تقارير اقتصادية

    فاتورة حرب إيران تتسع.. من أمريكا إلى الخليج

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •6 دقائق
    ظل مقاتل، وفي الخلفية علما إيران وأمريكا وبينهما فاصل أسود، للإشارة إلى التوترات بين الطرفين.

    مع توقف العمليات العسكرية، بدأت الولايات المتحدة ودول المنطقة في حساب الخسائر الاقتصادية المترتبة على الحرب مع إيران، وسط تباين واسع في تقديرات فاتورة حرب إيران، سواء على مستوى الخزانة الأمريكية أو الأسر التي تحملت بصورة مباشرة تداعيات ارتفاع أسعار الوقود والسلع والخدمات وتكاليف الاقتراض.

    ولم تقتصر تداعيات الحرب على الاقتصاد الأمريكي، إذ دخلت اقتصادات الخليج اختبارًا غير مسبوق مع اتساع نطاق الأضرار في منطقة الشرق الأوسط، بعدما تجاوزت الخسائر الإقليمية 250 مليار دولار، وفُقدت نحو أربعة ملايين وظيفة، في وقت اقتربت فيه فاتورة الحرب عالميًا من تريليون دولار، وسط توقعات بارتفاعها إلى 2.5 تريليون دولار بنهاية العام.

    وبينما أظهرت الإمارات والسعودية وسلطنة عمان قدرة أكبر على امتصاص الصدمة، بفضل احتياطياتها المالية وتنوع اقتصاداتها وتعدد منافذ تصدير الطاقة، تواجه البحرين والكويت وقطر تحديات أكثر تعقيدًا ترتبط بتضرر البنية التحتية والاعتماد على مضيق هرمز، بما يجعل الآثار الاقتصادية للحرب مرشحة للاستمرار لسنوات، حتى بعد توقف العمليات العسكرية.

    زيادة أعباء الأسر الأمريكية

    جاء ارتفاع أسعار البنزين في مقدمة الأعباء التي تحملتها الأسر الأمريكية، بعدما تجاوز سعر الجالون في ذروته أربعة دولارات ونصف الدولار، ما دفع الأسرة الواحدة إلى إنفاق نحو 300 دولار إضافية على تعبئة خزانات السيارات.

    ولم تقتصر تداعيات ارتفاع أسعار الوقود على استخدام السيارات الخاصة، إذ أدى صعود سعر الديزل إلى زيادة تكاليف نقل المنتجات الزراعية والصناعية بين الولايات الأمريكية، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار السلع المعروضة داخل متاجر التجزئة.

    ووفق تقديرات باحثين من جامعة براون، أنفق المستهلكون الأمريكيون إجمالًا نحو 64 مليار دولار إضافية على البنزين والديزل فقط منذ بداية الحرب، بما يعادل نحو 486 دولارًا لكل أسرة أمريكية.

    وبحسب التقديرات، أنفقت الأسرة الأمريكية نحو 200 دولار إضافية على مشترياتها من الأسواق، نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج وانتقال الزيادة في أسعار الوقود إلى مختلف حلقات سلاسل التوريد.

    كما امتدت التداعيات إلى القروض المصرفية، إذ أسهم استمرار الضغوط التضخمية والإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة في تحميل الأمريكيين نحو 150 دولارًا إضافية على القروض المستحقة عليهم.

    علاوة على ما سبق، طالت تداعيات الحرب قطاع الطيران أيضًا، بعدما ارتفعت أسعار التذاكر نتيجة زيادة تكلفة وقود الطائرات، ما حمّل الأسرة الأمريكية نحو 100 دولار إضافية في المتوسط على قيمة تذاكر السفر.

    وفي الوقت نفسه، بلغت التكلفة الإضافية التي تحملها دافع الضرائب الأمريكي لتمويل العمليات العسكرية نحو 250 دولارًا في المتوسط، في ظل إنفاق واشنطن ما يقرب من 50 مليون دولار إضافية يوميًا على الحرب.


