تقارير خاصة

    المغرب.. 8 مليارات درهم لخفض كربون الصناعات الغذائية 24%

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •6 دقائق
    المنتدى الوطني الأول لخفض كربون الصناعات الغذائية، والذي عقد يوم الإثنين، 29 يونيو 2026، في الرباط، المغرب.
    المنتدى الوطني الأول لإزالة الكربون من الصناعات الغذائية، والذي عقد يوم الإثنين، 29 يونيو 2026، في الرباط، المغرب.

    شهد المغرب تنظيم المنتدى الوطني الأول لخفض كربون الصناعات الغذائية، في محطة مهمة لمواكبة التحول الأخضر داخل أحد أكبر القطاعات الصناعية في المملكة، وسط توجه واضح لربط التنافسية الصناعية بخفض الانبعاثات، وتعزيز قدرة المنتجات المغربية على النفاذ إلى الأسواق الخارجية، خاصة في ظل تشديد المتطلبات البيئية ومعايير الاستدامة في التجارة الدولية.

    وتتجه الصناعات الغذائية المغربية إلى ضخ استثمارات تُقدر بنحو 8 مليارات درهم، بما يعادل نحو 870 مليون دولار، خلال الفترة من عام 2027 وحتى 2040، ضمن خارطة طريق تستهدف خفض الانبعاثات الكربونية للقطاع بنسبة 24% بحلول عام 2040، مقارنة بالسيناريو المرجعي.

    وشكّل المنتدى مناسبة لعرض خارطة الطريق القطاعية الخاصة بإزالة الكربون من قطاع الصناعات الغذائية، والتي تم إعدادها بالشراكة مع الفيدرالية الوطنية للصناعات الغذائية، وبالتعاون مع الاتحاد العام لمقاولات المغرب، وهو التكتل الممثل للقطاع الخاص في المملكة، وذلك بهدف تحديد الحلول والآليات الكفيلة بتقليص البصمة الكربونية لهذا القطاع الحيوي.

    الصناعات الغذائية في المغرب

    وتُعد الصناعات الغذائية أكبر قطاع صناعي في المغرب من حيث حجم الإيرادات، إذ تحقق رقم معاملات يصل سنويًا إلى نحو 191 مليار درهم، بما يعادل 20.8 مليار دولار، وتمثل نحو 22% من إجمالي الناتج الصناعي. كما يلعب القطاع دورًا رئيسًا في تعزيز السيادة الغذائية، من خلال تغطية نحو 77% من احتياجات السوق المحلية من المنتجات الغذائية.

    ويمتد حضور الصناعات الغذائية المغربية إلى الأسواق الخارجية، حيث تصدر منتجاتها إلى أكثر من 153 دولة، وتحقق إيرادات تصديرية تناهز 43 مليار درهم، بما يعادل نحو 4.7 مليار دولار.

    ويضم القطاع نحو 2600 شركة، تعتمد 80% من استثماراتها على رؤوس أموال مغربية، ويوفر حوالي 212 ألف فرصة عمل مباشرة، بما يمثل نحو 21% من إجمالي العمالة الصناعية في المملكة، وهذه المؤشرات تجعل مسار إزالة الكربون قضية اقتصادية وصناعية شديدة الأهمية، وليست مجرد ملف بيئي محدود التأثير.

    اقرأ أيضًا: كيف تحول المغرب إلى معمل عالمي لصيد النيازك؟

    محاور عملية خفض كربون الصناعات الغذائية

    وترتكز خارطة الطريق على مجموعة من المحاور العملية، في مقدمتها تحسين النجاعة الطاقية داخل وحدات الإنتاج، وتطوير استخدام الطاقات المتجددة، وتشجيع الاقتصاد الدائري، وتثمين النفايات، والانتقال إلى مصادر طاقة أقل انبعاثًا، إلى جانب اعتماد ممارسات زراعية أكثر استدامة، وتقليل استخدام المدخلات كثيفة الانبعاثات، وتحسين إدارة سلاسل التبريد.

