تستثمر ستاربكس أكثر من مليار دولار خلف فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها: إعادة الزبون إلى المقهى، وليس فقط إلى تطبيق الهاتف. الشركة الأميركية تعمل على تجديد آلاف المقاهي في أميركا الشمالية، بإضافة مقاعد مريحة، وسجاد، وإضاءة أكثر دفئاً، ورفوف للكتب والديكور، في محاولة لإعادة المكان إلى دوره كمساحة للجلوس والعمل واللقاء، وليس مجرد محطة سريعة لاستلام كوب القهوة. وبحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز، تستهدف الشركة في نهاية المطاف تحديث ما يصل إلى 9 آلاف مقهى من أكثر من 11 ألف متجر تديره مباشرة في أميركا الشمالية، في استثمار يعكس تحولاً واضحاً في استراتيجية العلامة التجارية.
هذه الخطوة لا تتعلق بالديكور فقط، بل بمحاولة معالجة تغير عميق في سلوك المستهلك. فخلال السنوات الماضية، تحولت أجزاء كبيرة من تجربة ستاربكس إلى السرعة والطلبات الرقمية والاستلام من دون الجلوس. وتقول الشركة إن الطلبات عبر الهاتف المحمول أصبحت تمثل نحو ثلث المعاملات في الولايات المتحدة، أي أكثر من ضعف حصتها في 2019، وفق ما أورده تقرير فايننشال تايمز. ومع توسع هذا النموذج، تراجع تدريجياً دور المقهى باعتباره مكاناً يقضي فيه الزبون وقتاً أطول. ولذلك تحاول الإدارة الآن استعادة ما تسميه «المكان الثالث» بين المنزل والعمل.
مليار دولار لإعادة تصميم التجربة
وتعتمد الخطة على تحديثات أقل تكلفة وأسرع من عمليات إعادة التصميم التقليدية. ووفقاً لفايننشال تايمز، تنفق ستاربكس نحو 150 ألف دولار في المتوسط على تحديث المقهى الواحد، مع تنفيذ جزء كبير من الأعمال خلال ساعات الليل حتى لا تضطر الفروع إلى الإغلاق أمام الزبائن. وتقول الشركة إن هذه التحديثات يمكن أن تحقق أثراً على حركة العملاء بتكلفة أقل بكثير من عمليات التجديد السابقة، ما يسمح بتنفيذها على نطاق واسع من دون تحميل الميزانية تكلفة إعادة بناء كاملة لكل متجر. ومن المقرر الانتهاء من تحديث نحو 1500 مقهى بحلول نهاية سبتمبر 2026، قبل توسيع البرنامج في السنوات المقبلة.
وتكشف الأرقام عن حجم التحول. فقد أضافت ستاربكس بالفعل نحو 25 ألف مقعد في المقاهي الأميركية، مع تصميمات جديدة تعتمد على الأرائك والكراسي المريحة والطاولات المناسبة للعمل، إلى جانب عناصر مثل الكتب والنباتات والإضاءة الأكثر دفئاً. الفكرة ليست أن يصبح كل مقهى نسخة من مقهى مستقل، وإنما خلق بيئة تشجع الزبون على البقاء فترة أطول. فكل دقيقة إضافية داخل المتجر قد تعني فرصة لطلب مشروب آخر أو طعام، والأهم بالنسبة للشركة هو تحويل الزيارة إلى عادة متكررة بدلاً من مجرد عملية شراء سريعة.
اقرأ أيضا: رشوة من ترامب للناخبين بقيمة 5000 دولار
هذه الاستراتيجية جزء من خطة التحول التي يقودها الرئيس التنفيذي براين نيكول تحت اسم Back to Starbucks، والتي بدأت بهدف إعادة التركيز على تجربة العميل بعد فترة صعبة للشركة. ووفقاً لوكالة رويترز، سجلت ستاربكس ستة أرباع متتالية من تراجع المبيعات المماثلة قبل أن يبدأ الأداء في التحسن، بينما ارتفعت المبيعات المماثلة في الربع المالي الثالث من 2026 بنسبة 7.9%، لتسجل رابع ربع متتالٍ من التحسن. وتقول ستاربكس إن هذه النتائج تعكس تأثير الاستثمار في الخدمة وتجربة المتجر والمنتجات والتسويق.
أكثر من 500 مليون دولار للموظفين
ولا تقتصر خطة نيكول على تغيير شكل المقاهي. فقد أنفقت ستاربكس أكثر من 500 مليون دولار على زيادة ساعات العمل والأدوات ودعم الموظفين، بهدف تقليل أوقات الانتظار وتحسين الخدمة. ووفقاً لما أعلنته الشركة في اجتماع المساهمين السنوي، يأتي هذا الاستثمار ضمن خطة أوسع لإعادة بناء تجربة العميل داخل الفروع، مع استكمال أكثر من ألف عملية تحديث للمقاهي خلال السنة المالية 2026. وترى الإدارة أن تحسين تجربة الموظف يمكن أن ينعكس مباشرة على تجربة الزبون، وبالتالي على عدد الزيارات والمبيعات.
