تتصدر ديون فرنسا المشهد الاقتصادي الأوروبي مجددًا، بعدما خفضت وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني نظرتها المستقبلية للبلاد من مستقرة إلى سلبية، مع الإبقاء على التصنيف السيادي عند مستوى "A+"، وسط توقعات بارتفاع الدين العام إلى 124% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2028، وتزايد الضغوط الناتجة عن تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع تكاليف الاقتراض.
وحذرت الوكالة من احتمال خفض التصنيف الائتماني مستقبلا إذا لم تنجح الحكومة في تنفيذ إصلاحات مالية قادرة على احتواء العجز واستقرار مسار المديونية.
ويأتي القرار في وقت تواجه فيه فرنسا تحديات سياسية تعرقل إقرار موازنة عام 2027، بالتزامن مع انكماش النشاط الاقتصادي واتساع الفارق بين عوائد السندات الحكومية الفرنسية والألمانية، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو على احتواء الضغوط دون انتقالها إلى الأسواق الأوروبية.
ديون فرنسا تتجه إلى 124% من الناتج المحلي
رفعت وكالة "فيتش" توقعاتها للدين العام الفرنسي إلى نحو 124% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2028، مقارنة بمستوى 115.7% في عام 2025، ومتجاوزة تقديراتها السابقة الصادرة في أغسطس، التي رجحت وصول النسبة إلى 122.7%.
وأرجعت الوكالة هذه التوقعات إلى ضعف النشاط الاقتصادي وارتفاع تكاليف الاقتراض واستمرار العجز المالي، وهي عوامل تقلص قدرة الحكومة على وقف الزيادة في الدين خلال السنوات المقبلة.
كما توقعت ارتفاع مدفوعات الفوائد على الدين الحكومي من 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 إلى 3.3% بحلول 2028، ما يعني تخصيص موارد إضافية لخدمة الديون على حساب بنود أخرى في الإنفاق العام.
وزادت تكلفة الاقتراض الفرنسي بالتزامن مع تدهور المؤشرات المالية، إذ بلغ عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات نحو 4.93% بنهاية تعاملات 30 أكتوبر، بعدما تجاوز مستوى 5% خلال الأسبوع السابق.
انكماش الاقتصاد يعمق الضغوط المالية
تزامن قرار "فيتش" مع بيانات أظهرت انكماش الاقتصاد الفرنسي بنسبة 0.1% خلال الربع الثالث من 2026، مخالفًا توقعات كانت ترجح نموًا بنسبة مماثلة.
وبحسب المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية، جاء الانكماش بعد تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.2% خلال الربع الأول، واستقراره دون نمو في الربع الثاني، ليعجز الاقتصاد عن تسجيل أي نمو فصلي إيجابي خلال الأشهر التسعة الأولى من العام.
وأظهرت البيانات تراجع الصادرات بنسبة 1.7% والاستثمار بنسبة 0.6% خلال الربع الثالث، رغم استمرار نمو الاستهلاك العائلي، ما يعكس ضعف بعض المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي.
ويزيد تباطؤ الاقتصاد صعوبة ضبط المالية العامة، إذ يحد من نمو الإيرادات الضريبية، بينما تواصل الحكومة تحمل أعباء مرتفعة لخدمة الدين وتمويل الإنفاق.
وأقر وزير الاقتصاد الفرنسي رولان ليسكور بصعوبة الأوضاع الاقتصادية، مؤكدًا تمسك الحكومة بخطط الإصلاح المالي رغم التحديات القائمة.
موازنة 2027 تواجه اختبارًا سياسيًا صعبًا
تستهدف الحكومة الفرنسية خفض عجز الموازنة إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2027، لكن وكالة "فيتش" تتوقع وصوله إلى 5.5%، نتيجة ضعف النمو واحتمال تقديم تنازلات خلال المفاوضات البرلمانية.
وتواجه الحكومة صعوبات في تمرير إجراءات خفض الإنفاق والإصلاحات الضريبية، وسط انقسامات سياسية قد تتزايد مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل ومايو 2027.
كما تزيد الاحتجاجات المرتبطة بتكاليف المعيشة ومستوى الخدمات العامة حساسية أي إجراءات تقشفية جديدة، ما يضع الحكومة أمام معادلة صعبة تجمع بين ضرورة خفض العجز والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
وترى "فيتش" أن استمرار الانقسامات السياسية قد يؤخر تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، ويضعف قدرة الحكومة على تحقيق استقرار مستدام للدين العام.
هل دخلت فرنسا أزمة ديون سيادية شاملة؟
وفي تعليقه على القرار، حذر الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، من استمرار تدهور المؤشرات المالية الفرنسية، مشيرًا إلى أن ارتفاع الدين العام وتكاليف الاقتراض واتساع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية تعكس تزايد قلق المستثمرين بشأن مستقبل الاقتصاد.
وأوضح العسيلي أن فرنسا لم تصل حتى الآن إلى مرحلة أزمة ديون سيادية شاملة، لكنها تواجه مخاطر متصاعدة تتطلب التعامل معها قبل تحول الضغوط الحالية إلى أزمة يصعب احتواؤها.
وأشار إلى أن التطورات تعيد إلى الأذهان أزمة الديون الأوروبية خلال الفترة من 2011 إلى 2013، عندما واجهت دول، أبرزها اليونان وإيطاليا، ارتفاعًا حادًا في تكاليف التمويل وصعوبات في إدارة مديونياتها.
وأكد أن تقييم المخاطر الفرنسية يتطلب متابعة مستويات الدين العام وتكاليف الاقتراض والفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية، باعتبار السندات الألمانية مرجعًا رئيسيًا لقياس علاوة المخاطر في منطقة اليورو.
