السندات

    عوائد السندات الأميركية تتجاوز 5%.. لماذا عاد شبح الفائدة المرتفعة؟

    ارتفعت عوائد السندات الأميركية مع تصاعد توقعات الفائدة وضعف الطلب في مزاد الخزانة لأجل خمس سنوات، الذي سجل عائدًا عند 5.033%. ويزيد ارتفاع العوائد تكلفة الاقتراض للحكومة والشركات والأسر، بينما يضغط على الأسهم والذهب. ويظل التضخم ومسار السياسة النقدية أهم عاملين لتحديد اتجاه سوق السندات خلال المرحلة المقبلة.

    بقلم Onboarding Account••آخر تحديث •5 دقائق
    ارتفاع عوائد السندات الأميركية
    عوائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات عند أعلى مستوى منذ عام 2007

    ارتفعت عوائد السندات الأميركية إلى مستويات مرتفعة، بعدما أدى ضعف الطلب في مزاد لسندات الخزانة إلى زيادة الضغط على سوق الدين، بالتزامن مع قوة النشاط الاقتصادي الأميركي وارتفاع توقعات المستثمرين بشأن مسار أسعار الفائدة.

    وسجل عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات مستويات تتجاوز 5% خلال تداولات 23 سبتمبر/أيلول، بعد قفزة قوية في الجلسة السابقة، بينما تجاوز العائد في مزاد السندات لأجل 5 سنوات مستوى 5% للمرة الأولى منذ سنوات.

    وتكمن أهمية هذه التحركات في أن عائد سندات الخزانة الأميركية يمثل أحد أهم معدلات التسعير في الاقتصاد العالمي؛ فارتفاعه يرفع تكلفة التمويل للحكومة والشركات والأسر، ويضغط في الوقت نفسه على تقييمات الأسهم والأصول التي تعتمد على الاقتراض.

    مزاد ضعيف يرفع العائد

    كان مزاد سندات الخزانة لأجل 5 سنوات نقطة التحول الأبرز في موجة البيع الأخيرة.

    وبحسب بيانات المزاد، باعت وزارة الخزانة الأميركية سندات لأجل 5 سنوات بعائد بلغ 5.033% في 23 سبتمبر/أيلول، مقابل 4.393% في المزاد السابق. كما تراجع معدل تغطية الطلب إلى نحو 2.21 مرة، مقارنة بنحو 2.37 مرة في المزاد السابق.

    اقرأ أيضا: السندات الأمريكية تحت ضغط الدين والفائدة

    المعنى الاقتصادي لهذه الأرقام واضح: المستثمرون طلبوا عائدًا أعلى لشراء الدين الأميركي، بينما تراجع حجم الطلب النسبي مقارنة بالمزاد السابق.

    وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة تواجه أزمة تمويل، لكنها إشارة إلى أن المستثمرين أصبحوا يطلبون تعويضًا أكبر مقابل الاحتفاظ بالسندات طويلة ومتوسطة الأجل في بيئة ترتفع فيها توقعات التضخم وأسعار الفائدة.

    الفيدرالي يرفع الفائدة

    تأتي موجة بيع السندات بعد قرار الاحتياطي الفيدرالي في 16 سبتمبر/أيلول رفع نطاق سعر الفائدة المستهدف بمقدار 25 نقطة أساس إلى 3.75%–4%.

    وكان ذلك أول رفع للفائدة منذ 2023، بحسب بيانات الفيدرالي، الذي أشار إلى أن النشاط الاقتصادي يتوسع بوتيرة قوية، وأن التضخم لا يزال مرتفعًا مقارنة بهدف البنك البالغ 2%.

    لكن أهمية القرار لا تتوقف عند الزيادة نفسها.

    فالتوقعات الاقتصادية الصادرة عن الفيدرالي أظهرت أن متوسط توقعات المسؤولين لسعر الفائدة بنهاية 2026 يبلغ 4.1%، مقابل 4.1% أيضًا لعام 2027، قبل أن ينخفض إلى 3.9% في 2028. كما رفع المسؤولون توقعاتهم للتضخم وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي إلى 3.7% في 2026، قبل تراجعه إلى 2.3% في 2027.