    وأشارت الدراسة إلى أن خفض كربون الصناعات الغذائية لا تعني فقط تقليل استهلاك الطاقة داخل المصانع، بل تشمل مختلف مراحل سلسلة الإنتاج، بدءًا من النشاط الفلاحي، مرورًا بعمليات التصنيع والتبريد والنقل، وصولًا إلى تدبير النفايات. وهذا يعني أن خفض الانبعاثات يتطلب مقاربة شاملة تتعامل مع القطاع باعتباره منظومة مترابطة، وليس مجرد وحدات صناعية منفصلة.

    الجدوى الاقتصادية والبيئية لتقليص البصمة الكربونية للقطاع

    وبحسب الدراسة، لا ينبغي النظر إلى خفض كربون الصناعات الغذائية باعتبارها عبئًا تنظيميًا أو خيارًا طوعيًا فقط، بل يجب التعامل معها كرافعة لدعم التنافسية الاقتصادية، وتحديث الصناعة، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، وتسهيل الولوج إلى الأسواق العالمية، خاصة في ظل التحول المتسارع نحو اشتراطات بيئية أكثر صرامة في التجارة الدولية.

    وتقدر الدراسة إجمالي الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالصناعات الغذائية في المغرب بنحو 28 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، منها نحو 4 ملايين طن من الانبعاثات المباشرة. ويمثل النشاط الفلاحي في المراحل الأولى من سلسلة الإنتاج نحو 75% من إجمالي الانبعاثات، فيما يشكل استهلاك الطاقة وسلسلة التبريد نحو 14% من هذه الانبعاثات.

    كما أوضحت الدراسة أن ثلاثة فروع إنتاجية فقط، هي اللحوم الحمراء والدواجن ومنتجات الجبن، تستحوذ على نحو 65% من إجمالي الانبعاثات داخل القطاع، ما يجعلها من أكثر المجالات احتياجًا إلى حلول عملية لخفض البصمة الكربونية، سواء عبر تحسين طرق الإنتاج، أو تطوير كفاءة الطاقة، أو إعادة النظر في إدارة سلاسل الإمداد والتبريد.

    اقرأ أيضًا: تأثير أزمة الشرق الأوسط على اقتصاد المغرب وأسعار الطاقة

    الاستدامة كضرورة استراتيجية لتعزيز الصادرات المغربية

    ومن جهته، قال الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، إن التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون داخل قطاع الصناعات الغذائية أصبح ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار بيئي أو توجه مؤقت، موضحًا أن هذا التحول يحقق توازنًا حيويًا بين تأمين الغذاء من ناحية، وحماية البيئة والحد من الانبعاثات الضارة من ناحية أخرى.

    وأضاف الشوربجي أن أهمية هذا التحول بالنسبة للمغرب تتجاوز البعد المناخي، لأنها ترتبط مباشرة بالحفاظ على القدرة التنافسية للصادرات الغذائية، خاصة في الأسواق التي أصبحت تربط دخول المنتجات بمدى التزامها بمعايير الاستدامة وخفض البصمة الكربونية.

    وأوضح أن قطاع الصناعات الغذائية يرتبط بالانبعاثات الكربونية عبر مراحل متعددة، تشمل الإنتاج الزراعي، والتصنيع، والنقل، والتبريد، والتعبئة والتغليف، وإدارة المخلفات، وهو ما يجعل تبني ممارسات مستدامة ضرورة لضمان استدامة سلاسل الإمداد الغذائي، وحماية الشركات من أي تكاليف تنظيمية أو ضريبية مستقبلية.

    تطبيقات الاقتصاد منخفض الكربون في الصناعات الغذائية

    وأشار إلى أن تقليل الهدر والنفايات يمثل أحد أهم مداخل خفض الانبعاثات داخل هذا القطاع، وذلك من خلال تدوير المخلفات الغذائية وتحويل بقايا الأطعمة والمخلفات العضوية إلى أسمدة عضوية أو طاقة حيوية، بدلًا من التخلص منها في المكبات، بما يقلل من انبعاثات غاز الميثان ويحوّل النفايات إلى مورد اقتصادي قابل للاستفادة.

