وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الكويت أمس الاثنين، في مستهل جولة تشمل الإمارات والبحرين وقطر من 19 إلى 21 أكتوبر، في وقت تواجه فيه فرنسا ضغطاً داخلياً من ارتفاع أسعار الطاقة واتساع احتجاجات الغلاء والخدمات العامة.
وقال الإليزيه، إن جولة ماكرون تركز على أمن الطاقة وحرية الملاحة في مضيق هرمز وتنويع الإمدادات ومسارات نقلها، بهدف الحد من أثر الأزمة في حياة الفرنسيين اليومية، ولم يُعلن عن اتفاق شراء ديزل أو كميات محددة، فيما تؤكد باريس أن المباحثات تتصل بتأمين الإمدادات على نطاق أوسع.
وفي تصريحات خاصة لـ"إكونومي بيديا"، قال محمد عمر، المحلل الاقتصادي، إن فرنسا تواجه أزمتين في وقت واحد، تتمثل الأولى في قدرة الخدمات العامة على تلبية احتياجات المواطنين، والثانية في تحمل تكاليف المعيشة.
وأضاف أن الأسرة تجد نفسها أمام نفقات أعلى، بينما تشعر بأن التعليم والخدمات الاجتماعية لا تقدمان المقابل المنتظر، فيتحول الاحتجاج إلى تقييم أوسع لأداء الدولة وعدالة سياساتها.
أزمة الوقود في فرنسا تنتقل من مضيق هرمز إلى الشارع
تأتي جولة ماكرون بعد اضطراب حركة الطاقة في الخليج وارتفاع مخاطر الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل ممراً حساساً لشحنات النفط والمنتجات المكررة، وترتفع حساسية أوروبا لهذه التطورات لأن أثرها لا يتوقف عند سعر النفط الخام، بل يمتد إلى البنزين والديزل والنقل والغذاء وتكلفة تشغيل الشركات.
وفي فرنسا، بلغ التضخم السنوي 3.1% في سبتمبر مقابل 2.4% في أغسطس، بينما ارتفعت أسعار الطاقة 21.3% على أساس سنوي، وفق المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء، ويضع هذا الفارق الأسر التي تعتمد على السيارات أو تنفق نسبة أكبر من دخلها على الطاقة تحت ضغط يتجاوز متوسط التضخم العام.
وقال الدكتور إسلام شاهين، أستاذ الاقتصاد السياسي، في تصريحات خاصة لـ"إكونومي بيديا"، إن الاحتجاجات في فرنسا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال تمثل اختباراً للنموذج الأوروبي في حماية الطبقة الوسطى والشباب، ويرى أن الضغوط خرجت من نطاق الأسعار إلى ملفات التعليم والسكن والقدرة الشرائية وفرص العمل ومستقبل الأجيال الأصغر سناً.
وأضاف شاهين أن اختلاف سياق كل بلد لا يلغي وجود عوامل مشتركة، تشمل ارتفاع كلفة السكن والخدمات وتراجع قدرة الأجور على مواكبة المصروفات، مشيرا إلى دور النقابات والحركات الاجتماعية والطلاب في نقل المطالب من ملفات جزئية إلى نقاش أوسع حول الحماية الاجتماعية.
وشارك في احتجاجات فرنسا نحو 550 ألف شخص وفق وزارة الداخلية، مقابل 800 ألف بحسب اتحاد الكونفدرالية العامة للشغل، وتكشف الفجوة بين الرقمين اختلاف منهجيات العد، لكنها تشير في الحالتين إلى تعبئة واسعة شملت عشرات المدن، وجمعت طلاباً ونقابيين ومحتجين على غلاء المعيشة.
وقال عمر إن بداية الحراك في المدارس تشرح طبيعة هذا التحول، فبحسب متابعته، انطلقت التعبئة في سبتمبر من ثانوية سانت إكزوبيري في كريتاي بسبب نقص العاملين والموارد، ثم امتدت إلى ظروف الدراسة والجداول والإطعام المدرسي والفوارق بين المؤسسات.
