قد لا يستغرق إعداد فنجان القهوة أكثر من 3 دقائق، لكن وراءه صناعة عالمية ضخمة تمتد من مزارع البن إلى المصانع والموانئ والمقاهي، وتُقدّر قيمة سوق القهوة العالمي بنحو 267.87 مليار دولار في 2026، وفق تقديرات Precedence Research، في رقم يعكس الحجم الضخم للنشاط التجاري المرتبط بالقهوة حول العالم.
لكن قيمة هذا السوق لا تبدأ من حبة البن وحدها. فالقهوة تمر بسلسلة طويلة قبل أن تصل إلى فنجانك: زراعة وحصاد، ثم معالجة وتجفيف، وتجارة وتصدير، قبل أن تدخل مراحل التحميص والطحن والتعبئة والتوزيع، وصولًا إلى المقاهي والمتاجر ومن ثم إلى دلة القهوة الخاصة بك.
ملايين الأسر خلف القهوة
في بداية هذه السلسلة تقف ملايين الأسر التي تعتمد على زراعة البن كمصدر للدخل.
وتقول منظمة البن الدولية إن القهوة توفر دخلًا لنحو 12.5 مليون أسرة زراعية حول العالم، وتؤدي دورًا مهمًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمناطق المنتجة.
ولا تقتصر الوظائف المرتبطة بالقهوة على المزارعين. فالسلسلة تمتد إلى التجار والمصدرين ومصانع المعالجة والمحامص وشركات التعبئة والنقل والموزعين والمقاهي، ما يجعل القهوة واحدة من السلع الزراعية التي تنشئ نشاطًا اقتصاديًا واسعًا خارج المزرعة نفسها.
ولهذا، فإن الحديث عن سوق القهوة لا يعني فقط قيمة حبوب البن التي تنتجها الدول الزراعية، بل يشمل النشاط الاقتصادي الذي يتشكل حول المنتج منذ خروجه من المزرعة وحتى وصوله إلى يد المستهلك.
ثلاثة مليارات فنجان
حجم هذه الصناعة يصبح أكثر وضوحًا عند النظر إلى الاستهلاك اليومي.
وتشير منظمة البن الدولية إلى أن العالم يستهلك نحو ثلاثة مليارات فنجان قهوة يوميًا، في المنازل والمقاهي وأماكن العمل وغيرها.
هذا يعني أن القهوة ليست سلعة موسمية أو منتجًا يُشترى بين فترة وأخرى، بل جزء من الاستهلاك اليومي لمئات الملايين من الأشخاص حول العالم.
ومع كل فنجان تُستهلك كمية صغيرة من البن، لكن تكرار هذه العملية مليارات المرات يوميًا هو ما يحول الحبوب المزروعة في مناطق محددة من العالم إلى سوق تبلغ قيمته مئات المليارات من الدولارات.
من المزرعة إلى المقهى
لفهم الرقم البالغ نحو 268 مليار دولار، يكفي تتبع رحلة القهوة.
تبدأ الرحلة بالمزارع الذي يزرع أشجار البن وينتظر موسم الحصاد. وبعد جمع الثمار، تخضع الحبوب للمعالجة والتجفيف قبل أن تدخل التجارة الدولية. ومن هناك تنتقل إلى شركات التحميص والطحن والتعبئة، ثم إلى المتاجر والمطاعم والمقاهي أو إلى المستهلك الذي يحضرها في المنزل.
في كل مرحلة تُضاف قيمة اقتصادية جديدة إلى المنتج.
اقرأ أيضا: القهوة تحت الحصار.. هل يستمر ارتفاع الأسعار في 2025؟
وهذا يفسر لماذا لا يمكن النظر إلى قيمة صادرات البن الخام باعتبارها مساوية لحجم سوق القهوة النهائي. فالسعر الذي يدفعه المستهلك مقابل كوب جاهز يتضمن، إلى جانب تكلفة البن، تكاليف المعالجة والتحميص والتعبئة والنقل والتوزيع، إضافة إلى تكلفة المكان والخدمة في حالة المقاهي.
وبذلك تتحول حبة البن من محصول زراعي إلى منتج استهلاكي عالمي يمر عبر شبكة واسعة من الشركات والعمال والخدمات.
استهلاك القهوة عالميا
ولكي ندرك فعلًا حجم القهوة التي يشربها العالم، يكفي أن نعلم أن البشر يشربون يوميا 2.3 مليار فنجان يوميًا، أي ما يقارب 840 مليار فنجان في السنة. لكن خلف هذا الرقم الهائل قصة أخرى تظهر عندما نحسب القهوة للفرد، لا للعالم كله. فبحسب أحدث بيانات الاستهلاك، تحتل أوروبا المراكز العشرة الأولى عالميًا، وتتقدم لوكسمبورغ بمتوسط 5.31 فنجان يوميًا للفرد، تليها فنلندا بـ3.77 فنجان، ثم السويد بـ2.59 فنجان والنرويج بـ2.57 فنجان. وهذا يكشف كيف أن القهوة لم تعد مجرد مشروب يُحتسى خلال اليوم، بل أصبحت جزءًا متجذرًا في الحياة اليومية للأوروبيين.