    اقرأ أيضا: الفرق بين السندات والصكوك.. للباحثين عن التعاملات الإسلامية

    وهذه التوقعات تساعد في تفسير حركة السندات: السوق لا ينظر فقط إلى قرار الفيدرالي الحالي، بل يحاول تسعير مستوى الفائدة الذي قد يبقى قائمًا خلال الفترة المقبلة.

    لماذا ترتفع عوائد السندات؟

    تتحرك أسعار السندات والعوائد في اتجاهين متعاكسين. عندما تنخفض أسعار السندات، ترتفع عوائدها، والعكس صحيح.

    وفي الوضع الحالي، تتجمع عدة عوامل في الاتجاه نفسه.

    أولها ارتفاع توقعات أسعار الفائدة. فكلما اعتقد المستثمرون أن الفيدرالي سيبقي الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أصبحت السندات القديمة أقل جاذبية، ما يدفع أسعارها إلى الانخفاض وعوائدها إلى الارتفاع.

    ثانيها مخاوف التضخم. فالفيدرالي نفسه يتوقع تضخمًا عند 3.7% في 2026، وهو أعلى بكثير من هدفه البالغ 2%.

    وثالثها قوة النشاط الاقتصادي. فقد وصف الفيدرالي النشاط الاقتصادي بأنه يتوسع بوتيرة قوية، مع استمرار متانة الإنفاق المحلي وقوة نمو الإنتاجية والاستثمار الرأسمالي.

    وهذه البيئة تقلل الحاجة إلى خفض سريع للفائدة، وتزيد احتمال بقاء تكلفة الاقتراض مرتفعة.

    أثرها على الشركات

    ارتفاع عوائد سندات الخزانة لا يبقى داخل سوق السندات.

    فعندما ترتفع عوائد السندات الحكومية، تصبح هذه العوائد مرجعًا لتسعير كثير من أدوات الدين الأخرى. وبالتالي يمكن أن ترتفع تكلفة إصدار السندات للشركات، كما ترتفع تكلفة الاقتراض لدى الشركات التي تحتاج إلى إعادة تمويل ديونها.

    وهذا يضغط بصورة أكبر على الشركات ذات المديونية المرتفعة أو الشركات التي تعتمد على التمويل المستمر لتمويل توسعها.

    اقرأ أيضا: العلاقة بين أسعار الفائدة وسوق السندات

    كما أن ارتفاع معدلات الخصم المستخدمة في تقييم الشركات يمكن أن يخفض القيمة الحالية للأرباح المتوقعة مستقبلًا، وهو عامل يضغط خصوصًا على الأسهم ذات التقييمات المرتفعة.

    ماذا يعني ذلك للأسر؟

    الانتقال من سوق السندات إلى الاقتصاد الحقيقي يحدث عبر تكلفة الاقتراض.

    فعندما ترتفع معدلات الفائدة طويلة الأجل، قد ترتفع تكلفة التمويل العقاري والقروض طويلة الأجل، كما تصبح عمليات إعادة تمويل الديون أكثر تكلفة.

    ولا يعني ارتفاع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات تلقائيًا زيادة فورية وبالنسبة نفسها في جميع القروض، لكنه يمثل أحد المؤشرات المهمة التي تدخل في تسعير التمويل طويل الأجل.

    لذلك يمكن أن يتحول ارتفاع العوائد من حركة في الأسواق المالية إلى ضغط تدريجي على الاستثمار والاستهلاك والطلب على الائتمان.

    الدولار والذهب تحت الضغط

    ارتفاع العوائد الأميركية يملك تأثيرًا عالميًا أيضًا.

    فعندما تصبح الأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية نتيجة ارتفاع عوائدها، يمكن أن يزداد الطلب على الدولار، وهو ما ينعكس على الاقتصادات التي تعتمد على التمويل بالدولار أو تستورد السلع المسعرة بالعملة الأميركية.

