تقارير اقتصادية

    زيارة ماكرون لسوريا.. باريس تعود عبر بوابة إعادة الإعمار

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •9 دقائق
    وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني يستقبل الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون في مطار دمشق الدولي، الاثنين، 6 يوليو 2026.
    وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني يستقبل الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون في مطار دمشق الدولي، الاثنين، 6 يوليو 2026.

    في زيارة تحمل عدة دلالات سياسية واقتصادية ورمزية واسعة، وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، ليصبح أول رئيس دولة من الاتحاد الأوروبي يزور سوريا منذ تولي الرئيس الانتقالي أحمد الشرع السلطة، في خطوة وصفتها صحيفة "لوفيجارو" بأنها منعطف مهم في مسار العلاقات الفرنسية السورية بعد سنوات من القطيعة والحرب.

     وتأتي زيارة ماكرون لسوريا في إطار توجه دبلوماسي لدعم المرحلة الانتقالية في سوريا، وبحث ملفات إعادة الإعمار، وتعزيز التعاون الثنائي، والأمن الإقليمي، إلى جانب توقيع مذكرات تفاهم وفتح حوار مع ممثلي المجتمع المدني والجهات الاقتصادية.

    أهداف زيارة ماكرون لسوريا

    وفي تعليقه على أهداف الزبارة قال أحمد عناني، خبير العلاقات الدولية، إن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق في هذا التوقيت تحمل دلالات سياسية واقتصادية بالغة الأهمية، خاصة أنها تأتي باعتباره أول رئيس لدولة غربية يزور سوريا بعد رحيل نظام بشار الأسد، وفي ظل ملامح مرحلة جديدة تحاول فيها دمشق إعادة بناء علاقاتها الخارجية، واستعادة حضورها الاقتصادي، وفتح الباب أمام الاستثمارات الدولية.

    وأوضح عناني أن أهمية الزيارة لا تقتصر على بعدها البروتوكولي أو الدبلوماسي، بل تتجاوز ذلك إلى كونها رسالة دعم فرنسية واضحة للإدارة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، مشيرًا إلى أن باريس كانت من أوائل العواصم الأوروبية التي بادرت إلى التواصل مع دمشق بعد التغيير السياسي، حيث كان وزير الخارجية الفرنسي ووزيرة الخارجية الألمانية من أوائل المسؤولين الأوروبيين الذين التقوا الرئيس السوري الجديد.

    وأضاف أن الزيارة تعكس رغبة فرنسية في إعادة تموضع سياسي واقتصادي داخل سوريا، بعد سنوات طويلة من القطيعة والغموض والانقطاع، مؤكدًا أن الوفد المرافق لماكرون، والذي يضم مستثمرين وممثلين عن شركات فرنسية كبرى، يكشف بوضوح أن الاقتصاد وإعادة الإعمار والاستثمار تأتي في صدارة الأولويات الفرنسية خلال المرحلة الحالية.

    اقرأ أيضًا: بعد 14 عاماً من الحرب.. 900 مليار دولار فاتورة إعادة إعمار سوريا

    رسالة سياسية تخص أمن الإقليم

    وأشار الخبير  إلى أن البعد السياسي للزيارة يبدو شديد الأهمية، لأن فرنسا تسعى إلى التنسيق المباشر مع الإدارة السورية الجديدة في ملفات إقليمية معقدة، من بينها الوضع في لبنان، والملفات الداخلية السورية، والحضور الإيراني، والتوازنات الأمنية والسياسية في المنطقة.

    ولفت إلى أن سوريا أصبحت خلال الفترة الأخيرة طرفًا لا يمكن تجاوزه في عدد من الملفات الإقليمية، وهو ما يدفع باريس إلى فتح قنوات مباشرة مع دمشق، ليس فقط من أجل العلاقات الثنائية، ولكن أيضًا من أجل ترتيب تفاهمات أوسع تخص أمن المنطقة واستقرارها.

    وأكد عناني أن الزيارة تحمل في جوهرها رسالة اعتراف سياسي بواقع جديد في سوريا، ورسالة دعم للرئيس أحمد الشرع باعتباره عنوانًا للاستقرار في المرحلة الحالية، موضحًا أن الدول الغربية، وفي مقدمتها فرنسا والولايات المتحدة، باتت تنظر إلى الإدارة السورية الحالية من زاوية الاستقرار أكثر من زاوية الشعارات السياسية التقليدية.