وتشير نتائج الشركة إلى أن استراتيجية «العودة إلى ستاربكس» بدأت تحقق تقدماً ملموساً. فبحسب نتائج الربع الثالث التي أعلنتها ستاربكس في يوليو 2026، حققت الشركة رابع ربع متتالٍ من نمو المبيعات المماثلة عالمياً، إلى جانب ثاني ربع متتالٍ من تحسن هوامش الربح. كما أكدت الإدارة أن الخطة تستهدف استعادة دور المقاهي باعتبارها «المكان الثالث» وتعزيز تجربة العملاء.
وتؤكد رويترز أن التحسن في المبيعات جاء بعد فترة طويلة من الضعف، لكن المشكلة بالنسبة للمستثمرين لم تعد تقتصر على إعادة الزبائن. السؤال الآن هو: هل تستطيع ستاربكس تحويل هذا التحسن في المبيعات إلى أرباح مستدامة؟ فقد انخفض هامش التشغيل العالمي إلى 12.9% في الربع المالي الثالث، مقارنة مع 15.8% في الفترة نفسها قبل عامين، بينما تراجع الهامش في أميركا الشمالية إلى 13.6% مقابل 21% سابقاً.
زبون ستاربكس محور خطة التحول
الفكرة الأساسية وراء الخطة أن تحسين تجربة العميل قد يكون أكثر قيمة من التركيز على خفض التكاليف فقط. فعندما يواجه الزبون انتظاراً طويلاً أو متجراً مزدحماً أو مساحة غير مريحة، فإن انخفاض الأسعار أو إطلاق مشروب جديد قد لا يكون كافياً لإعادته. لذلك تركز ستاربكس على سرعة الخدمة، وتوفير عدد أكبر من الموظفين، وتحسين المقاعد والمساحات، وتطوير المنتجات والتسويق في الوقت نفسه.
وتقول الشركة في عرضها لاستراتيجية 2026 إن تحسين التنفيذ يؤدي إلى تجربة أفضل، وهو ما يشجع الزيارات المتكررة ويدعم النمو. كما أعلنت ستاربكس في يوم المستثمرين أنها تستهدف نمواً سنوياً لا يقل عن 5% في الإيرادات على المدى المتوسط، ونمواً في المبيعات المماثلة العالمية والأميركية لا يقل عن 3%.
المفارقة أن ستاربكس تحاول الاستثمار في شيء يتخلى عنه بعض منافسيها. فالسلاسل الأسرع نمواً مثل Dutch Bros و7 Brew تعتمد بدرجة أكبر على السرعة، والطلبات السريعة، ونموذج المقاهي الصغيرة التي تحتوي على عدد محدود من المقاعد أو لا تحتوي عليها، وفق تقرير فايننشال تايمز. وفي الصين، تنافس ستاربكس علامات مثل Luckin Coffee التي بنت توسعها على نموذج أكثر اعتماداً على السرعة والتطبيقات والأسعار التنافسية.
وهذا يعني أن ستاربكس لا تحاول فقط تحسين تجربة موجودة، بل تراهن على نموذج مختلف في سوق المقاهي. الشركة تريد أن تقول للزبون إن زيارة ستاربكس ليست مجرد وسيلة للحصول على القهوة، وإنما تجربة يمكن أن تجمع بين العمل واللقاء والراحة والتواصل. نجاح هذه الفكرة سيعتمد على ما إذا كان المستهلك مستعداً لدفع سعر أعلى مقابل هذه التجربة.
السعر وحده لم يعد كافياً
المنافسة في سوق القهوة الأميركية لم تعد تدور فقط حول جودة المشروب. فالزبون يستطيع اليوم الحصول على قهوة بأسعار أقل من مطاعم وسلاسل متعددة، أو طلبها من تطبيق الهاتف، أو المرور عبر خدمة السيارات، أو اختيار علامة متخصصة توفر تجربة مختلفة. لذلك تحاول ستاربكس بناء قيمة إضافية حول المنتج نفسه.
اقرأ أيضا: نفوذ الولايات المتحدة.. هل تتآكل قوة أمريكا العالمية؟
وهنا يصبح المقهى جزءاً من المنتج. الكرسي المريح، الإضاءة، الهدوء، توفر الكهرباء، مساحة العمل، سرعة الخدمة وحتى شعور الزبون بأنه مرحب به، كلها عناصر تدخل في قرار العودة. ولهذا فإن المليار دولار الذي تنفقه الشركة لا يستهدف الجدران والأثاث فقط، بل يحاول تغيير الطريقة التي ينظر بها المستهلك إلى العلامة التجارية.
في المقابل، تدرك إدارة ستاربكس أن الإنفاق الكبير لا يمكن أن يستمر من دون ضبط التكاليف. لذلك وضع نيكول هدفاً لتوفير نحو ملياري دولار خلال عامين، بالتزامن مع الاستثمارات في الموظفين وتجديد المتاجر. ووفقاً لرويترز، بدأت الشركة بالفعل إغلاق بعض المتاجر الأقل أداءً، وتقليص الوظائف في مكاتبها، وإعادة هيكلة عملياتها الدولية، في محاولة لتحويل تحسن المبيعات إلى نمو أقوى في الأرباح.
