حافظ الدولار الأمريكي على موقعه كأكبر عملة احتياط لدى البنوك المركزية خلال الربع الأول من 2026، بعدما شكّل نحو 57.13% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، وفق أحدث بيانات صندوق النقد الدولي.
وجاء اليورو في المرتبة الثانية بحصة بلغت 20.03%، بينما استقر الرنمينبي الصيني دون 2% عند 1.99%، وبلغ إجمالي احتياطيات النقد الأجنبي 13.1 تريليون دولار بنهاية مارس، بانخفاض طفيف عن 13.15 تريليون دولار في الربع السابق.
وتأتي هذه الأرقام في وقت توسع فيه دول عدة تسوية جزء من تجارتها بالعملات المحلية، وتزيد البنوك المركزية مشترياتها من الذهب، ما أعاد النقاش حول قدرة اليورو واليوان على تقليص الاعتماد العالمي على الدولار.
لكن بيانات الاحتياطيات النقدية لا تزال تشير إلى أن الدولار يحتفظ بفارق واسع عن أقرب منافسيه، وأن استخدامه لا يقتصر على ما تحتفظ به البنوك المركزية فقط.
%89.2 حصة الدولار من تداولات سوق الصرف
أظهر مسح لبنك التسويات الدولية أن الدولار كان أحد طرفي 89.2% من صفقات الصرف الأجنبي خارج البورصة في أبريل 2025، مقابل 88.4% في مسح عام 2022.
ولا تعني هذه النسبة أن 89.2% من تجارة العالم تسدد بالدولار، فكل صفقة في سوق الصرف تضم عملتين، وتُحتسب العملتان معاً في الإحصاءات، ولكنها تعكس استمرار استخدام الدولار كعملة وسيطة في أغلب عمليات شراء وبيع العملات، فالشركة التي تحتاج إلى تحويل عملتها إلى عملة مورد في دولة أخرى، قد تجد سعراً أفضل وسيولة أعلى إذا نفذت الصفقة بالدولار، وهو ما يفسر بقاءه حاضراً حتى في معاملات لا تكون الولايات المتحدة طرفاً فيها.
وسجل متوسط التداول اليومي في سوق الصرف الأجنبي نحو 9.6 تريليون دولار في أبريل 2025، بحسب بنك التسويات الدولية، وكانت أزواج العملات العشرة الأكثر تداولاً مرتبطة جميعها بالدولار.
اقرأ أيضًا: كيف أنقذ الفيدرالي الين الياباني دون مساس بالدولار؟
كيف تدعم سندات الخزانة الأمريكية القوة الائتمانية للدولار؟
لا تستند مكانة الدولار إلى استخدامه في فواتير التجارة العالمية وحده؛ فالبنوك المركزية وصناديق الاستثمار تحتاج إلى سوق كبيرة تستطيع فيها شراء أصول سائلة وبيعها بسرعة عند الحاجة إلى النقد، وهو الدور الذي تؤديه سندات الخزانة الأمريكية على نطاق يصعب منافسته حالياً.
ويشير تقرير للاحتياطي الفيدرالي إلى أن المستثمرين الأجانب كانوا يحتفظون بنحو 9 تريليونات دولار من سندات الخزانة القابلة للتداول في الربع الأول من 2025، بما يعادل 32% من إجماليها، كما يقدّر التقرير أن حصة الدولار من المدفوعات الدولية عبر شبكة سويفت تقارب 50%.
ولا تتعامل الشركات مع العملة بوصفها وسيلة دفع فقط، فالتمويل المصرفي، وعقود التحوط، والتأمين على الشحن، وإصدار السندات، كلها خدمات ترتبط بعملة الفاتورة.
وتظهر بيانات الاحتياطي الفيدرالي أن الدولار يمثل نحو 55% من القروض الدولية، ونحو 60% من الودائع الدولية المقومة بعملة أجنبية، ولهذا فإنّ ارتفاع استخدام عملة أخرى في التجارة الثنائية لا يعني أنها أصبحت بديلاً كاملاً للدولار، فالبديل يحتاج إلى سوق سندات واسعة، ومصارف قادرة على تقديم التمويل بتلك العملة، وأدوات تسمح بتغطية مخاطر تقلبها.

اليورو واليوان الأكثر منافسة للدولار
تراجعت حصة اليورو في احتياطيات النقد الأجنبي إلى 20.03% في الربع الأول من 2026، من 20.38% في الربع السابق، وفق بيانات صندوق النقد الدولي، أما الرنمينبي الصيني فارتفعت حصته بشكل طفيف إلى 1.99% من 1.95%.
وقال الصندوق إن تغيرات أسعار الصرف فسّرت نحو نصف الزيادة في حصة الدولار خلال الربع الأول، ما يعني أن القراءة الفصلية لا تعكس وحدها قرارات البنوك المركزية بالشراء أو البيع.
وفي سوق الصرف، حقق الرنمينبي تقدماً أوضح؛ إذ ارتفعت حصته إلى 8.5% من التداولات في 2025، لكنها بقيت بعيدة عن الدولار واليورو، إذ لا تزال حرية حركة رأس المال وعمق الأسواق المالية عوامل تحد من استخدام العملة الصينية على نطاق أوسع.
أما اليورو فيظل المنافس الأقرب من حيث حجم الاقتصاد والاحتياطيات، لكن سوق الدين في منطقة اليورو موزعة بين دول عدة، ويرى الاحتياطي الفيدرالي أن زيادة إصدار الديون الأوروبية المشتركة، وتطوير سوق موحدة للسندات، قد يدعمان دور اليورو مستقبلاً، إلا أن حجمه لا يزال أقل كثيراً من سوق الخزانة الأمريكية.
اقرأ أيضًا: أدوات الدين الحكومية الأمريكية.. دليل السندات وأذون الخزانة
ماذا يعني ذلك للاقتصادات المستوردة؟
بالنسبة إلى الشركات التي تستورد مواد خام أو معدات تُسعَّر بالدولار، يبدأ الأثر من فاتورة الشراء قبل أن يصل إلى سوق الصرف، فارتفاع سعر الدولار أمام العملة المحلية يرفع تكلفة الواردات، حتى لو لم يتغير سعر السلعة بالدولار.
لكن سعر الدولار ليس العامل الوحيد في تكلفة الاستيراد، فأسعار الشحن والسلع العالمية والفائدة والرسوم الجمركية وتوافر التمويل البنكي تؤثر أيضاً في السعر النهائي، غير أن اعتماد جانب كبير من التجارة والتمويل على الدولار، يجعل تحركه عنصراً سريعاً في حسابات المستوردين والمصانع.
لهذا تتابع الأسواق بيانات الاحتياطيات وسوق الصرف، لا باعتبارها أرقاماً تخص البنوك المركزية فقط، فاتساع استخدام اليورو أو اليوان قد يمنح الشركات خيارات إضافية في بعض الأسواق، لكنه لا يغير فوراً العملة التي تقترض بها أو تتحوط عبرها أو تسدد بها فاتورة مورد دولي.
ويظل المقياس الحقيقي لقوة الدولار، هو قدرة الشركات والبنوك على استخدام العملات البديلة في التمويل والتحوط وقت اضطراب الأسواق، أما اتفاقات التسوية الثنائية وحدها، فلا تكفي لإحداث تحول دائم في موقع الدولار.
اقرأ أيضا: الحرب الأمريكية الإيرانية تعيد تشكيل سوق العملات عالميًا