    اقرأ أيضًا:

    حرب إيران ترفع كلفة المعيشة على الأسر الأمريكية

    الديون الأمريكية.. كيف تراكمت القنبلة المالية التي تهدد أقوى اقتصاد في العالم؟


    فاتورة عالمية قد تصل إلى 2.5 تريليون دولار

    وفي ما يتعلق بالتداعيات الأوسع للحرب، قال الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، إن فاتورة الحرب مع إيران بلغت نحو تريليون دولار، في ظل ما أحدثته من زلزال اقتصادي واسع النطاق أعاد رسم ملامح المشهد الاقتصادي على المستويين العالمي والعربي.

    وأوضح عبد الهادي أن الحرب تسببت في تعطل إمدادات الطاقة والأسمدة، واضطراب سلاسل توريد المنتجات الحيوية، ما أدى إلى انتقال آثارها إلى الأسواق العالمية وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والتجارة.

    وحذر من أن التداعيات الاقتصادية للحرب لم تصل بعد إلى ذروتها، موضحًا أن السيناريو الأسوأ يتمثل في احتمال ارتفاع إجمالي الفاتورة إلى نحو تريليونين ونصف تريليون دولار بنهاية العام، إذا استمرت الاضطرابات الحالية واتسع نطاق تأثيرها في قطاعات الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية.

    وأضاف أن منطقة الشرق الأوسط تحملت جانبًا كبيرًا من الخسائر المباشرة، إذ تجاوزت خسائرها نحو 250 مليار دولار، بالتزامن مع فقدان ما يقرب من أربعة ملايين وظيفة، وهو ما يعكس امتداد الأضرار من المنشآت والبنية التحتية إلى سوق العمل ومستويات النشاط الاقتصادي.

    استهداف 80 منشأة للطاقة

    وأشار عبد الهادي إلى أن استهداف 80 منشأة للطاقة كان من أبرز أسباب اتساع نطاق الخسائر الاقتصادية في المنطقة، موضحًا أن تكلفة الأضرار التي لحقت بهذه المنشآت قُدرت بنحو 58 مليار دولار، لا سيّما أنّها تمثل عنصرًا رئيسًا في استقرار اقتصادات المنطقة، بالنظر إلى دورها في توفير احتياجات الأسواق المحلية والوفاء بالالتزامات التصديرية، إلى جانب تأثيرها المباشر في إيرادات الدول وقدرتها على تمويل الموازنات العامة.

    ولا تتوقف خسائر تعطل منشآت الطاقة أو تضررها عند تكلفة الإصلاح وإعادة التأهيل، وإنما تمتد إلى تراجع الإنتاج وتعطل الصادرات وارتفاع أسعار الوقود والمنتجات المرتبطة بالطاقة.

    دول الخليج أمام اختبار امتصاص الصدمة

    وأكد الخبير الاقتصادي أن دول الخليج دخلت الأزمة وهي تمتلك قدرات مالية واقتصادية متفاوتة، ما وضع اقتصاداتها أمام اختبار صعب يتعلق بمدى قدرتها على امتصاص الصدمات والتعامل مع تداعيات الحرب.

    قدرة كل دولة خليجية على مواجهة الأزمة تعتمد على مجموعة من العوامل الأساسية، في مقدمتها حجم الاحتياطيات المالية المتاحة، ومدى اعتماد الاقتصاد على عائدات النفط والغاز، إلى جانب مستوى التنوع الاقتصادي وقدرة القطاعات غير النفطية على دعم النمو وتعويض جانب من الخسائر.

    كما تلعب منافذ تصدير الطاقة دورًا محوريًا في تحديد قدرة كل دولة على الاستمرار في ضخ صادراتها، خاصة في ظل اضطراب حركة الملاحة وارتفاع المخاطر الأمنية في عدد من الممرات البحرية.

