السندات

    السندات الأمريكية تحت ضغط الدين والفائدة

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •5 دقائق
    السندات الأمريكية

    تتعرض سوق السندات الأمريكية لضغوط متزايدة مع تضخم الدين واستمرار السياسة النقدية المشددة وتجدد مخاوف التضخم، وسط جدل حول تأثير الفيدرالي ووزارة الخزانة وحراس السندات في اتجاه العوائد.

    عوائد السندات الأمريكية

    وقالت الدكتورة منال العشري، الخبيرة الاقتصادية، إن سوق السندات الأمريكية تعد الأكبر عالميًا والأكثر سيولة، ولذلك تعكس تحركاتها مجمل المعلومات والتوقعات المتاحة للمستثمرين، مشيرة إلى أن بيسنت وورش يحاولان التأثير في السوق عبر التصريحات والسياسات، إلا أن الإجراءات الفعلية تظل العامل الحاسم في تحديد اتجاهاتها.

    وأضافت أن عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات، رغم ارتفاعها، لا تزال أقل مما يفترض أن تكون عليه في ضوء معدلات التضخم وقوة النمو الاقتصادي الأمريكي، ما يشير إلى وجود عوامل تضغط عليها للبقاء عند مستويات أدنى مما تبرره الأوضاع الاقتصادية.

    وأوضحت أن التأثير في السوق يمتد إلى إدارة إصدارات الدين، خاصة مع اتجاه وزير الخزانة إلى تقليص إصدارات السندات طويلة الأجل والتركيز بدرجة أكبر على الآجال القصيرة.

    وأشارت إلى أن زيادة الاعتماد على أدوات الدين قصيرة الأجل تجعل أي رفع جديد للفائدة أكثر تكلفة على الحكومة الأمريكية، في وقت يقترب فيه الدين من 40 تريليون دولار، بالتزامن مع عجز مالي يناهز تريليوني دولار واستمرار إصدار المزيد من الديون.

    ولفتت إلى أن وزارة الخزانة تسعى بالتوازي إلى خفض العوائد طويلة الأجل، ما يطرح تساؤلات بشأن مدى التوافق بين السياسة النقدية للفيدرالي والسياسة المالية للحكومة، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.

    لماذا من المستبعد رفع الفائدة؟

    استبعدت العشري اتجاه الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة، معتبرة أن مثل هذه الخطوة ستزيد تكلفة خدمة الدين الحكومي، كما قد تؤدي إلى ارتفاع الأموال المتدفقة إلى السوق نتيجة زيادة العوائد على الأدوات قصيرة الأجل.

    ويأتي ذلك بعدما أبقى الاحتياطي الفيدرالي في اجتماعه الأخير على النطاق المستهدف للفائدة عند 3.50% إلى 3.75%، مع وجود انقسام داخل لجنة السوق المفتوحة بشأن الخطوة التالية للسياسة النقدية.

    وأشارت العشري إلى أن القرار يظل محاطًا بالضبابية في ظل حرص الاحتياطي الفيدرالي على استقلاليته، إلى جانب تعدد الأصوات المشاركة في اتخاذ القرار، بما يعني أن رئيس المجلس لا يستطيع حسم اتجاه السياسة النقدية منفردًا.

    وفيما يتعلق بالتضخم، أوضحت أن معدلاته ظلت أعلى من المستوى المستهدف على مدار نحو خمس سنوات، فيما جرى التأكيد خلال اجتماعات جاكسون هول على استمرار استهداف مستوى 2% دون تغيير.

    وترى الخبيرة أن الاقتصاد الأمريكي وصل إلى وضع لا توجد معه حلول سهلة، وأن أي معالجة حقيقية ستكون لها تكلفة، مشيرة إلى أن تسريع التشديد الكمي من خلال تقليص الأصول التي يحتفظ بها الفيدرالي قد يؤدي بدوره إلى ارتفاع العوائد.

    وأضافت أن المستثمرين - خاصة الأجانب- لا يرون أن العائد الحالي على السندات طويلة الأجل يعوض بالكامل المخاطر القائمة، إلى جانب مخاوفهم من إجراءات مثل تجميد الأصول أو "التخلف الانتقائي عن السداد" ، على غرار ما حدث مع الأصول الروسية.

    كما ربطت هذه المخاوف بالتهديدات الأمريكية الأخيرة تجاه إيران والدول التي لا تتعاون مع واشنطن في إجراءاتها الاقتصادية ضد طهران، بما يزيد تحفظ المستثمرين تجاه أدوات الدين الأمريكية طويلة الأجل.

    سندات الخليج أكثر جاذبية

    وحول فرص الاستثمار، أوضحت العشري أن السوق تسعر بالفعل ما بين 50 و60 نقطة أساس من الزيادات المحتملة في الفائدة ضمن أسعار السندات لأجل عامين.

