الأسواق العالمية

    بيانات الوظائف الأمريكية تضغط على الذهب وتدعم الدولار

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •5 دقائق
    الوظائف الأمريكية

    تواجه أسعار الذهب العالمية ضغوطا متزايدة بفعل ارتفاع الدولار الأمريكي وعوائد سندات الخزانة، عقب صدور بيانات الوظائف الأمريكية التي أظهرت أداء قويا لسوق العمل في الولايات المتحدة، ما عزز التوقعات باستمرار تشديد السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، وألقى بظلاله على جاذبية المعدن الأصفر باعتباره ملاذا آمنا.

    وقال الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، إن الأسواق الأمريكية شهدت تراجعات حادة خلال جلسة التداول السابقة، امتدت آثارها إلى البورصات الأوروبية والآسيوية، قبل ظهور ارتداد صعودي محدود في بعض المؤشرات الأمريكية، من بينها ناسداك وستاندرد آند بورز 500.

    وأوضح سلامة، أن هذا التحسن النسبي جاء نتيجة اتجاه بعض المستثمرين إلى استغلال الانخفاضات الكبيرة في أسعار الأسهم باعتبارها فرصا للشراء، إلا أن الضغوط البيعية لا تزال مستمرة على عدد من الشركات والقطاعات الرئيسية.

    مخاوف القيود على الذكاء الاصطناعي تضغط على الأسهم

    وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن التراجعات الأخيرة ارتبطت بمخاوف المستثمرين من السياسات التي قد يتبناها الديمقراطيون خلال المرحلة المقبلة، خاصة احتمالات تشديد القيود التنظيمية على قطاع الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وتأثير ذلك في خطط التوسع والاستثمارات المرتبطة بالبنية التحتية التكنولوجية.

    وأضاف أن هذه المخاوف انعكست على تقييمات شركات التكنولوجيا، في ظل احتمالات تباطؤ المشروعات الجديدة أو ارتفاع تكاليف تنفيذها، وهو ما يزيد حالة عدم اليقين في الأسواق المالية.

    وأكد أن تأثير هذه التطورات يمتد إلى أسواق السندات والعملات والمعادن النفيسة، بالتزامن مع صدور مؤشرات اقتصادية أمريكية تعيد تشكيل توقعات المستثمرين بشأن قرارات الاحتياطي الفيدرالي.

    الوظائف الأمريكية تتخطى التوقعات

    وكشف سلامة أن بيانات الوظائف غير الزراعية الأمريكية لشهر أكتوبر أظهرت إضافة نحو 165 ألف وظيفة جديدة، مقابل توقعات بلغت 59 ألف وظيفة، إلى جانب تعديل أرقام التوظيف لشهري أغسطس وسبتمبر بالزيادة، ما يشير إلى أداء أقوى لسوق العمل مقارنة بالتقديرات الأولية.

    وأوضح أن متوسط الوظائف المضافة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة بلغ نحو 137 ألف وظيفة شهريًا، متجاوزًا الاحتياجات التقديرية للاقتصاد الأمريكي لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، والتي يقدرها بعض الاقتصاديين بنحو 50 ألف وظيفة شهريًا.

    ولفت إلى أن معدل البطالة البالغ 4.1%، إلى جانب نمو التوظيف وتعديل البيانات السابقة صعودا، يعكس استمرار متانة الاقتصاد الأمريكي، ويحد من المخاوف بشأن حدوث تباطؤ حاد في النشاط الاقتصادي خلال المدى القريب.

    احتمالات رفع الفائدة الأمريكية تصل إلى 75%

    وأكد الخبير الاقتصادي أن قوة بيانات التوظيف قد تدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تبني سياسة نقدية أكثر تشددًا، خاصة إذا استمرت الضغوط التضخمية عند مستويات مرتفعة.

    وأشار إلى أن احتمالات رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع الفيدرالي المقرر يومي 8 و9 ديسمبر بلغت نحو 75%، وفقًا للتقديرات المشار إليها في أداة "CME FedWatch" ، ما يعكس توقعات المستثمرين بإمكانية استمرار التشديد النقدي.

    وأوضح أن ارتفاع هذه الاحتمالات انعكس على أداء الدولار الأمريكي، الذي استفاد من توقعات زيادة العائد على الأصول المقومة بالعملة الأمريكية، في حين تعرض الذهب لضغوط بيعية نتيجة تراجع جاذبيته مقارنة بالأدوات الاستثمارية التي توفر عوائد.

    لماذا تراجع الذهب رغم اضطرابات البورصات؟

    وقال سلامة إن الذهب استفاد في بداية التراجعات الحادة التي شهدتها أسواق الأسهم من توجه بعض المستثمرين إلى الملاذات الآمنة، لكنه فقد جزءا من مكاسبه مع نهاية الجلسة نتيجة عمليات بيع استهدفت توفير السيولة.

    وأوضح أن بعض المستثمرين اضطروا إلى تسييل مراكزهم الرابحة في الذهب لتغطية الخسائر التي تعرضوا لها في أسواق الأسهم، إلى جانب تلبية طلبات تغطية الهامش، التي تستلزم ضخ سيولة إضافية عند انخفاض قيمة الضمانات المرتبطة بالمراكز الاستثمارية.

