أثار قرار البنك المركزي المصري رفع الفائدة في مصر، بنسبة 1%، خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية الخميس 29 أكتوبر 2026، تباينًا في آراء الخبراء الاقتصاديين بشأن تداعياته على التضخم والاستثمار والنمو الاقتصادي، خاصة مع ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه واستمرار الضغوط على تكاليف الإنتاج والتمويل.
وجاء القرار مخالفا لتوقعات الأسواق التي رجحت تثبيت أسعار الفائدة، ليسجل البنك المركزي أول زيادة في أسعار العائد منذ مارس 2024، وسط تحديات تتعلق بالحفاظ على الاستقرار النقدي واحتواء الضغوط التضخمية المحتملة.
وقررت لجنة السياسة النقدية رفع أسعار الفائدة بواقع 100 نقطة أساس، ليصل سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 20%، والإقراض إلى 21%، وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي إلى 20.5%.
ويأتي التحرك رغم تراجع معدل التضخم السنوي العام إلى 13.9% خلال سبتمبر الماضي، مقابل 14.5% في أغسطس، وانخفاض التضخم الأساسي إلى 14.1% مقابل 14.9%، بينما ارتفع التضخم الشهري إلى 1.3%، ما يعكس استمرار الضغوط السعرية رغم تباطؤ المعدل السنوي.
وتزداد أهمية القرار في ظل تجاوز الدولار مستوى 56 جنيها، وما قد يترتب على ذلك من ارتفاع تكاليف الواردات ومستلزمات الإنتاج، وانتقال جزء من هذه الزيادة إلى أسعار السلع والخدمات.
عمرو سلامة: رفع الفائدة خطوة استباقية لمواجهة التضخم
وفي تعليقه على القرار، أكد الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، أن قرار البنك المركزي رفع أسعار الفائدة بنسبة 1% يمثل خطوة استباقية تستهدف احتواء الضغوط التضخمية المحتملة، في ظل التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري والتقلبات المستمرة في الأسواق العالمية.
وأوضح أن السياسة النقدية تستهدف تحقيق التوازن بين السيطرة على ارتفاع الأسعار والحفاظ على قدرة القطاعات الإنتاجية والاستثمارية على مواصلة نشاطها، مشيرًا إلى أن التشديد النقدي المؤقت يعد إحدى الأدوات التي يمكن استخدامها للحد من الضغوط التضخمية وتعزيز الاستقرار النقدي.
وأضاف أن زيادة أسعار الفائدة قد تساهم في تشجيع الادخار بالجنيه المصري وتقليل الطلب على الاقتراض، بما يساعد على امتصاص جزء من السيولة والحد من الضغوط الناتجة عن زيادة الإنفاق الاستهلاكي.
وأشار إلى أن تقييم القرار يجب أن يراعي الأوضاع الاقتصادية بصورة شاملة، خاصة انعكاساته على تكلفة التمويل والاستثمار، ومدى قدرة الشركات على التعامل مع ارتفاع أسعار العائد دون التأثير على نشاطها الإنتاجي.
رمزي الجرم: القرار يزيد أعباء الدين العام ويضغط على الاستثمار
في المقابل، يرى الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي،أن قرار البنك المركزي برفع أسعار الفائدة، لا يمثل المسار المناسب لمعالجة التحديات الاقتصادية الراهنة.
وأوضح الجرم، أن زيادة أسعار الفائدة ستؤدي إلى ارتفاع أعباء خدمة الدين العام، خاصة مع إعادة تمويل الالتزامات المستحقة بأسعار عائد أعلى، ما يفرض ضغوطًا إضافية على الموازنة العامة للدولة.
وحذر من انعكاسات القرار على النشاط الإنتاجي والاستثماري، مشيرًا إلى أن ارتفاع تكلفة الاقتراض يزيد الأعباء التمويلية على الشركات والمشروعات، وقد يدفع بعضها إلى تقليص أنشطتها أو تأجيل خطط التوسع والاستثمار.
وأضاف أن تراجع الإنتاج والاستثمارات قد يؤدي إلى انخفاض معدلات النمو الاقتصادي، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد المصري إلى تحفيز النشاط الإنتاجي وزيادة الاستثمارات وتعزيز قدرة الشركات على توفير السلع والخدمات.
ولفت إلى أن رفع الفائدة قد يحقق نتائج عكسية، محذرًا من احتمال ارتفاع معدل التضخم بدلا من تراجعه، نتيجة زيادة تكاليف التمويل التي تتحملها القطاعات الإنتاجية، وما قد يترتب عليها من ارتفاع تكاليف السلع النهائية.