    وقال  إن الدول الغربية لا تتعامل مع الملف السوري في هذه المرحلة من منطلق ترسيخ الديمقراطية بقدر ما تتعامل معه من منطلق البحث عن الاستقرار، معتبرًا أن فرنسا والدول الأوروبية والولايات المتحدة ترى في الإدارة الحالية والرئيس أحمد الشرع العنوان الأبرز لتحقيق هذا الاستقرار.

    وأضاف أن هذا التوجه يفسر حالة المرونة الغربية تجاه بعض الملفات الداخلية السورية، ومنها أحداث الساحل وأحداث السويداء، حيث أبدت الخارجية الفرنسية مخاوف وانتقادات في بعض اللحظات، لكنها لم تصل إلى حد إدانة الإدارة السورية، بل أظهرت ثقة في لجان التحقيق التي أعلنتها دمشق، واعتبرت أن هذه الأزمات قابلة للاحتواء والمعالجة.

    وأشار إلى أن فرنسا، وكذلك الولايات المتحدة، تراهنان على قدرة الرئيس السوري الجديد على التعامل بمرونة مع الأزمات الداخلية، بما يسمح بتفادي انهيار المسار الانتقالي، مؤكدًا أن هذا الرهان الغربي يقوم على فكرة أن استمرار الإدارة الحالية أفضل من العودة إلى الفوضى أو الفراغ السياسي والأمني.

    ملفات أمنية عالقة بين دمشق وباريس

    وأوضح عناني أن الزيارة لا تخلو من أبعاد أمنية مهمة، خاصة أن سوريا أصبحت جزءًا من التحالف الدولي ضد تنظيم داعش والتنظيمات الإرهابية، كما شاركت مؤخرًا في اجتماعات أمنية ضمت مسؤولين دفاعيين من دول منخرطة في مواجهة الإرهاب والتطرف في المنطقة.

    وأضاف أن فرنسا، باعتبارها جزءًا من التحالف الدولي، لديها مصلحة مباشرة في تعزيز التنسيق الأمني مع دمشق، خصوصًا في ملف المقاتلين الأجانب والفرنسيين الموجودين على الأراضي السورية، وهو ملف ما زال يمثل قلقًا أمنيًا لباريس وعدد من العواصم الأوروبية.

    وأشار إلى أن هناك مقاتلين فرنسيين موجودين في سوريا، إلى جانب عائلات فرنسية كانت تقيم داخل الأراضي السورية، انتقل جزء منها إلى العراق بينما بقيت ملفات أخرى عالقة تحتاج إلى تفاهمات مباشرة بين الجانبين السوري والفرنسي.

    وأكد أن هذا الملف الأمني سيكون حاضرًا بقوة في محادثات ماكرون مع الإدارة السورية، لأن أوروبا لا تستطيع تجاهل المخاوف المرتبطة بعودة المقاتلين أو بقاء عائلاتهم في مناطق غير مستقرة، كما أن دمشق تريد استخدام تعاونها الأمني كورقة لتعزيز موقعها السياسي والاقتصادي في التعامل مع الغرب.

    فرنسا تبحث عن موقع في إعادة إعمار سوريا

    ومن جانبه قال الدكتور ياسر حسين، الخبير الاقتصادي، إن الاقتصاد يمثل أحد أهم دوافع زيارة ماكرون إلى دمشق، خاصة أن سوريا تدخل مرحلة تحتاج فيها إلى استثمارات ضخمة في إعادة الإعمار والبنية التحتية والطاقة والخدمات والطيران والموانئ، وهي قطاعات تمتلك فيها الشركات الفرنسية خبرة طويلة وحضورًا دوليًا واسعًا.

    وأوضح أن مرافقة وفد اقتصادي رفيع من كبرى الشركات الفرنسية للرئيس ماكرون تعني أن باريس لا تريد الاكتفاء بالدور السياسي أو الأمني، بل تسعى إلى ضمان حصة مبكرة في مشروعات إعادة الإعمار، خصوصًا مع بدء عودة الاهتمام العربي والدولي بالسوق السورية.

    وأضاف أن الشركات الفرنسية ليست غريبة عن الاستثمار في سوريا، إذ سبق لشركات كبرى مثل “توتال” أن عملت في قطاع النفط السوري، ما يجعل العودة الفرنسية إلى السوق السورية أمرًا واردًا إذا توافرت الضمانات السياسية والأمنية والمالية الكافية.

    وأكد أن فرنسا تنظر إلى سوريا الجديدة باعتبارها سوقًا واعدة في مرحلة إعادة بناء واسعة، لكن دخول الشركات الفرنسية سيظل مرتبطًا بمدى استقرار البيئة الأمنية، وتخفيف العقوبات، وإعادة تأهيل النظام المصرفي، ووجود ضمانات للاستثمارات الأجنبية.