وأضاف أن ممثلي الطلاب خرجوا من اجتماع مع وزير التعليم في الثاني من أكتوبر من دون إجراءات ملموسة، وهو ما جعل الحوار وحده غير كافٍ لتهدئة الشارع.
ويرى عمر أن تباطؤ التضخم يختلف عن انخفاض الأسعار، كما يختلف الاثنان عن تحسن القدرة الشرائية، فالأسر لا تقيس المؤشرات العامة فقط، بل تنظر إلى الدخل المتاح بعد سداد الإيجار والفواتير والقروض والطاقة والغذاء.

من احتجاجات الغلاء إلى ضغوط الموازنة
تواجه الحكومة الفرنسية هامشاً مالياً محدوداً في التعامل مع مطالب الشارع، وتستهدف وثائق الموازنة عجزاً عاماً عند 5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، ضمن مسار للعودة إلى أقل من 3% بحلول 2029، بحسب وزارة الموازنة الفرنسية.
وتجعل هذه الأرقام أي توسع في دعم الطاقة أو الإنفاق على الخدمات قراراً أكثر صعوبة، لأن الحكومة تسعى في الوقت نفسه إلى خفض العجز وطمأنة المستثمرين، وتبقى طريقة توزيع كلفة التصحيح المالي محوراً حساساً، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتعليم والسكن والنقل والدعم الاجتماعي.
وقال شاهين إن السكن أصبح أحد أكبر مصادر الضغط على الطبقة المتوسطة والشباب، مشيرا إلى الأرقام التي يستند إليها، والتي تظهر ارتفاعاً في أسعار تملك المساكن بأكثر من 50% بين 2010 و2024، وزيادة الإيجارات بأكثر من 25% خلال الفترة نفسها، ويرى أن الفئة العمرية بين 15 و29 عاماً تواجه صعوبة أكبر في بناء مستقبل مستقر يجمع بين العمل والسكن والتعليم.
وأضاف أن دخول الطلاب والنقابات والحركات الاجتماعية في وقت واحد يعكس أزمة ثقة في السياسات العامة، تتصل بالتعليم والإيجارات والتنقل والوظائف والخدمات، وذكر أن اختلاف تقديرات أعداد المشاركين في المظاهرات لا يحجب وجود شرائح اجتماعية واسعة ترى أن الأعباء الاقتصادية موزعة بصورة غير عادلة.
ودعا ماكرون، وفق ما ورد في خطابه في 18 أكتوبر، إلى جمع ممثلين عن الطلاب والمعلمين والنقابات وأصحاب الأعمال والمشرعين لصياغة مقترحات عملية، بالتوازي مع تشديد التعامل مع أعمال العنف ومراجعة الجاهزية الأمنية، ويضع ذلك الحكومة أمام اختبار قدرة الحوار على إنتاج قرارات قابلة للتمويل والتنفيذ.
وقال عمر إن القيود المالية لا تحسم وحدها شكل الاستجابة، لأن الحكومة تملك خيارات في توقيت الإجراءات وأولويات الإنفاق وحماية الفئات الأكثر تعرضاً للضغط، مضيفاً أن وفراً محاسبياً قد يرفع الكلفة الاجتماعية والسياسية إذا شعر المواطنون بأنهم يتحملون العبء الأكبر من الإصلاح.
وأوضح أن نجاح الحوار سيقاس بمضمون المقترحات وجدول تنفيذها، لا بمجرد عقد الاجتماعات، ويرى أن الاحتجاج لا يتحول تلقائياً إلى مكسب انتخابي لطرف محدد، لأن بعض الناخبين يحمّلون الحكومة مسؤولية الاحتقان، بينما يعطي آخرون الأولوية لاستعادة الأمن.