ويرى الجرم أن التداعيات السلبية المحتملة لزيادة الفائدة على الإنتاج والنمو والدين العام تستدعي إعادة النظر في مدى ملاءمة الاعتماد على التشديد النقدي لمواجهة الضغوط التضخمية الحالية.
مروة الشافعي: إدارة السيولة أداة رئيسية لضبط الأسواق
من جانبها، أكدت الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة الاقتصادية ، أن البنك المركزي المصري يعتمد على مجموعة من الأدوات النقدية للسيطرة على التضخم والحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي، ولا تقتصر سياسته على تحريك أسعار الفائدة.
وأوضحت الشافعي، أن المركزي استخدم خلال الفترة الماضية عمليات السوق المفتوحة لسحب فائض السيولة من الجهاز المصرفي، بما يساعد على ضبط مستويات السيولة والائتمان.
وأشارت إلى أن هذه الآليات تتيح استمرار السياسة النقدية المتشددة دون الحاجة بالضرورة إلى زيادات كبيرة ومتتالية في أسعار الفائدة.
ولفتت إلى أن الاقتصاد المصري يواجه تحديات مرتبطة بتقلبات حركة رؤوس الأموال الأجنبية، خاصة استثمارات المحافظ المالية قصيرة الأجل، التي تنتقل بين الأسواق وفق مستويات العائد والمخاطر.
وأوضحت أن ارتفاع مخاطر الائتمان السيادي والتوترات الجيوسياسية العالمية قد يؤثر على قرارات المستثمرين الأجانب، ما يفرض على البنك المركزي تحقيق التوازن بين احتواء التضخم والحفاظ على جاذبية الاستثمار في الأدوات المالية المقومة بالجنيه.
تحركات الدولار والاحتياطي النقدي
وتطرقت الشافعي إلى تطورات سوق الصرف، مشيرة إلى أن وصول الدولار إلى مستويات تقارب 56 جنيهًا يعكس حجم الضغوط التي تواجه العملة المحلية في ظل المتغيرات الاقتصادية الراهنة.
وأوضحت أن البنك المركزي سمح لسعر الصرف باستيعاب جانب من هذه الضغوط، بدلا من استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي للحفاظ على مستوى محدد للجنيه.
ولفتت إلى أهمية الحفاظ على الاحتياطيات الدولية، التي بلغت نحو 57.3 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، باعتبارها أحد العناصر الداعمة لقدرة الاقتصاد المصري على مواجهة التقلبات الخارجية والوفاء بالتزاماته.
وأكدت أن التحدي الرئيسي أمام السياسة النقدية يتمثل في الموازنة بين مواجهة التضخم والحفاظ على تدفقات الاستثمارات الأجنبية، مع مراعاة انعكاسات تحركات الدولار وأسعار الفائدة العالمية على الاقتصاد المصري.
تأثير رفع الفائدة على شهادات الادخار والقروض
وحول تأثير رفع الفائدة على شهادات الادخار، في قالت الخبيرة، إنه من المتوقع أن ينعكس قرار البنك المركزي على المنتجات المصرفية المرتبطة بأسعار العائد الأساسية، خاصة شهادات الادخار ذات العائد المتغير، التي قد ترتفع عوائدها وفقًا لشروط إصدار كل شهادة.
وقد يشجع ارتفاع العائد المواطنين على زيادة مدخراتهم بالجنيه المصري، بينما تظل عوائد الشهادات القائمة ذات العائد الثابت دون تغيير حتى نهاية مدتها.
وأضافت الشافعي، في المقابل، يؤدي رفع الفائدة إلى زيادة تكلفة القروض الجديدة والتمويلات المرتبطة بعائد متغير، بما يفرض أعباء إضافية على الشركات والأفراد، خاصة المشروعات التي تعتمد على الاقتراض لتمويل التشغيل والتوسع.
ويمتد التأثير المحتمل إلى الموازنة العامة، مع ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي الجديد وإعادة تمويل الديون المستحقة، وإن كانت درجة التأثر تختلف بحسب طبيعة الالتزامات وآجال استحقاقها.
هل ينجح رفع الفائدة في مصر في كبح التضخم؟
من جانبه يرى الدكتور عمرو سلامة أن القرار يمثل إجراء استباقيا لمواجهة الضغوط السعرية، بينما يحذر الدكتور رمزي الجرم من زيادة أعباء الدين العام وتراجع الإنتاج والاستثمار والنمو، فضلا عن احتمال حدوث تأثير عكسي على التضخم.
اقرأ أيضًا: رفع أسعار الفائدة في مصر.. لماذا عاد المركزي للتشديد النقدي؟
