شهدت البورصة المصرية موجة بيع حادة خلال تعاملات الأحد 25 أكتوبر 2026، دفعت مؤشر EGX100 متساوي الأوزان إلى التراجع بنسبة 10%، ما أدى إلى تعليق التداول لمدة نصف ساعة، بعدما تجاوزت الخسائر السوقية 260 مليار جنيه خلال الجلسة، قبل أن تتقلص إلى نحو 171 مليار جنيه عند الإغلاق.
وأرجع عمر رضوان، رئيس البورصة المصرية، جانبا من التراجعات إلى محدودية خبرة بعض المستثمرين الجدد في التعامل مع الأزمات، بالتزامن مع تصاعد المخاوف المرتبطة بالتطورات الإقليمية وسعر الصرف.
وأوضح أن البورصة استقطبت 229 ألف مستثمر جديد قبل عامين، و299 ألفا خلال العام الماضي، ونحو 600 ألف مستثمر خلال 2026، مشيرا إلى أن أكثر من نصف المنضمين حديثًا إلى السوق تقريبًا تقل أعمارهم عن 30 عامًا.
وأضاف أن غالبية هؤلاء دخلوا البورصة خلال السنوات الثلاث الماضية، التي شهدت ارتفاعات قوية للمؤشرات، دون أن يمروا بتجارب سابقة مع موجات الهبوط الحاد، ما جعل بعضهم أكثر ميلًا إلى البيع السريع عند ظهور الضغوط.
وأشار إلى أن التوترات الجيوسياسية وتحركات العملة ساهمت في زيادة المخاوف، مؤكدًا أن الأسواق تشهد أحيانا مبالغة في التفاؤل أثناء الصعود، تقابلها ردود فعل متسرعة خلال التراجع.
لماذا أوقفت البورصة التداول لمدة نصف ساعة؟
أكد رضوان أن تعليق التداول لم يكن قرارًا استثنائيًا، وإنما إجراء تنظيمي يُفعّل تلقائيًا عند وصول المؤشر المعني إلى مستوى التراجع المحدد بالقواعد المنظمة للسوق.
وأوضح أن انخفاض مؤشر EGX100 بنسبة 10% استدعى وقف التعاملات لمدة 30 دقيقة، بهدف إتاحة الفرصة للمستثمرين لإعادة تقييم قراراتهم والحد من عمليات البيع العشوائي.
وأشار إلى أن مثل هذه الإجراءات تستهدف تهدئة التعاملات خلال فترات التقلب الحاد، دون التدخل في تحديد اتجاه الأسعار.
المؤسسات الاستثمارية تبحث عن فرص شراء
لفت رئيس البورصة إلى اختلاف سلوك المؤسسات الاستثمارية عن بعض المستثمرين الأفراد، موضحًا أن انخفاض أسعار الأسهم قد يتيح فرصًا للشراء عندما تتراجع تقييماتها دون المستويات التي تراها المؤسسات عادلة.
وأضاف أن تحركات سعر صرف الجنيه قد تعزز جاذبية بعض الأسهم للمستثمرين الأجانب، نتيجة انخفاض تكلفتها عند تقييمها بالدولار، مع الأخذ في الاعتبار أداء الشركات وتوقعات العائد.
واستشهد بمؤشرات الاقتصاد الكلي، ومنها ارتفاع احتياطيات النقد الأجنبي إلى أكثر من 57 مليار دولار، وزيادة تحويلات المصريين بالخارج، باعتبارها عوامل تدخل ضمن تقييم المؤسسات الأجنبية للسوق المصرية.
وأكد أن تعاملات المستثمرين الأجانب خلال الجلسة لم تشهد، خروجا استثنائيا مقارنة بالمعدلات المعتادة.
طرح بنك القاهرة يجذب اهتمام المؤسسات الأجنبية
أشار رضوان إلى استمرار اهتمام المستثمرين المؤسسيين بالطروحات الجديدة، مستشهدا بطرح بنك القاهرة، الذي تجاوزت تغطية طرحه الخاص ست مرات.