    وأضاف أن هذه العمليات تفسر تعرض الذهب لموجات بيع خلال فترات اضطراب الأسواق، رغم احتفاظه بمكانته باعتباره أحد الملاذات الآمنة، مشيرا إلى أن صدور بيانات الوظائف القوية زاد الضغوط على المعدن الأصفر مع ارتفاع الدولار وتوقعات الفائدة.

    قوة الدولار وعوائد السندات تحددان اتجاه الذهب

    وأوضح الخبير الاقتصادي أن ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية يزيد جاذبية السندات وأدوات الدين التي توفر عوائد للمستثمرين، مقارنة بالذهب الذي لا يدر عائدا دوريا، ما يرفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن النفيس.

    وأشار إلى أن صعود عوائد سندات الخزانة قد يدفع المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية لصالح الأصول ذات العائد، بينما يؤدي ارتفاع الدولار عادة إلى زيادة تكلفة شراء الذهب بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى، نظرًا إلى تسعيره عالميًا بالعملة الأمريكية.

    وأكد أن استمرار قوة سوق العمل وتزايد توقعات التشديد النقدي من شأنهما دعم الدولار وعوائد السندات، بما يحد من فرص تعافي الذهب خلال الفترة المقبلة.

    هل تؤثر قيود الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الأمريكي؟

    وأشار سلامة إلى أن مستقبل الذهب لا يرتبط بقرارات الفائدة وحدها، وإنما يتأثر أيضًا بقدرة الاقتصاد الأمريكي على الحفاظ على معدلات النمو، خاصة في ظل المخاوف المتعلقة بالقيود المحتملة على الاستثمارات التكنولوجية.

    وأوضح أن أي إجراءات تنظيمية جديدة تستهدف قطاع الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات قد تؤثر في خطط التوسع والإنشاءات المرتبطة به، بما ينعكس على النشاط الاقتصادي إذا أدت إلى إبطاء تنفيذ المشروعات.

    وأضاف أن تباطؤ النمو، إذا صاحبه تراجع في معدلات التوظيف أو الضغوط التضخمية، قد يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن السياسة النقدية، ويحد من قدرة الاحتياطي الفيدرالي على مواصلة رفع الفائدة بالوتيرة المتوقعة.

    ولفت إلى أن تحقق هذا السيناريو قد يخفف الضغوط على الذهب، نتيجة احتمالات تراجع قوة الدولار وعوائد السندات الأمريكية.

    بيانات التضخم الأمريكية تحسم توقعات الفائدة

    وأكد الخبير الاقتصادي أن بيانات التضخم الأمريكية المرتقبة خلال الأسبوع المقبل تمثل الاختبار الأهم للأسواق، نظرًا إلى تأثيرها المباشر في توقعات قرارات الاحتياطي الفيدرالي.

    وأوضح أن استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، بالتزامن مع قوة سوق العمل، قد يمنح الفيدرالي مبررات إضافية لتشديد السياسة النقدية بهدف احتواء الضغوط السعرية.

    في المقابل، أشار إلى أن ظهور مؤشرات على تراجع التضخم بمعدلات تفوق التوقعات قد يسمح بإبطاء وتيرة رفع أسعار الفائدة، وهو ما قد يحد من ارتفاع الدولار ويمنح الذهب فرصة للتعافي.

    وأضاف أن المستثمرين سيعيدون تقييم مراكزهم في أسواق الأسهم والسندات والعملات والمعادن النفيسة وفقًا لما ستكشف عنه البيانات المقبلة بشأن مسار التضخم والسياسة النقدية الأمريكية.

    ما مصير الذهب خلال الفترة المقبلة؟

    واختتم الدكتور عمرو سلامة تصريحاته بالتأكيد على أن الذهب يواجه مرحلة حاسمة تتداخل فيها قوة الاقتصاد الأمريكي مع توقعات الفائدة والتضخم ومستقبل الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا.

    وأوضح أن استمرار نمو الوظائف وارتفاع احتمالات التشديد النقدي، بالتزامن مع صعود الدولار وعوائد السندات، يمثل السيناريو الأكثر ضغطا على أسعار الذهب.

    وأشار إلى أن المفاجأة المحتملة قد تأتي من بيانات التضخم الأمريكية، فإذا أظهرت تراجعا أكبر من المتوقع، فقد تدفع الأسواق إلى خفض تقديراتها بشأن وتيرة رفع الفائدة، بما يخفف الضغوط على المعدن الأصفر.

    وأكد أن اتجاه الذهب سيظل مرهونا بمدى قدرة الاحتياطي الفيدرالي على احتواء التضخم دون إضعاف النمو الاقتصادي، إلى جانب تطورات أسواق الأسهم والاستثمارات التكنولوجية خلال المرحلة المقبلة.

    اقرأ أيضًا: أسعار الغذاء عالميا تتراجع.. لماذا ينخفض القمح ويرتفع السكر؟