍ لتفسير الأزمة.
وأعادت الأحداث إلى الأذهان موجة عام 2021، عندما دخل نحو 10 آلاف مهاجر إلى سبتة خلال أزمة دبلوماسية بين المغرب وإسبانيا، ما يعزز احتمال تداخل العوامل الموسمية مع التوترات السياسية.

قد يهمّك أيضًا: المغرب بين أكبر 10 أساطيل تجارية في أفريقيا
سوء الأوضاع الاقتصادية في المغرب
وتعد الأوضاع الاقتصادية من أهم دوافع الهجرة إلى سبتة، خاصة في مناطق الفنيدق وبني أنصار والناظور، التي كانت تعتمد على الاقتصاد الحدودي والتجارة المرتبطة بالمعابر والتهريب المعيشي.
وأدى إغلاق المعابر وتشديد الرقابة إلى تراجع مصادر الدخل وارتفاع البطالة، ما زاد شعور الشباب بانسداد فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة.
وأكد عناني أن الأزمة الاقتصادية خلقت بيئة قابلة للانفجار، بحيث تصبح أي شائعة عن فتح الحدود كافية لدفع أعداد كبيرة إلى التحرك، لكنها أيضًا لا تفسر وحدها الحجم المفاجئ للموجة الأخيرة.
الملف الأمني كأداة للمناورة الجيوسياسية
ويرى عناني أن الأزمة ترتبط أيضًا بطبيعة العلاقات المغربية الإسبانية، واستخدام ملف الهجرة أحيانًا ورقة ضغط متبادلة؛ فإسبانيا تحتاج إلى التعاون المغربي لمنع الهجرة غير النظامية، بينما يستفيد المغرب من موقعه ودوره في حماية الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي للحصول على دعم اقتصادي وسياسي.
كما تدخل الهجرة ضمن علاقة البلدين بالاتحاد الأوروبي، الذي يقدم تمويلًا وبرامج دعم للدول الواقعة على طرق الهجرة مقابل تعزيز الرقابة على الحدود.
هذا التداخل يجعل القضية أكثر تعقيدًا، إذ تجمع بين حق الدول في حماية حدودها، وحقوق المهاجرين، والمصالح السياسية والاقتصادية والأمنية للدول المعنية.
اقرأ أيضاً: 8 مليارات درهم لخفض كربون الصناعات الغذائية 24%
الحل يبدأ بالتنمية وليس الأمن وحده
أكد عناني أن التنسيق المغربي الإسباني قد ينجح في احتواء الموجة الحالية، لكنه لن يمنع تكرارها دون معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المناطق الحدودية.
وأوضح أن الحلول الأمنية وحدها قد تدفع المهاجرين إلى استخدام طرق أكثر خطورة بدلًا من إنهاء الظاهرة، ما يتطلب خططًا تنموية توفر فرص عمل وتدعم المشروعات الصغيرة وتطور الصناعة والسياحة والخدمات والاقتصاد الرقمي.
كما يجب تحسين التعليم والتدريب المهني، وربط مهارات الشباب باحتياجات سوق العمل، وإتاحة التمويل للمشروعات المنتجة، للحد من التفاوت بين المدن الكبرى والمناطق الطرفية.
واختتم عناني تصريحاته بالتأكيد أن أزمة الهجرة إلى سبتة ليست مجرد حادث حدودي يمكن إنهاؤه بنشر القوات أو إعادة المهاجرين، وإنما انعكاس لاختلالات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة.
وشدد على ضرورة مواجهة شبكات التهريب والشائعات الرقمية، وتوضيح القواعد القانونية، وفتح مسارات منظمة للهجرة والعمل، بالتوازي مع تعاون مغربي إسباني وأوروبي يركز على التنمية وتوفير فرص العمل، بدلًا من الاكتفاء بتمويل الرقابة الأمنية وحماية الحدود.