اتساع فارق عوائد السندات يكشف قلق المستثمرين
سجل عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات نحو 4.93% بنهاية تعاملات 30 أكتوبر 2026، مقابل 3.34% للسندات الألمانية المماثلة، ليبلغ الفارق نحو 159 نقطة أساس، تعادل 1.59 نقطة مئوية.
وأوضح العسيلي أن اتساع الفارق يعني مطالبة المستثمرين بعائد أعلى للاحتفاظ بالديون الفرنسية، نتيجة المخاطر المرتبطة بالمالية العامة وقدرة الحكومة على تنفيذ الإصلاحات.
ولفت إلى أن الفارق بين عوائد السندات الإيطالية والألمانية بلغ نحو خمس نقاط مئوية خلال أزمة الديون الأوروبية السابقة، بينما تجاوز الفارق بين السندات اليونانية والألمانية 13 نقطة مئوية.
وأكد أن مستويات المخاطر الحالية لا تقارن بحدة تلك الأزمة، لكنها تستدعي الحذر، خاصة أن أي خفض إضافي للتصنيف الائتماني الفرنسي قد يزيد تكلفة الاقتراض، ويضع مزيدًا من الضغوط على الموازنة العامة.
وشدد على أن معالجة الاختلالات المالية تتطلب توافقًا سياسيًا يسمح بتنفيذ إجراءات فعالة لخفض العجز، محذرًا من أن استمرار الخلافات البرلمانية قد يؤثر في ثقة المستثمرين.
هل يتدخل البنك المركزي الأوروبي؟
فيما يتعلق باحتمالات تدخل البنك المركزي الأوروبي لاحتواء الضغوط، أوضح العسيلي أن البنك سبق أن استخدم إجراءات استثنائية لدعم أسواق السندات خلال الأزمات المالية، لكن التدخل الجديد ليس نتيجة تلقائية لارتفاع العوائد الفرنسية.
وأشار إلى أن أي تحرك محتمل سيتوقف على تطورات الأسواق ومدى اتساع فروق العوائد، واحتمالات انتقال الاضطرابات إلى اقتصادات أخرى داخل منطقة اليورو، وتأثيرها على الاستقرار المالي.
وتثير الأوضاع الفرنسية مخاوف من امتداد الضغوط عبر أسواق السندات والبنوك والمؤسسات الاستثمارية الأوروبية، نتيجة الترابط الوثيق بين الأنظمة المالية لدول المنطقة.
وقد يؤدي ارتفاع عوائد الديون السيادية إلى زيادة تكاليف التمويل وإعادة تقييم المخاطر الاستثمارية، لكنه لا يكفي وحده للحكم على اقتراب أزمة ديون أوروبية جديدة.
وتوفر عضوية فرنسا في منطقة اليورو وقوة مؤسساتها الاقتصادية والمالية عوامل دعم مهمة، وإن كانت لا تعفي الحكومة من ضرورة معالجة الاختلالات الداخلية.
أزمة الديون الفرنسية تزيد مخاطر تقلبات اليورو
يرى العسيلي أن استمرار الضغوط المالية الفرنسية قد ينعكس على أداء اليورو، خاصة إذا تزامن مع ضعف النمو الاقتصادي في دول أخرى داخل منطقة العملة الموحدة.
وأوضح أن التباين بين أداء الاقتصادين الأمريكي والأوروبي يمثل أحد العوامل المؤثرة في أسعار الصرف، إذ يدعم النمو الأمريكي الأكثر تماسكًا الطلب على الدولار، بينما قد يؤدي تباطؤ النشاط الأوروبي إلى زيادة الضغوط على اليورو.
وأضاف أن قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي بشأن أسعار الفائدة تلعب دورًا رئيسيًا في تحديد اتجاهات العملات، إلى جانب تحركات العوائد الاستثمارية وتوقعات النمو والتضخم.
وأشار إلى أن استمرار المخاوف بشأن استدامة الديون الأوروبية قد يزيد تقلبات اليورو أمام الدولار، مؤكدًا أن حركة العملة الأوروبية لا تتوقف على الأوضاع الفرنسية وحدها، بل تتأثر بمجمل التطورات الاقتصادية والنقدية العالمية.
وكالات التصنيف تراقب مستقبل المالية الفرنسية
سبق قرار "فيتش" إعلان وكالة "موديز"، في 23 أكتوبر 2026، تثبيت التصنيف الائتماني الفرنسي عند مستوى "Aa3"، مع الإبقاء على النظرة المستقبلية السلبية.
واستند تقييم "موديز" إلى توقعات بإقرار موازنة عام 2027 تستهدف خفض العجز المالي، مع احتمال تراجع بعض ضغوط التمويل والتوترات الاجتماعية خلال الفترة المقبلة.
وفي المقابل، أبقت وكالة "ستاندرد آند بورز" التصنيف الفرنسي عند مستوى "A+" بنظرة مستقبلية مستقرة، وفق أحدث مراجعة معلنة حتى نهاية أكتوبر.
ورغم اختلاف النظرات المستقبلية بين وكالات التصنيف، فإن التحدي الرئيسي يتمثل في قدرة الحكومة الفرنسية على وقف ارتفاع الدين العام، واستعادة النمو، والسيطرة على تكاليف التمويل.
وأكد الدكتور حسين العسيلي أن مستقبل الاقتصاد الفرنسي مرهون بمدى نجاح الحكومة في معالجة الاختلالات المالية، والتوصل إلى توافق سياسي يسمح بتنفيذ الإصلاحات، إلى جانب تطورات أسواق السندات وموقف البنك المركزي الأوروبي.
اقرأ أيضًا: أزمة الوقود في فرنسا تدفع ماكرون إلى الخليج لتأمين الطاقة