    اقرأ أيضا: الاستثمار في السندات.. الفوائد والمخاطر والاستراتيجيات

    أما الذهب، الذي لا يوفر عائدًا دوريًا، فعادة ما يواجه منافسة أكبر عندما ترتفع عوائد السندات الحقيقية أو تصبح الأصول المدرة للدخل أكثر جاذبية.

    لكن حركة الذهب لا تعتمد على الفائدة وحدها؛ إذ تتداخل معها عوامل مثل التضخم، والمخاطر الجيوسياسية، والطلب الاستثماري وقرارات البنوك المركزية.

    الاقتصاد العالمي يدفع الفاتورة

    أهمية سوق الخزانة الأميركية تتجاوز الولايات المتحدة.

    فالسندات الأميركية تعد من أهم الأصول المرجعية في النظام المالي العالمي، وتستخدم عوائدها كنقطة مرجعية في تسعير العديد من أدوات الدين والاستثمارات.

    لذلك، عندما ترتفع العوائد الأميركية، يمكن أن ترتفع معها تكلفة التمويل في اقتصادات أخرى، خصوصًا الدول والشركات التي تعتمد على الاقتراض بالدولار.

    كما يمكن أن تتعرض الأسواق الناشئة لضغوط إضافية إذا أدى ارتفاع العوائد الأميركية إلى جذب رؤوس الأموال نحو الأصول الأميركية أو رفع تكلفة خدمة الديون المقومة بالدولار.

    الاختبار الحقيقي للفيدرالي

    المعضلة أمام الاحتياطي الفيدرالي تتمثل في تحقيق توازن بين هدفين: خفض التضخم دون التسبب في تباطؤ اقتصادي حاد.

    وتشير توقعاته الأخيرة إلى أن البنك يرى نمو الاقتصاد الأميركي عند 2.3% في 2026، مع توقع معدل بطالة عند 4.1%، بينما يتوقع أن يتراجع التضخم تدريجيًا إلى 2.3% في 2027 و2% في 2029.

    لكن هذه التوقعات ليست ضمانات، بل تقديرات تعتمد على مسار الاقتصاد والتضخم وسوق العمل والصدمات الخارجية.

    ولهذا ستظل بيانات التضخم والنشاط الاقتصادي وسوق العمل، إلى جانب تحركات عوائد السندات، عوامل أساسية في تحديد اتجاه السياسة النقدية المقبلة.

    معركة الفائدة والسندات

    المشكلة في موجة بيع السندات الحالية ليست ارتفاع العوائد وحده، بل السبب الذي يقف خلفه.

    إذا ارتفعت العوائد بسبب تحسن النمو وانخفاض المخاطر، فقد يكون ذلك انعكاسًا لاقتصاد أكثر قوة.

    أما إذا ارتفعت بسبب استمرار التضخم وارتفاع توقعات الفائدة وتزايد علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون، فإن التأثير على تكلفة التمويل والأسواق يصبح أكثر حساسية.

    وفي الوقت الحالي، تشير بيانات الفيدرالي إلى اقتصاد لا يزال متماسكًا، لكن التضخم ما زال أعلى من الهدف. ومع وصول عائد سندات الخزانة لأجل 5 سنوات إلى 5.033% في أحدث مزاد، أصبح سوق الدين الأميركي يرسل إشارة واضحة إلى أن التمويل الرخيص ليس هو السيناريو الذي يسعّره المستثمرون حاليًا.

    ولهذا ستبقى عوائد السندات الأميركية خلال الفترة المقبلة واحدة من أهم المؤشرات التي يجب مراقبتها، ليس فقط لمعرفة تكلفة اقتراض الحكومة الأميركية، وإنما لفهم اتجاه الفائدة، والدولار، والأسهم، والائتمان، والاقتصاد العالمي ككل.

    اقرأ أيضا: كيف تشتري وتبيع السندات؟