اقتصادات عربية

    زيادة أسعار الوقود بمصر: هل ترضي صندوق النقد الدولي؟

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •5 دقائق
    محطة وقود تابعة لشركة مصر للبترول في مصر.

    أقرت الحكومة المصرية زيادة جديدة في أسعار الوقود والمشتقات البترولية بنسب وصلت إلى 15%، في خطوة تأتي في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي الممتد، والذي يستهدف التخفيض التدريجي لدعم الطاقة.

    وتكتسب هذه الزيادة توقيتها الحرج لكونها سبقت بأيام قليلة انعقاد اجتماع المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي لمناقشة المراجعة الثالثة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري -والتي جرى تأجيلها سابقًا-تمهيدًا لصرف الشريحة الثالثة من القرض والمقدرة بـ 820 مليون دولار.

    وفي هذا السياق، أوضح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، أن أسعار المنتجات البترولية والكهرباء ستشهد تعديلات تدريجية متصاعدة حتى ديسمبر 2025؛ مؤكدًا أن الموازنة العامة لم تعد قادرة بمفردها على تحمل الفاتورة المالية المرتفعة لشراء المواد البترولية اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء وإنهاء خطة تخفيف الأحمال.

    الفجوة الهيكلية وقنوات انتقال الصدمة الاقتصادية

    يحلل الدكتور سيد قاسم، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أبعاد القرار مشيرًا إلى أن النفط يمثل حجر الزاوية للتنمية الاقتصادية العالمية، وأن التقلبات الحادة التي شهدتها الأسعار مؤخرًا انعكست بشكل مباشر على القطاعات الإنتاجية وصولاً إلى المستهلك النهائي.

    وأوضح قاسم، في تصريحات خاصة، أن مصر واجهت انقطاعات في الطاقة أثرت على القطاعات الإنتاجية نتيجة وجود فجوة اتسعت بين معدلات الإنتاج المحلي والطلب الفعلي على النفط والغاز، مما أدى لزيادة الاعتماد على الاستيراد، وبالتالي الضغط على أصول الاحتياطي النقدي الأجنبي.

    الضغوط على الموازنة العامة

    وأضاف قاسم أن الموازنة العامة تعيش أحد أصعب أعوامها المالية؛ إذ تتجاذبها طاقتان من الضغوط؛ أوّلها التوترات الجيوسياسية وما تسببت فيه من اضطراب لسلاسل الإمداد والتوريد.

    أما السبب الآخر الذي يضغط على الموازنة فهو سعر خام برنت؛ حيث بنيت تقديرات الموازنة الحالية عند سعر 82 دولارًا للبرميل، وهو مستوى تتداول عنده الأسعار الفعلية حاليًا في الأسواق العالمية، مما يلغي أي مساحة مناورة مالية.

    اقرأ أيضًا: هل ينقذ مؤتمر الاستثمار المصري الأوروبي الاقتصاد المصري؟

    قنوات تأثر القطاع الصناعي والطلب الكلي

    وأوضح قاسم أن الأدبيات الاقتصادية تفصل كيفية انتقال صدمة الوقود إلى الاقتصاد الحقيقي عبر قناتين:

    • جانب العرض (تكلفة الإنتاج)

    يعد الوقود مدخلاً رئيساً للإنتاج؛ وارتفاع أسعاره يرفع تكاليف التشغيل، مما يقلص هوامش أرباح المصانع ويدفعها لتقليص الطاقة الإنتاجية والعمالة، وهو ما يفضي لتباطؤ النمو الصناعي.

    • جانب الطلب (التضخم والانكماش)

    يؤدي ارتفاع الوقود لزيادة نفقات النقل والمدخلات، فينتقل الأثر لأسعار المنتجات النهائية ويرتفع التضخم؛ مما يقلص الطلب الكلي (الاستهلاكي والاستثماري) ويؤدي لأثر انكماشي في الأجل القصير يضعف شعور المواطن بزيادات الأجور.

    معضلة النقل وأثر السولار على السلع والأسواق

    من جانبه، يسلط الدكتور أحمد شوقي، الخبير المصرفي، الضوء على آليات تقليص أعباء الدعم بالموازنة العامة، مشيرًا إلى أن الحكومة سعت لرفع الدعم عن المحروقات مع تثبيت سعر المازوت المورد للكهرباء والصناعات الغذائية كمحاولة لاحتواء تضخم السلع الأساسية.

    ورغم ذلك، ينبه شوقي في تصريحاته إلى أن حلقة النقل تظل الثغرة الأكثر تأثيرًا على الأسعار، حيث يعتمد نقل البضائع داخل مصر بنسبة 94% على النقل البري، بينما تستحوذ السكك الحديدية على نحو 5%، ولا يتجاوز النقل المائي الداخلي 1%.

    كما أشار إلى أنّ تكلفة النقل المباشرة تأكل أرباح المنشآت وتحدد سعر السلعة النهائيات بناءً على المسافة والوزن والوقود، مما يتطلب تشديدًا رقابيًا مكثفًا على الأسواق لمنع التلاعب في أسعار المواصلات والسلع.

