ارتفع متوسط مشتريات البنوك المركزية من الذهب إلى نحو 85 طنًا شهريًا، مقابل 17 طنًا قبل عام 2022، بزيادة تعادل خمسة أضعاف، فيما كشفت تقديرات بنك جولدمان ساكس عن فجوة تبلغ 40 طنا بين المشتريات المعلنة رسميا والحجم المقدر للشراء خلال أغسطس. وتزامنت زيادة المشتريات مع تحركات لإعادة توزيع احتياطيات الذهب خارج الولايات المتحدة الأمريكية، وسط ارتفاع أسعار المعدن النفيس عالميًا بنسبة 4.90% خلال الأسبوع الأول من نوفمبر 2026.
وبلغت مشتريات البنوك المركزية والمؤسسات الرسمية خلال الربع الثالث من عام 2026 نحو 321.2 طن، بزيادة 42% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما وصل إجمالي المشتريات منذ بداية العام إلى 675 طنًا، بارتفاع 6% على أساس سنوي.
وتعتمد البنوك المركزية على الذهب لتنويع احتياطياتها وتقليل التعرض لمخاطر تقلبات العملات والأصول المالية، بينما يسهم استمرار مشترياتها في دعم الطلب على المعدن النفيس، دون أن يمنع حدوث تراجعات قصيرة الأجل نتيجة تحركات الدولار وعوائد السندات والسياسة النقدية الأمريكية.
جولدمان ساكس يرصد فجوة 40 طنًا في مشتريات البنوك المركزية من الذهب
وبلغت مشتريات البنوك المركزية المعلنة خلال أغسطس نحو 39 طنا، بينما قدر بنك جولدمان ساكس إجمالي المشتريات بنحو 79 طنا، بفارق يصل إلى 40 طنًا بين الرقمين.
وتشير هذه الفجوة إلى احتمال وجود مشتريات لم تظهر بالكامل في البيانات الرسمية، سواء بسبب اختلاف مواعيد الإفصاح أو آليات تسجيل العمليات أو منهجيات التقدير التي تستخدمها المؤسسات المالية.
ولا يمثل الفارق دليلا قاطعًا على تعمد إخفاء المشتريات، لكنه يجعل تحديد الحجم الفعلي للطلب المؤسسي أكثر صعوبة، خاصة أن عمليات شراء البنوك المركزية تؤثر في تقديرات العرض والطلب واتجاهات الأسعار العالمية.
وتختلف مشتريات البنوك المركزية عن التعاملات الاستثمارية قصيرة الأجل، إذ ترتبط عادة باستراتيجيات إدارة الاحتياطيات وتنويع الأصول، بينما تتأثر المضاربات بتحركات الأسواق وتوقعات الفائدة والدولار.
بنوك مركزية تعيد توزيع احتياطيات الذهب خارج أمريكا
بالتزامن مع ارتفاع المشتريات، تتجه بعض البنوك المركزية إلى مراجعة مواقع تخزين احتياطياتها الذهبية، بما يشمل نقل جزء منها إلى مواقع خارج الولايات المتحدة الأمريكية.
وتبرز هولندا وفرنسا ضمن الدول المرتبطة بعمليات إعادة توزيع الاحتياطيات، في إطار مراجعة ترتيبات الحفظ وإدارة الأصول النقدية.
وأظهر استطلاع جولدمان ساكس أن 18% من البنوك المركزية المشاركة لم تفصح عن خططها المتعلقة بمواقع تخزين الذهب خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة.
وتختلف عمليات نقل الاحتياطيات عن المشتريات الجديدة؛ إذ إن نقل السبائك بين الدول لا يزيد إجمالي حيازات البنك المركزي، وإنما يغير موقع الاحتفاظ بها.
وقد ترتبط قرارات النقل باعتبارات السيطرة المباشرة على الأصول، وإدارة مخاطر الحفظ الخارجي، وتكاليف التخزين، وإمكانية الوصول إلى الاحتياطيات عند الحاجة.
ولا يعني عدم الإفصاح عن مواقع التخزين وجود قرارات مؤكدة بنقل الذهب، لكنه يحد من المعلومات المتاحة بشأن التوزيع الجغرافي للاحتياطيات.
أسعار الذهب العالمية ترتفع 190 دولارًا خلال أسبوع
وسجلت أسعار الذهب العالمية مكاسب بنسبة 4.90% خلال الفترة من 31 أكتوبر إلى 7 نوفمبر 2026، بعدما ارتفعت الأوقية من 3875.97 دولار إلى 4065.99 دولار، بزيادة بلغت 190.02 دولار.
ووصلت الأوقية إلى 4060.27 دولار في 4 نوفمبر، قبل أن تسجل أعلى مستوياتها خلال الأسبوع عند 4089.37 دولار في اليوم التالي، ثم تتراجع بنحو 23.38 دولار عن هذه الذروة.
وخلال تداولات الجمعة، انخفض الذهب بنحو 0.3%، بعدما سجل مستوى منخفضًا قرب 4035 دولارًا، بالتزامن مع تعافي الدولار الأمريكي وتغير توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية.
وجاء الأداء الأسبوعي مدعومًا باستمرار الطلب المؤسسي والمخاطر الجيوسياسية، بينما حد ارتفاع الدولار وعوائد السندات من احتفاظ الذهب بكامل مكاسبه.