    مرونة اقتصادات السعودية والإمارات وعمان

    وفي هذا السياق، يرى عبد الهادي أنّ اقتصادات الإمارات والسعودية وسلطنة عمان أظهرت مرونة مرتفعة في التكيف مع الأزمة وتداعياتها الاقتصادية، مستفيدة من امتلاكها احتياطيات مالية داعمة، ونجاحها في تحقيق مستويات متفاوتة من التنوع الاقتصادي، مقارنة باقتصادات أخرى تواجه قيودًا مرتبطة بحجم الاحتياطيات أو تضرر البنية التحتية أو الاعتماد الكبير على مسارات محددة لتصدير النفط والغاز.

    وأضاف أن توافر منافذ ومسارات بديلة يمكن استخدامها في تصدير الطاقة منح هذه الدول قدرة أكبر على التعامل مع اضطرابات الملاحة، وقلل من اعتمادها الكامل على مسار بحري واحد.

    تحديات أكبر أمام البحرين والكويت

    وفي المقابل، أوضح عبد الهادي أن البحرين والكويت تواجهان تحديات أكبر في التعامل مع تداعيات الحرب، نتيجة استمرار الاعتداءات الإيرانية على بنيتهما التحتية.

    وأشار إلى أن الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإصلاح وإعادة التأهيل، إلى جانب تأثيرها المباشر في الأنشطة الاقتصادية والخدمات الأساسية وقدرة المنشآت الإنتاجية على مواصلة العمل.

    كما قد تضطر الدول المتضررة إلى إعادة توجيه جزء من إنفاقها العام نحو إصلاح الأضرار وتأمين المنشآت، وهو ما يفرض ضغوطًا إضافية على الخطط الاستثمارية وبرامج التنمية والموازنات الحكومية.

    صادرات الغاز القطرية تواجه مخاطر مضيق هرمز

    وأضاف الخبير الاقتصادي أن قطر تواجه بدورها تحديات خاصة، نظرًا إلى اعتماد صادراتها من الغاز بصورة كاملة على المرور عبر مضيق هرمز.

    هذا الاعتماد يجعل حركة صادرات الطاقة القطرية شديدة التأثر بأي اضطرابات أمنية أو عسكرية تشهدها المنطقة المحيطة بالمضيق، خاصة أن أي تعطل في حركة الملاحة ينعكس مباشرة على تدفقات الغاز إلى الأسواق العالمية.

    ولا تقتصر تداعيات تعطل الصادرات القطرية على الاقتصاد المحلي، بل تمتد إلى الدول المستوردة للغاز، في ظل الدور الذي تلعبه قطر في تلبية جانب مهم من الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المسال.

    اقرأ أيضًا: أزمة الغاز في أوروبا.. نقص المخزونات وارتفاع الأسعار

    آثار فاتورة حرب إيران قد تستمر لسنوات

    وشدد الدكتور محمد عبد الهادي على أن انتهاء الحرب عسكريًا لا يعني انتهاء تداعياتها الاقتصادية، مؤكدًا أن العمليات العسكرية قد تتوقف، لكن آثارها على الاقتصادات والأسواق وسلاسل الإمداد وفرص العمل يمكن أن تستمر لسنوات.

    وأوضح أن إصلاح المنشآت المتضررة، وإعادة بناء المخزونات العسكرية، واستعادة مستويات الإنتاج والتصدير، ومعالجة الاضطرابات في أسواق العمل وسلاسل التوريد، كلها عوامل تجعل الفاتورة الاقتصادية ممتدة إلى ما بعد توقف القتال.

    واختتم الخبير الاقتصادي تصريحاته بالتأكيد على أن الاعتداءات الإيرانية على دول المنطقة لا تقتصر تكلفتها على الشرق الأوسط أو الدول التي تعرضت لأضرار مباشرة، وإنما يدفع ثمنها كل شخص في العالم.

    ويرتبط ذلك بالدور المحوري الذي تلعبه المنطقة في إمدادات الطاقة والأسمدة والمنتجات الحيوية، ما يجعل أي اضطراب فيها عاملًا مباشرًا في ارتفاع الأسعار وتعطل التجارة وتراجع النشاط الاقتصادي العالمي.

    قد يهمّك أيضًا: لماذا بقيت أسعار النفط دون 150 دولاراً رغم حرب إيران؟