    الأسباب الخمسة للارتفاع والفئات الأكثر تضرراً

    حدد الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح خمسة أسباب رئيسة دفعت الحكومة لتحريك أسعار الوقود في الوقت الراهن:

    • ارتفاع أسعار النفط العالمية نتيجة نمو الطلب والاضطرابات الميدانية.

    • تحرير سعر الصرف، حيث تراجعت قيمة الجنيه مقابل الدولار مما رفع فاتورة الاستيراد بالعملة المحلية.

    • ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على خلفية التوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر والمندب.

    • محاولة تسعير المنتجات وفق تكلفتها الفعلية للإنتاج والاستيراد.

    • الضغوط الاقتصادية التضخمية وارتفاع الفائدة عالمياً ومحلياً.

    اقرأ أيضًا: هل يشهد الجنيه المصري تعويمًا جديدًا؟ قراءة في التطورات الاقتصادية

    الفئات الأكثر تأثرًا بالقرار

    وقسّم أبو الفتوح الفئات الأكثر تضررًا من تحريك أسعار المحروقات إلى أربع شرائح رئيسة:

    • محدودو الدخل: لكون الوقود والنقل يقتطعان نسبة كبيرة من إنفاقهم المعيشي.

    • العاملون بالقطاع غير الرسمي: كسائقي مركبات النقل والتاكسي والبائعين الجوالين.

    • الشركات الصغيرة والمتوسطة: لصعوبة استيعابها للزيادة في التكاليف دون رفع الأسعار أو تقليص العمالة.

    • المزارعون: لزيادة تكلفة تشغيل الآلات الزراعية ورامبات الري، مما يرفع أسعار المحاصيل.

    وأشار إلى وجود علاقة طردية ودائرية بين رفع أسعار المحروقات وسعر الصرف؛ إذ ترفع المحروقات التكاليف وتزيد التضخم، كما تزاد الفاتورة الدولارية اللازمة لاستيراد المواد البترولية مما يولد ضغوطًا إضافية على سعر الصرف والنشاط الاقتصادي عامة.

    اقرأ أيضًا: هل تنجح الحكومة في مواجهة أزمة صرف العملة في مصر؟

    لغة الأرقام ومقترح "صندوق التحوط"

    يقدم محمد محمود عبد الرحيم، عضو اللجنة الاقتصادية بالجمعية المصرية للأمم المتحدة، قراءة رقمية لواقع قطاع الطاقة في مصر، ويقول: "وصل دعم البترول في الموازنة العامة للدولة إلى نحو 147 مليار جنيه في العام المالي 2024/2025، ومن المتوقع أن يوفر التحريك الحالي لأسعار الوقود حصيلة تتراوح بين 15 إلى 20 مليار جنيه، تخفف جزئيًا من عجز الموازنة".

    وأشار عبد الرحيم إلى طبيعة الاستهلاك المحلي المرتفع مقارنة بالإنتاج، حيث يصل استهلاك السولار اليومي إلى نحو 45 مليون لتر، أما استهلاك البنزين اليومي فيصل إلى نحو 28 مليون لتر. كما تحتاج مصر لاستيراد شحنات غاز طبيعي ومازوت بقيمة 1.18 مليار دولار لإنهاء أزمة انقطاع الكهرباء.

    واقترح عبد الرحيم مقترحاً لمواجهة هذه الدورة المتكررة من الزيادات، يتمثل في دراسة إنشاء صندوق لتمويل فروق أسعار المنتجات البترولية؛ بهدف التحوط المالي وتقليل الآثار السلبية على الموازنة العامة عند قفزات الأسعار العالمية، دون تحميل المواطنين كامل الفروق السعرية فجأة، أو تحميلهم إياها بنسب محددة تراعي مستويات عجز الموازنة والبعد الاجتماعي.

    التزامات صندوق النقد ومعضلة التضخم الكلي

    يؤكد الدكتور محمد عبد الهادي، خبير أسواق المال، أن قرار زيادة الوقود كان مؤجلاً لمراعاة الأبعاد الاجتماعية، إلا أن تأجيل صندوق النقد لمراجعته من 10 يوليو إلى 29 يوليو اضطر الدولة للتعجيل بالزيادة لاستيفاء شروط المراجعة وتقليص مصروفات الموازنة.

    وأشار عبد الهادي إلى أن المشهد يزداد تعقيدًا بسبب تراجع الموارد الدولارية، وخاصة انخفاض إيرادات قناة السويس بنسبة تصل إلى 50% نتيجة أحداث المنطقة.

    بالإضافة إلى تأثير تحريكات السولار، حيث أكّد عبد الهادي أن زيادة البنزين منفردًا ذات تأثير محدود، لكن رفع سعر السولار يلقي بظلاله على مجمل أسعار السلع والخدمات، مما يهدد بمعاودة صعود معدلات التضخم العام التي كانت قد بدأت في الهبوط مؤخرًا لتسجل 27.5%.

    قد يهمّك أيضًا: كيف يؤثر تحويل الودائع السعودية إلى استثمارات على الاقتصاد المصري؟