سعيد إمبابي: مشتريات البنوك المركزية تدعم أسعار الذهب
وقال سعيد إمبابي، خبير أسواق الذهب، إن استمرار مشتريات البنوك المركزية يمثل أحد أهم عوامل الدعم طويل الأجل للمعدن النفيس، خاصة مع وصول مشترياتها إلى نحو 321 طنًا خلال الربع الثالث من العام.
وأوضح أن الذهب حقق مكاسب أسبوعية تقارب 190 دولارًا للأوقية، لكنه تراجع عن أعلى مستوياته نتيجة الضغوط المرتبطة بالأسواق المالية وتوقعات السياسة النقدية الأمريكية.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة واستمرار مخاوف التضخم، إلى جانب احتمالات رفع الفائدة الأمريكية، قد يحد من مكاسب الذهب خلال الفترة المقبلة.
ووفقًا إمبابي، توفر مشتريات البنوك المركزية دعمًا للطلب طويل الأجل، بينما يمكن لتحركات الدولار وعوائد السندات والتدفقات الاستثمارية أن تغير اتجاه الأسعار خلال فترات قصيرة.
توقعات الفائدة الأمريكية والدولار تضغط على الذهب
وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة ضمن نطاق يتراوح بين 3.75% و4.00% خلال اجتماع أكتوبر، بينما أشارت توقعات سوقية إلى احتمال رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماع ديسمبر.
واقترب احتمال الزيادة من 80% خلال بعض جلسات الأسبوع، قبل أن تتغير التقديرات عقب صدور بيانات اقتصادية جديدة.
ويؤدي ارتفاع الفائدة إلى زيادة جاذبية السندات وأدوات الدين مقارنة بالذهب، الذي لا يدر عائدًا دوريًا، كما قد يدعم الدولار الأمريكي، ما يزيد تكلفة شراء المعدن بالنسبة إلى المستثمرين من حائزي العملات الأخرى.
وفي المقابل، يمكن أن يؤدي تراجع توقعات التشديد النقدي وانخفاض عوائد السندات والدولار إلى زيادة الطلب الاستثماري على الذهب.
وتظل بيانات التضخم والوظائف والنشاط الاقتصادي الأمريكي من المؤشرات الرئيسية التي تحدد توقعات المستثمرين بشأن قرارات الاحتياطي الفيدرالي.
الحرب مع إيران وارتفاع النفط يعقدان حركة الذهب
كما تؤثر الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في أسواق الذهب عبر زيادة المخاطر الجيوسياسية واضطراب أسواق الطاقة، وما يرتبط بذلك من تغيرات في توقعات التضخم والسياسة النقدية.
وتزامنت التوترات مع ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، ما زاد المخاوف من ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل وأسعار السلع.
وقد يدفع استمرار التضخم الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يزيد جاذبية الأصول المدرة للعائد مقارنة بالذهب.
وفي المقابل، قد تؤدي المخاطر الجيوسياسية والتضخم إلى زيادة الطلب على المعدن النفيس للتحوط من تقلبات الأسواق وتراجع القوة الشرائية.
ويتحدد اتجاه الذهب وفقًا للتوازن بين الطلب على الملاذات الآمنة وتأثير ارتفاع أسعار الطاقة في الدولار وعوائد السندات وتوقعات الفائدة.
هل تؤثر مشتريات الذهب في مكانة الدولار عالميا؟
وتساهم مشتريات البنوك المركزية في زيادة حصة الذهب ضمن الاحتياطيات الدولية، بما يساعد على تنويع الأصول وتقليل الاعتماد النسبي على العملات الأجنبية والسندات الحكومية.
ويتميز الذهب بأنه أصل لا يمثل التزاما ماليا على جهة إصدار، بخلاف السندات والودائع، ما يقلل تعرض حائزه لمخاطر الطرف المقابل.
لكن ارتفاع حيازات الذهب لا يعني بالضرورة تراجع مكانة الدولار الأمريكي، إذ تتحدد مكانته بحصته في الاحتياطيات الدولية، واستخدامه في التجارة والتسويات المالية، وحجم أسواق الدين المقومة به.
كذلك فإن نقل الذهب بين مواقع التخزين لا يؤثر تلقائيا في استخدام الدولار، لأنه لا يغير حجم الاحتياطيات أو العملات المستخدمة في المعاملات الدولية.
توقعات أسعار الذهب العالمية
يرتبط اتجاه الذهب خلال الفترة المقبلة باستمرار مشتريات البنوك المركزية، وقرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وتطورات التوترات الجيوسياسية وأسعار الطاقة.
وقد يدعم الطلب المؤسسي الأسعار على المدى الطويل، بينما تحد توقعات رفع الفائدة وارتفاع الدولار وعوائد السندات من المكاسب قصيرة الأجل.
وفي المقابل، قد يستفيد المعدن النفيس من تراجع احتمالات التشديد النقدي أو زيادة الطلب على التحوط من المخاطر الاقتصادية.
ويترقب المستثمرون اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في ديسمبر وبيانات التضخم والوظائف الأمريكية لتقييم اتجاه السياسة النقدية.
اقرأ أيضًا: الوظائف الأمريكية تضغط على الذهب وتدعم الدولار