واللافت أن خريطة الشرب لا تشبه خريطة الزراعة؛ فالدول التي تزرع حبوب القهوة بكميات ضخمة ليست بالضرورة هي الدول التي تشربها أكثر. الحبة قد تبدأ رحلتها في مزارع البرازيل أو فيتنام، لكنها تنتهي في فنجان على بُعد آلاف الكيلومترات. وبين نقطة الزراعة ونقطة الشرب، تمر القهوة بسلسلة اقتصادية طويلة تضم المزارعين والتجار والمحمصات والمقاهي، قبل أن تصل إلى المستهلك. ولهذا، فإن كل فنجان من هذه المليارات لا يمثل مجرد مشروب؛ بل حلقة في صناعة عالمية توفر سبل العيش لنحو 125 مليون شخص، وترتبط بحوالي 12.5 مليون مزرعة قهوة حول العالم.
اقرا أيضا: النفط والديون يدفعان عوائد السندات الأميركية لذروة 24 عاماً
ماذا عن العالم العربي؟
ولا تعني شهرة القهوة في الثقافة العربية أن المنطقة تتصدر العالم في استهلاكها للفرد. فعند قياس الاستهلاك بالكيلوغرام من البن الأخضر، تظهر فروق واضحة بين الأسواق العربية نفسها. ووفق بيانات IndexBox لعام 2024، تصدّر لبنان الأسواق الرئيسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من حيث استهلاك البن الأخضر للفرد بنحو 3.8 كيلوغرام، تلاه الإمارات بنحو 2.8 كيلوغرام والأردن بنحو 2.3 كيلوغرام للفرد. وهذه الأرقام تقيس البن الأخضر المستخدم في السوق، وليس عدد فناجين القهوة الجاهزة التي يشربها الفرد.
أما عند النظر إلى حجم الاستهلاك الإجمالي، فتتغير الصورة تمامًا. فقد بلغ استهلاك الجزائر نحو 95 ألف طن من البن الأخضر في 2024، لتكون من أكبر أسواق المنطقة من حيث الكمية، إلى جانب تركيا والسعودية. وهنا يظهر الفارق بين حجم السوق واستهلاك الفرد: عدد السكان يمكن أن يرفع إجمالي الاستهلاك إلى مستويات كبيرة، حتى عندما يكون متوسط ما يستهلكه الفرد أقل من دول أصغر حجمًا.
لكن خريطة القهوة تكشف شيئًا أبعد من مجرد اختلاف عادات الشرب بين بلد وآخر. فالقهوة تُزرع أساسًا في نطاق جغرافي محدد، بينما يتركز جزء كبير من الطلب النهائي في مناطق بعيدة عنها. ولهذا أصبحت القهوة مثالًا واضحًا على سلعة يعبر اقتصادها الحدود منذ لحظة إنتاجها وحتى لحظة استهلاكها.
واللافت أن البلدان التي تنتج البن بكميات كبيرة ليست بالضرورة الأكثر تعلقًا به في حياتها اليومية. البرازيل وفيتنام مثلًا من أبرز مراكز الإنتاج العالمي، في حين تتصدر دول أوروبية مشهد الاستهلاك للفرد. وفي العالم العربي أيضًا لا تسير الصورة في اتجاه واحد؛ فالدول التي يرتفع فيها حضور القهوة اجتماعيًا وثقافيًا ليست بالضرورة صاحبة أعلى معدل استهلاك للفرد.
وهذا التباين هو ما يجعل القهوة أكثر من مجرد قصة عن مشروب يحبه الناس. إنها سلعة تكشف اختلاف أنماط الحياة بين المجتمعات، وتوضح كيف يمكن لمنتج واحد أن يكون محصولًا زراعيًا أساسيًا في بلد، وطقسًا يوميًا في بلد آخر، وسوقًا استهلاكية ضخمة في بلد ثالث.
وفي النهاية، ربما تكمن قوة القهوة الاقتصادية في بساطة ما تبيعه: كوب صغير يتكرر كل يوم. فليست هناك حاجة إلى مناسبة خاصة لشراء القهوة، ولا إلى موسم محدد لاستهلاكها؛ إنها عادة يومية متكررة، وهذه الاستمرارية هي التي تمنح سوقها قدرة استثنائية على توليد الطلب في مختلف أنحاء العالم.