    وأكد الشوربجي أن كفاءة الطاقة داخل عمليات التصنيع تمثل محورًا رئيسًا في بناء اقتصاد غذائي منخفض الكربون، لافتًا إلى أن تشغيل المصانع ومحطات التعبئة باستخدام مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، يساعد في خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتقليل الانبعاثات، وتحسين القدرة التنافسية للشركات على المدى الطويل.

    ولفت إلى أن تقنيات التبريد المستدامة أصبحت عنصرًا بالغ الأهمية في الصناعات الغذائية، خاصة أن سلاسل التبريد والتجميد تستهلك كميات كبيرة من الطاقة. وأوضح أن استخدام أنظمة تبريد ذكية وموفرة للطاقة يسهم في تقليل الانبعاثات الناتجة عن حفظ ونقل المنتجات الغذائية، ويحافظ في الوقت نفسه على جودة المنتج وسلامته حتى يصل إلى المستهلك النهائي.

    وأضاف أن بناء سلاسل إمداد خضراء يمثل أحد أهم تطبيقات الاقتصاد منخفض الكربون، سواء من خلال الاعتماد على وسائل نقل كهربائية أو هجينة، أو استخدام مواد تعبئة وتغليف قابلة للتحلل أو إعادة التدوير، بما يحد من النفايات البلاستيكية ويخفض البصمة الكربونية للمنتج النهائي.

    وأشار الشوربجي إلى أن الزراعة الذكية مناخيًا تمثل القاعدة الأولى للصناعات الغذائية منخفضة الكربون، لأن الانبعاثات لا تبدأ من المصنع فقط، بل من الحقل أيضًا، مؤكدًا أن ترشيد استخدام الموارد من خلال أنظمة ري حديثة، وأسمدة صديقة للبيئة، وممارسات زراعية أكثر كفاءة، يساعد في تقليل الانبعاثات الناتجة عن التربة، ويحسن إنتاجية القطاع الزراعي دون استنزاف الموارد الطبيعية.

    وشدد على أن دعم الإنتاج المحلي يمثل أحد المسارات المهمة لتقليل الانبعاثات، إذ يؤدي تقليل المسافات التي تقطعها الأغذية من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك، أو ما يُعرف بـ"أميال الغذاء"، إلى خفض استهلاك وقود الشحن، وتقليل كلفة النقل، وتعزيز الأمن الغذائي المحلي.

    تفادي الضرائب الكربونية والمزايا التنافسية للشركات

    وأكد الخبير الاقتصادي أن الشركات التي تبدأ مبكرًا في خفض انبعاثاتها ستكون في وضع أفضل لمواجهة أي ضرائب كربونية مستقبلية قد تفرضها الدول على المصانع الملوثة أو المنتجات ذات الانبعاثات المرتفعة. واعتبر أن التحرك المبكر لا يحمي الشركات فقط من الأعباء التنظيمية والضريبية المقبلة، بل يمنحها ميزة تنافسية في التصدير وجذب التمويل والاستثمار.

    واختتم الدكتور محمد الشوربجي تصريحاته بالتأكيد على أن الاقتصاد منخفض الكربون في قطاع الصناعات الغذائية يمثل تحولًا شاملًا في طريقة الإنتاج، وإدارة الطاقة، والتعامل مع النفايات، وتنظيم النقل، واختيار مواد التعبئة، وتطوير الزراعة.

    وأوضح أن الدول والشركات التي ستتعامل مع هذا التحول بجدية ستكون الأقدر على حماية أمنها الغذائي، وتعزيز تنافسيتها ومواكبة الاشتراطات البيئية العالمية، بينما ستجد الشركات المتأخرة نفسها أمام تكاليف أعلى وفرص أقل في الأسواق المستقبلية.

    اقرأ أيضًا: الاستثمارات الأجنبية في السعودية تقفز إلى 20 مليار ريال