اقتصادات عربية

    رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.. الآثار الاقتصادية

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •6 دقائق
    الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض، في 10 نوفمبر 2025.
    لقاء جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس والسوري أحمد الشرع لإجراء محادثات تاريخية، في البيت الأبيض، 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.

    في خطوة جديدة ضمن مسار تخفيف القيود الأمريكية المفروضة على دمشق، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، عقب انتهاء مهلة إخطار الكونجرس الإلزامية التي استمرت 45 يوماً.

    وجاءت هذه الخطوة متزامنة مع إلغاء تصنيف "هيئة تحرير الشام" ككيان مدرج على لائحة "الإرهاب العالمي المصنف بشكل خاص" (SDGT)، ما يُسقط اثنين من أعتى الموانع القانونية والتنفيذية التي كبّلت حركة المؤسسات المالية والشركات الدولية، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعامل الاقتصادي والدبلوماسي مع الساحة السورية.

    رفع سوريا من قائمة الإرهاب..بداية جديدة لدمشق

    وفي تعليقه على القرار، قال الدكتور ياسر حسين، الخبير الاقتصادي، إن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل خطوة مهمة للاقتصاد السوري، خاصة أن هذا التصنيف ظل قائماً لنحو 47 عاماً، موضحاً أن انعكاساته لا تقتصر على الجانب السياسي والعلاقات بين دمشق وواشنطن، وإنما تمتد إلى فرص التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار والعودة التدريجية إلى النظام المالي والاقتصادي العالمي.

    وأوضح حسين أن أهمية القرار ترتبط بقدرته على إزالة جزء من العقبات القانونية التي كانت تحد من الاستثمار والتبادل الاقتصادي مع سوريا، وتزيد مستوى المخاطر أمام الشركات والبنوك والمؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى أن تخفيف هذه القيود يمكن أن يعزز فرص جذب الاستثمارات والمساعدات الأجنبية، ويخفض تدريجياً مخاطر الامتثال المرتبطة بالتعامل مع السوق السورية.

    ولفت حسين إلى أن هذه الخطوة قد تمنح ضخاً معنوياً لرؤوس الأموال وتحسن مستويات الثقة الاستثمارية، غير أن جني الثمار الاقتصادية الملموسة يظل مرهوناً بقدرة سوريا الهيكلية على استثمار هذا الانفتاح، وتهيئة بيئة قادرة على استيعاب الاستثمارات وإدارة المشروعات الجديدة بكفاءة.

    تسهيل القروض والتمويل الدولي

    وأكد حسين أن رفع سوريا من القائمة يمكن أن يؤدي تدريجياً إلى تخفيف العقبات التي كانت تحول دون حصولها على التمويل من المؤسسات الدولية، بما يسمح بتطور طبيعة التعاون مع مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والانتقال من مراحل الدعم الفني إلى إمكانية الإقراض والمشاركة في مشروعات تنموية كبرى.

    وقال إن انخفاض مؤشر المخاطر يمثل عاملاً أساسياً بالنسبة للمؤسسات التمويلية الدولية، كما يمكن أن يفتح المجال أمام حصول سوريا على قروض ومساعدات كانت القيود السابقة تحول دون الاستفادة منها.

    وأضاف أن العقوبات المرتبطة بالتعامل مع أطراف ثالثة كانت تحد كذلك من قدرة شركات أجنبية غير أمريكية على الاستثمار أو تقديم الدعم للسوق السورية، وهو ما دفع المؤسسات المصرفية والشركات الدولية إلى التعامل معها باعتبارها سوقاً مرتفعة المخاطر.

    اقرأ أيضًا: استثمارات دولية لإنهاء أزمة الكهرباء في سوريا بقيمة 7 مليارات دولار

    اندماج أكبر للمصارف السورية في النظام العالمي

    ومن ناحية أخرى، أكد حسين أن أحد أهم الآثار المحتملة للقرار يتمثل في زيادة اندماج المصارف السورية في نظام "سويفت" المصرفي، خاصة أن عملية الاندماج لا تزال غير مكتملة، إلى جانب الحاجة إلى تطوير البنية التحتية والربط الإلكتروني، وهو ما يتطلب بعض الوقت.

    وأوضح أن ذلك من شأنه تسهيل عمل الشركات والمؤسسات الدولية، وتحسين قدرة المستثمرين على تقييم وتسعير المخاطر المرتبطة بالمشروعات داخل سوريا، بعد أن كانت السوق السورية خارج حسابات عدد كبير من المستثمرين خلال الفترات السابقة.

    وأضاف أن رفع التصنيف يبعث برسالة مهمة إلى المؤسسات المالية والشركات الدولية التي كانت تتردد في الاستثمار أو العمل داخل سوريا، مفادها أن السوق السورية يمكن أن تصبح أكثر قابلية للتعامل والاستثمار، رغم استمرار بعض المخاطر المرتبطة بالوضع الأمني.

    الاستقرار الأمني مطلب أساسي للاستثمار

    وفي الوقت نفسه، أوضح حسين أن مجرد رفع التصنيف لا يعني تدفق الاستثمارات بصورة فورية، لأن المستثمرين والمؤسسات المالية ينظرون إلى مجموعة واسعة من العوامل؛ في مقدمتها الاستقرار الأمني، وكفاءة المؤسسات، والبنية التحتية، والمنظومة القانونية، وقدرة القطاع المالي والمصرفي على العمل بصورة طبيعية.

    وأشار إلى أن سوريا تحتاج خلال المرحلة المقبلة إلى تكييف بنيتها ومؤسساتها لاستيعاب التحولات الناتجة عن رفع العقوبات وإزالة التصنيفات التي كانت تحد من تعاملاتها الخارجية، خاصة في ظل ما تعرضت له مؤسساتها وبنيتها الاقتصادية خلال سنوات الحرب.

    رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب

    وشدد حسين على أن الاستثمار يحتاج في الأساس إلى الاستقرار الداخلي والخارجي، موضحاً أن التحسن الأمني يظل شرطاً ضرورياً لتحويل القرار الأمريكي إلى مكاسب اقتصادية ملموسة.

    وأشار إلى أن استقرار سوريا يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على قدرتها على جذب رؤوس الأموال وعودة شركات الملاحة الدولية وزيادة المنافسة في عمليات نقل البضائع والاستيراد، وهو ما قد ينعكس لاحقاً على النشاط الاقتصادي ومستوى معيشة المواطنين.

    اقرأ أيضًا: بعد 14 عاماً من الحرب.. 900 مليار دولار فاتورة إعادة إعمار سوريا

    العلاقات مع واشنطن وأثرها على الاستقرار الإقليمي

    وأضاف حسين أن القرار الأمريكي يرتبط كذلك بتحول في طبيعة العلاقة بين واشنطن ودمشق، بما قد يفتح المجال أمام مستويات مختلفة من التعاون، بما في ذلك التعاون الأمني ونقل التكنولوجيا، وهو ما يمكن أن ينعكس بدوره على قدرة سوريا على إعادة بناء بعض قطاعاتها ومؤسساتها.

    وأوضح أن الاستقرار الإقليمي يظل عاملاً مهماً في نجاح أي مسار للتعافي الاقتصادي السوري، خاصة في ظل استمرار التوترات المرتبطة بإسرائيل، لأن الاستثمارات الخارجية تحتاج إلى بيئة مستقرة يمكن خلالها تقييم المخاطر على أسس واضحة.

    لكن في الوقت نفسه، أكد حسين أن التحولات في الموقف الأمريكي تجاه سوريا يمكن أن تنعكس على خريطة العلاقات الإقليمية والدولية لدمشق، وعلى هامش حركتها في الملفات السياسية والأمنية المحيطة بها، في ظل ما يبدو أنه توجه أمريكي جديد يولي اهتماماً أكبر باستقرار سوريا.

    متى يشعر المواطن القرار بنتائج القرار الأمريكي؟

    وعن انعكاسات القرار على الشارع السوري، بين حسين أن الشريحة الأكبر من المواطنين قد لا تلمس عوائد اقتصادية مباشرة في المدى القريب؛ إذ يقتصر الأثر في مرحلته الأولى على البُعد المعنوي والتنفيذي، عبر إرسال رسائل طمأنة للمستثمرين الدوليين، ومؤسسات التمويل، والشركات العالمية التي طالما تحسبت من المخاطرة بالدخول إلى السوق السورية.

    وبحسب قوله، فإنّ رفع اسم سوريا من القائمة لا يعني زيادة الوظائف أو انخفاض الأسعار أو تحسن مستوى المعيشة بشكل فوري، وإنما تحتاج هذه النتائج إلى فترة زمنية حتى تظهر، ولذلك فإن التأثير الاقتصادي الحقيقي للقرار سيكون أكثر وضوحاً على المدى المتوسط والبعيد.

    وأضاف أن الاقتصاد السوري لا يزال يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالتضخم والفقر، إلى جانب التداعيات الاقتصادية الناتجة عن حرب استمرت نحو 14 عاماً، موضحاً أن الناتج المحلي الإجمالي كان يدور حول 60 مليار دولار، بينما أشارت الأرقام خلال الفترة الأخيرة من الأزمة إلى مستويات تراوحت بين 20 و22 مليار دولار، وهو ما يعكس حجم الانكماش الذي تعرض له الاقتصاد.

    وأوضح أن اقتصادات الدول التي تمر بحروب يمكن أن تنكمش سريعاً، إلا أن العودة إلى مستويات النشاط السابقة وإعادة بناء الاقتصاد تحتاج عادة إلى فترات زمنية متوسطة، وبالتالي فإن رفع التصنيف يمثل بداية لمسار اقتصادي وليس نهاية المشكلات التي تواجه سوريا.

    اقرأ أيضًا: السعودية وسوريا توقّعان عقودًا استثمارية

    عقوبات لا تزال قائمة

    وأشار حسين إلى أن عملية رفع العقوبات عن سوريا بدأت منذ نحو عام، إلا أن بعض القيود لا تزال قائمة، ولم يتم حتى الآن رفع جميع العقوبات المفروضة على الاقتصاد السوري، كما لا تزال بعض الأنشطة خاضعة لقيود.

    وتوقع أن يسهم استمرار رفع القيود خلال الفترات المقبلة في إعطاء إشارات أقوى للمستثمرين، وتسهيل عمل المؤسسات المصرفية، وخفض مستويات المخاطر المرتبطة بالتعامل مع السوق السورية.

    وقال إن الصبغة الأساسية للقرار في الوقت الحالي قانونية، لكن انعكاساته الاقتصادية ستكون أكبر على المدى المتوسط، إذا نجحت سوريا في تحسين بيئة الاستثمار وتطوير المؤسسات والنظام المالي والمصرفي وترسيخ الاستقرار.

    وفي ختام تصريحاته أن رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل بداية قانونية وسياسية مهمة، لكنّ النتائج الملموسة ستحتاج إلى وقت، وستظل مرتبطة بقدرة الدولة على تحقيق الاستقرار، وتطوير مؤسساتها وبنيتها التحتية والمالية، واستكمال رفع القيود المفروضة على الاقتصادات.

    قد يهمّك أيضًا: زيارة ماكرون لسوريا.. باريس تعود عبر بوابة إعادة الإعمار