    وقالت إنه إذا لم تتجاوز الزيادة 50 نقطة أساس، فإن السندات الأمريكية قصيرة الأجل تصبح جذابة، لكنها تفضل عليها بعض سندات الشركات أو سندات الحكومات في الأسواق الناشئة، خاصة دول الخليج ذات الجودة الائتمانية المرتفعة، في ضوء ارتفاع العائد ومحدودية المعروض.

    ولا تقتصر تحولات سوق الدين على المستثمرين والحكومات، إذ تمتد كذلك إلى الشركات الكبرى الباحثة عن التمويل، وفي مقدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

    قد يهمّك أيضًا: أزمة الثقة تهز الين والسندات اليابانية بعد خطة التحفيز

    إصدارات الذكاء الاصطناعي تضغط على السندات طويلة الأجل

    وعن إصدارات شركات الذكاء الاصطناعي، أوضحت العشري أن هذه الشركات تتمتع بسيولة مرتفعة وقاعدة قوية من المستثمرين، ولذلك فإن زيادة العوائد أو اتساع فروقها بنحو 50 نقطة أساس لن يمثل ضغطًا كبيرًا عليها.

    وأضافت أن توسع شركات الذكاء الاصطناعي في إصدار السندات يزيد حجم المعروض من أدوات الدين طويلة الأجل ويضيف ضغوطًا على العوائد، في الوقت الذي تقلص فيه الحكومة الأمريكية إصداراتها في هذه الآجال.

    وأشارت إلى أن تقليص إصدارات السندات الحكومية طويلة الأجل يساعد بصورة غير مباشرة شركات الذكاء الاصطناعي على خفض تكلفة التمويل، كما يفيد المقترضين في سوق الرهن العقاري.

    وأكدت تفضيلها أن تتحرك السوق بصورة طبيعية، وأن تعكس العوائد الأوضاع الاقتصادية الفعلية دون تأثيرات تحد من عملية التسعير.

    عوائد الـ30 عامًا تتجاوز 5.3% وتسجل أعلى مستوى منذ 2007

    من جانبها، قالت الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة الاقتصادية، إن عوائد السندات الحكومية الأمريكية لأجل 30 عامًا تجاوزت مستوى 5.3%، مسجلة أعلى مستوياتها منذ عام 2007، بما يعكس ارتفاع تكلفة الاقتراض وتزايد مخاوف المستثمرين بشأن الأوضاع المالية والاقتصادية.

    وأوضحت أن هذه السندات أدوات دين تصدرها وزارة الخزانة لتمويل عجز الموازنة والإنفاق الحكومي، وتلتزم بموجبها بسداد فوائد دورية للمستثمرين على مدار 30 عامًا.

    وأرجعت الشافعي ارتفاع العوائد إلى استمرار السياسة النقدية عند مستويات مشددة، إلى جانب تداعيات الحرب مع إيران واختناق الملاحة في مضيق هرمز وما ترتب عليهما من ارتفاع أسعار النفط وتجدد مخاوف التضخم المستورد.

    كما أشارت إلى أن القلق بشأن تضخم الدين الأمريكي يدفع المستثمرين إلى طلب علاوة مخاطر أكبر مقابل الاحتفاظ بأدوات الدين طويلة الأجل.

    ولفتت إلى أن توقعات الأسواق لاحتمال رفع الفيدرالي أسعار الفائدة في سبتمبر ارتفعت مؤخرًا إلى أكثر من 65%، في ظل إعادة تسعير المستثمرين لمسار السياسة النقدية ومخاوف التضخم المرتبطة بأسعار الطاقة.

    من الرهن العقاري إلى الأسعار.. من يدفع تكلفة ارتفاع العوائد؟

    وأكدت الشافعي أن تداعيات ارتفاع العوائد لا تتوقف عند الحكومة أو أسواق المال، وإنما تنتقل مباشرة إلى الاقتصاد الحقيقي من خلال ارتفاع تكلفة الاقتراض.

    وأوضحت أن صعود عوائد السندات يرفع تكلفة قروض السيارات والرهن العقاري، بما يزيد الأعباء المالية على الأفراد ويؤثر في قدرتهم على الاقتراض والإنفاق.

    كما تواجه الشركات تكلفة تمويل أعلى لأنشطتها واستثماراتها، وهو ما قد يدفعها إلى تمرير جزء من هذه الزيادة إلى المستهلكين من خلال ارتفاع أسعار السلع والخدمات.

    وأشارت إلى أن العوائد المرتفعة تزيد كذلك من جاذبية السندات مقارنة بالأسهم، ما قد يدفع بعض المستثمرين إلى تقليص استثماراتهم في البورصات والتحول إلى أدوات الدين للاستفادة من العائد المرتفع.

    وأكدت الشافعي أن ارتفاع عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل يبدأ أثره من زيادة تكلفة تمويل الحكومة، ثم يمتد إلى الأفراد والشركات والأسعار، وصولًا إلى إعادة توجيه الاستثمارات بين أسواق الأسهم والسندات.

    اقرأ أيضًا: الأسهم والسندات الأمريكية في منطقة الخطر