    الدور العربي شجع فرنسا على التحرك

    وأشار حسين إلى أن التحركات العربية الأخيرة تجاه سوريا لعبت دورًا مهمًا في تشجيع فرنسا على إعادة فتح الباب أمام التعاون الاقتصادي مع دمشق، لافتًا إلى أن الدول العربية أرسلت رسالة واضحة بأن الوضع في سوريا بات يستحق التعامل معه من منظور اقتصادي واستثماري.

    وأوضح أن هناك استثمارات سعودية أُعلن عنها خلال الفترة الأخيرة، كما شهدت دمشق زيارة وفد إماراتي كبير للغاية، مع الحديث عن استثمارات في منطقة الساحل ومناطق محيطة بالعاصمة السورية، وهو ما يعكس وجود رغبة عربية في دعم الاستقرار الاقتصادي السوري.

    وأضاف أن هذه الرسائل العربية، إلى جانب الانفتاح الأمريكي الجزئي وتخفيف بعض العقوبات، أعطت باريس انطباعًا بأن الفرصة باتت مناسبة للعودة إلى سوريا، خاصة أن فرنسا تربطها علاقات قوية بعدد من الدول العربية المؤثرة في هذا الملف.

    وأكد أن الإدارة السورية الجديدة تحظى، من الناحية الاقتصادية، برعاية أو دعم من أطراف إقليمية عربية وتركية، إلى جانب أطراف غربية مثل فرنسا ودول أوروبية أخرى والولايات المتحدة، ما يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من التعاون الاقتصادي، بشرط استمرار التحسن الأمني والسياسي.

    اقرأ أيضًا: السعودية وسوريا توقّعان عقودًا استثمارية بمليارات الريالات

    تحسن أمني نسبي يشجع على الاستثمار

    وقال حسين إن الوضع الداخلي في سوريا أصبح أفضل مما كان عليه خلال السنوات الماضية، وإن البلاد تسير تدريجيًا نحو مزيد من الاستقرار والارتياح الأمني، لكنه أكد في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني غياب التحديات أو الاختلالات الأمنية بشكل كامل.

    وأوضح أن بعض الحوادث الأمنية لا تزال تقع من وقت لآخر، مثل التفجير الذي وقع بالقرب من القصر العدلي في دمشق، إلا أن النظرة الكلية للوضع السوري تشير إلى اتجاه عام نحو الاستقرار، وهو ما يشجع الأطراف الدولية على اختبار فرص العودة الاقتصادية والدبلوماسية.

    وأضاف أن هذا التحسن النسبي في البيئة الأمنية يمثل عنصرًا أساسيًا في حسابات الشركات الأجنبية، لأن أي استثمار في قطاعات البنية التحتية والطاقة والموانئ والطيران يحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار القانوني والأمني والمصرفي.

    شرط تخفيف العقوبات عن النظام المصرفي

    وأكد الخبير الاقتصادي أن أكبر تحدي أمام أي عودة اقتصادية فرنسية أو أوروبية إلى سوريا يتمثل في ملف العقوبات، لأن بعض العقوبات لم يُرفع حتى الآن، كما أن التعامل مع النظام المصرفي السوري يحتاج إلى ترتيبات دقيقة تسمح بتحويل الأموال، وتمويل المشروعات، وضمان حقوق المستثمرين.

    وأوضح أن تخفيف العقوبات الأمريكية والغربية يمثل شرطًا ضروريًا لتحويل الزيارة من مجرد خطوة سياسية إلى مسار اقتصادي فعلي، مشيرًا إلى أن الشركات الكبرى لا تتحرك فقط بناءً على الرغبة السياسية، وإنما تحتاج إلى بيئة قانونية ومصرفية واضحة، وضمانات ضد المخاطر.

    وأضاف أن إعادة سوريا تدريجيًا إلى النظام المالي العالمي ستكون من أهم شروط نجاح مرحلة إعادة الإعمار، لأن التمويل والاستثمار والتجارة الخارجية لا يمكن أن تتحرك بكفاءة في ظل القيود المصرفية والعقوبات والضبابية القانونية.

    اقرأ أيضًا: عودة سوريا إلى نظام سويفت.. بداية جديدة للنظام المالي والاستثماري

    لقاء محتمل مع ترامب يعزز أهمية الدور السوري

    وأشار حسين إلى أن الحديث عن لقاء بين الرئيس الأمريكي والرئيس السوري على هامش قمة حلف شمال الأطلسي، وبدعوة من أنقرة في العاصمة التركية، يعكس أن الملف السوري لم يعد محصورًا في نطاق العلاقات الثنائية مع فرنسا، بل أصبح جزءًا من ترتيبات إقليمية ودولية أوسع.