وهذه المعادلة هي الأصعب في خطة التحول: كيف تنفق أكثر لتحسين تجربة العميل، وفي الوقت نفسه تخفض التكاليف وتحسن هامش الربح؟ فإذا ارتفعت المبيعات من دون تحسن واضح في الربحية، فقد يعتبر المستثمرون أن الشركة اشترت النمو بدلاً من أن تبنيه على أساس مستدام.
تجربة كورونا غيرت سلوك الزبائن
أحد جذور المشكلة يعود إلى جائحة كورونا. فمع إغلاق المقاهي وإجراءات التباعد الاجتماعي، اختفت أو تقلصت مساحات الجلوس في كثير من الفروع، ثم تغير سلوك المستهلك بعد عودة الحياة الطبيعية. أصبح الطلب المسبق والاستلام السريع أكثر انتشاراً، فيما بقيت بعض آثار التصميم الذي فرضته تلك المرحلة حتى بعد انتهاء القيود.
وبحسب فايننشال تايمز، ساهم التوسع في الطلبات عبر تطبيق ستاربكس في تحويل جزء من المقاهي إلى أماكن مصممة لإنجاز المعاملة بسرعة. والآن تحاول الشركة إعادة التوازن بين السرعة والراحة: الاحتفاظ بالطلبات الرقمية وخدمة الاستلام السريع، مع إعادة المقاهي إلى بيئة أكثر دفئاً لمن يريد الجلوس والبقاء.
«المكان الثالث» يعود إلى الواجهة
مصطلح «المكان الثالث» ليس جديداً على ستاربكس. فمنذ توسع العلامة عالمياً، بنت جزءاً من هويتها على فكرة وجود مكان بين المنزل والعمل يستطيع الناس فيه شرب القهوة، عقد اجتماع، الدراسة أو مجرد قضاء بعض الوقت.
لكن الشركة الآن تحاول استعادة هذه الهوية بعد أن أصبح الجانب الرقمي جزءاً ضخماً من أعمالها. ووفقاً لستاربكس، فإن هدفها هو الجمع بين الراحة والاتصال البشري، وليس الاختيار بينهما. وفي نتائج الربع الثالث، أكدت الإدارة مجدداً أن استعادة «المكان الثالث» عنصر أساسي في استراتيجية التحول.
بالنسبة للمساهمين، فإن عودة العملاء خبر جيد، لكنها ليست نهاية القصة. رويترز أشارت إلى أن أسهم ستاربكس ارتفعت بنحو 30% منذ الإعلان عن تعيين نيكول، لكن السهم ظل دون أداء مؤشر S&P 500 خلال الفترة نفسها. ويعكس ذلك حالة التفاؤل الحذر لدى المستثمرين: هناك اعتراف بأن الإدارة نجحت في وقف تراجع المبيعات، لكن السوق يريد دليلاً على أن هذا التحسن يمكن تحويله إلى أرباح وهوامش أقوى.
ولهذا فإن نتائج الفصول المقبلة ستكون أكثر أهمية من مجرد عدد المقاعد الجديدة. المستثمرون سيراقبون المبيعات، وهوامش التشغيل، وتكاليف العمالة، وأداء المتاجر بعد تحديثها، ومدى قدرة الشركة على تحقيق وفوراتها المستهدفة. فإذا نجحت هذه العناصر معاً، فقد يصبح الاستثمار في تجربة المقهى نموذجاً لإعادة بناء العلامة التجارية. أما إذا ارتفعت التكاليف أسرع من الإيرادات، فقد يتحول المشروع إلى عبء مالي.
في النهاية، لا تراهن ستاربكس على الكراسي والسجاد وحدهما. الرهان الحقيقي هو أن تجربة أفضل ستجعل الزبون يعود مرات أكثر، ويبقى فترة أطول، وينفق أكثر، ويصبح أكثر ارتباطاً بالعلامة التجارية. وهذه المعادلة هي التي يمكن أن تبرر استثمار أكثر من مليار دولار في تحديث آلاف المقاهي.
حتى الآن، تبدو المؤشرات الأولية مشجعة؛ فقد عادت المبيعات المماثلة إلى النمو، وتحسن أداء العملاء، وبدأت استراتيجية «Back to Starbucks» تظهر نتائج بعد سنوات من التراجع. لكن الاختبار الأصعب يبدأ الآن: هل تستطيع ستاربكس الحفاظ على هذا النمو وتحويله إلى أرباح أقوى من دون التضحية بتجربة العميل التي دفعت ثمنها؟
إذا نجحت، فقد تثبت الشركة أن المقهى التقليدي لا يزال قادراً على المنافسة في عصر الطلبات الرقمية. وإذا فشلت، فقد يكتشف أكبر اسم في عالم القهوة أن إعادة الناس إلى الكراسي أسهل بكثير من إقناعهم بالبقاء.
اقرأ أيضا: أدوية إنقاص الوزن ترفع الطلب على بروتين مصل اللبن