اقرأ أيضاً: احتجاجات فرنسا تهدد الاقتصاد بخسائر تصل إلى 3 مليارات يورو
العنف يضيف أزمة أمنية إلى الغلاء
شهدت احتجاجات 17 أكتوبر أعمال عنف منفصلة عن المسيرات السلمية، شملت حريقاً في مبنى بلدية ليموج، واقتحام مبنى بلدية مرسيليا، وحريق مكتب السياحة في ليون، إلى جانب نهب واشتباكات في باريس، وأعلنت وزارة الداخلية في حصيلة محدثة توقيف 2397 شخصاً وإصابة 997 من أفراد الشرطة والدرك، بينهم سبع حالات خطيرة، وفق "RTL".
وقال عمر إن التخريب يوسع دائرة الخسائر لتشمل أصحاب المتاجر والعاملين فيها والمجتمعات المحلية التي تعتمد على المرافق المتضررة، مضيفاً أن انتقال الاهتمام العام من الغلاء والخدمات إلى مشاهد الحرق والنهب يضعف التعاطف مع المطالب الأصلية.
وشدد على ضرورة الفصل بين المحتجين السلميين ومرتكبي الاعتداءات، قائلاً إن التوقيف إجراء أولي، فيما تحدد المحاكم المسؤولية الجنائية، ويرى أن حماية حق التظاهر وحماية الممتلكات العامة والخاصة هدفان متلازمان في إدارة الأزمة.
وقال شاهين إن أوروبا تحتاج إلى استجابة تجمع بين التعامل الأمني المنضبط والحوار السياسي والإصلاح الاقتصادي والمعالجة الاجتماعية، وأضاف أن الحكومات الأوروبية تواجه اختباراً في إدارة الاحتجاجات الاجتماعية، بعدما قدمت نفسها طويلاً بوصفها نموذجاً في الحريات والحماية الاجتماعية.
وأشار إلى أن التجربة المصرية تنظر إلى الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية بوصفها عناصر مترابطة في الاستقرار العام، ويرى أن أوروبا تواجه حاجة مماثلة إلى معالجة الجذور بدلاً من الاكتفاء باحتواء نتائجها في الشارع.
ماذا تراقب باريس بعد جولة الخليج؟
تزامنت احتجاجات فرنسا مع تحركات في لشبونة وبروكسل وميلانو، ففي البرتغال، خرج عشرات الآلاف احتجاجاً على الإيجارات وغلاء المعيشة، بينما تظاهر طلاب في بلجيكا ضد كلفة التعليم، وتحولت مسيرة في ميلانو إلى اضطرابات، ولا تظهر هذه الوقائع قيادة مشتركة لهذه التحركات، لكنها تكشف تشابهاً في ضغوط السكن والطاقة والخدمات العامة.
وفي هذا السياق، يضيف اضطراب الإمدادات من الخليج طبقة جديدة من المخاطر أمام باريس، فكل ارتفاع في أسعار الديزل أو البنزين ينتقل إلى النقل والبضائع وسلاسل التوريد والميزانيات المنزلية.
وقال عمر إن العطلة المدرسية قد تؤدي إلى تراجع مؤقت في التعبئة حتى استئناف الدراسة في 2 نوفمبر، لكن اختبار الحراك يبدأ بعد ذلك، وحدد ثلاثة مؤشرات لمتابعة المسار، تشمل عودة التظاهرات، وانضمام قطاعات جديدة، وظهور نتائج ملموسة للحوار الحكومي.
وأضاف أن فرنسا تحتاج إلى إجراءات محددة وقابلة للتمويل، تشمل تحسيناً داخل المؤسسات التعليمية، وحماية أكثر دقة للأسر المتضررة، وعدالة أوضح في توزيع أعباء الإصلاح المالي.
بينما يرى شاهين أن قدرة الحكومات الأوروبية على حماية الطبقة المتوسطة والشباب ستحدد شكل العلاقة المقبلة بين الدولة والمجتمع، فالمطلوب - وفق تقديره - سياسات تعالج التعليم والسكن والأسعار وفرص العمل والحماية الاجتماعية في مسار واحد، بينما تجعل جولة ماكرون الخليجية أمن الطاقة جزءاً مباشراً من هذا الاختبار الداخلي.
اقرأ أيضاً: الاحتجاجات الطلابية في فرنسا تتسع.. والحكومة أمام اختبار صعب