    وأوضح أن تعميق العلاقة مع الولايات المتحدة يمثل ملفًا بالغ الأهمية بالنسبة لدمشق، خاصة أن واشنطن تمتلك التأثير الأكبر في ملف العقوبات والاعتراف الاقتصادي والسياسي، كما أن الموقف الأمريكي يظل حاسمًا في تحديد مدى انفتاح المؤسسات المالية والشركات الغربية على سوريا.

    وأضاف أن سوريا أصبحت منفتحة على نقاش دورها الإقليمي، خصوصًا في لبنان، بعد زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، وما تبع ذلك من نقاشات حول الدور السوري الجديد في المنطقة بمقاربات مختلفة عن السابق.

    إسرائيل على طاولة المحادثات الفرنسية والأمريكية

    وقال الدكتور أحمد عناني، إن ملف العلاقة مع إسرائيل يفرض نفسه بقوة على محادثات دمشق مع باريس وواشنطن، لأن الاعتداءات أو التعديات الأمنية التي شهدها جنوب سوريا خلال الفترة الماضية تمثل معضلة أمنية وسياسية واستراتيجية بالنسبة للجانب السوري.

    وأوضح أن دمشق ترغب في أن تلعب فرنسا والولايات المتحدة دورًا في التهدئة والوصول إلى صيغة أو اتفاق أمني يحد من التصعيد، ويحفظ الاستقرار في الجنوب السوري، ويمنع تحول هذا الملف إلى عائق أمام إعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي.

    وأضاف أن الجانب السوري يدرك أن أي مشروع اقتصادي كبير أو خطة لإعادة الإعمار لن تنجح إذا بقي الجنوب السوري مصدر توتر دائم، ولذلك سيكون الملف الأمني مع إسرائيل حاضرًا في خلفية أي تفاهمات سياسية أو اقتصادية مع الغرب.

    سوريا أمام اختبار تحويل الدعم السياسي إلى انتعاش اقتصادي

    من جانبه، أشار الدكتور ياسر حسين، الخبير الاقتصادي، إلى أن فرنسا تسعى من خلال هذه الزيارة إلى تحقيق عدة مكاسب متزامنة؛ أولها إعادة بناء نفوذها السياسي في سوريا بعد سنوات من الغياب، وثانيها ضمان موقع مبكر لشركاتها في مشروعات إعادة الإعمار، وثالثها معالجة الملفات الأمنية المتعلقة بالمقاتلين الفرنسيين والعائلات الموجودة في سوريا، ورابعها المشاركة في صياغة الترتيبات الإقليمية الجديدة المرتبطة بلبنان وإيران وإسرائيل.

    وأضاف أن باريس تدرك أن التأخر في دخول السوق السورية قد يعني ترك المجال أمام قوى أخرى، مثل تركيا ودول عربية وروسيا وربما الصين، ولذلك فهي تتحرك في توقيت تحاول فيه أن تكون ضمن أوائل القوى الغربية الحاضرة في المشهد السوري الجديد.

    وأكد أن البعد الاقتصادي سيكون حاضرًا بقوة، لأن إعادة إعمار سوريا قد تفتح فرصًا ضخمة في قطاعات الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات والموانئ والنقل والخدمات، وهي قطاعات تحتاج إلى تمويل وخبرة وشركات دولية قادرة على تنفيذ مشروعات واسعة.

    واختتم الدكتور ياسر حسين تصريحاته بالتأكيد على أن زيارة ماكرون إلى سوريا تمثل اختبارًا مهمًا لقدرة دمشق على تحويل الانفتاح السياسي إلى مكاسب اقتصادية حقيقية، مشيرًا إلى أن الدعم الفرنسي والأوروبي يمكن أن يشكل نقطة تحول إذا ترافق مع تخفيف العقوبات، وتحسن البيئة الأمنية، ووجود خطة واضحة لإعادة الإعمار.

    وأكد أن الاقتصاد السوري يحتاج إلى أكثر من الزيارات الرمزية والرسائل السياسية، إذ يحتاج إلى استثمارات فعلية، وتمويل خارجي، وإصلاحات مؤسسية، وضمانات للمستثمرين، وإعادة دمج تدريجية في النظام المصرفي العالمي.

    اقرأ أيضًا: سوريا تطلق أضخم خطة استثمارية بـ14 مليار دولار