وأضاف أن مستوى التغطية بلغ نحو 19 مرة عند احتساب بعض الترتيبات الاستثمارية مع المؤسسات الأجنبية بصورة منفصلة، لافتا إلى اهتمام مؤسسات دولية، من بينها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
واعتبر أن هذه المؤشرات تعكس استمرار اهتمام المستثمرين الأجانب بالفرص الاستثمارية في مصر، رغم التقلبات التي تشهدها السوق.
وأوضح أن عددًا من بيوت الأبحاث الدولية أبدى نظرة إيجابية تجاه تقييمات الأسهم المصرية خلال العام الماضي، خاصة عند مقارنتها بمستوياتها التاريخية.
وأشار إلى أن المؤشر الرئيسي EGX30 اقترب من مستوى 50 ألف نقطة، بعدما مر خلال السنوات السابقة بمراحل صعود من 12 ألفا إلى 20 ألف نقطة، مؤكدًا أن تقييم مستويات الأسعار يتغير بحسب ظروف السوق وأداء الشركات.
رئيس البورصة ينصح بالاستثمار التدريجي وإدارة المخاطر
شدد رضوان على أهمية التعامل مع الأسهم باعتبارها استثمارًا طويل الأجل، والابتعاد عن القرارات القائمة على الخوف أو الرغبة في تحقيق مكاسب سريعة.
ونصح بتوزيع الاستثمارات على فترات زمنية مختلفة، بدلا من ضخ كامل السيولة في توقيت واحد، بما يتيح للمستثمر التعامل مع تقلبات الأسعار بصورة أكثر توازنًا.
من جانبه، أكد الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، ضرورة دراسة الأسباب المحلية والخارجية التي أدت إلى التراجعات، وفي مقدمتها توقيت تنفيذ الطروحات والاكتتابات وزيادات رؤوس الأموال.
وأشار إلى أن الهبوط جاء عقب انتهاء فعاليات منتدى مصر 2026، الذي تناول زيادة مشاركة القطاع الخاص وتحسين بيئة الاستثمار ومستهدفات التحول الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح أن التزامن بين الحدثين يثير تساؤلات بشأن التنسيق بين المبادرات الاقتصادية والقرارات المؤثرة في سوق المال، دون أن يعني وجود علاقة سببية مباشرة بين انعقاد المنتدى وتراجع الأسهم.
وشدد على أهمية الحفاظ على الرسائل الإيجابية الموجهة للمستثمرين، خاصة مع الاستعداد لتنظيم مؤتمر اقتصادي آخر خلال نوفمبر.
35 مليار جنيه سيولة محتملة للطروحات وزيادات رأس المال
لفت عبد الهادي إلى أن طرح بنك القاهرة تزامن مع إجراءات طرح شركة "إم إن تي حالا" وزيادة رأسمال شركة "قرة لمشروعات الطاقة والاستثمار" ، ما يستدعي دراسة التأثير المجمع لهذه العمليات على سيولة البورصة.
وقدر حجم السيولة التي قد تستقطبها العمليات الثلاث بنحو 33 إلى 35 مليار جنيه، معتبرا أن توقيت تنفيذها وتوزيعها على فترات مناسبة قد يساعدان على تقليل الضغوط على التداولات.
وأوضح أن الطروحات وزيادات رؤوس الأموال تمثل أدوات ضرورية لتمويل الشركات، لكن نجاحها يتطلب مراعاة قدرة السوق على استيعابها، والتوازن بين احتياجات الشركات التمويلية والسيولة المتاحة للمستثمرين.
وأكد أن وظيفة البورصة لا تقتصر على توفير آلية لتخارج المساهمين، بل تشمل تمويل النمو وجذب رؤوس الأموال وتنمية المدخرات.
مطالب بتفعيل صانع السوق ومراجعة أدوات التداول
دعا عبد الهادي إلى تعزيز دور صانع السوق، باعتباره إحدى الآليات التي يمكن أن تساعد على توفير عروض البيع والشراء وتحسين السيولة وتقليل الفجوات السعرية خلال فترات التقلب.
وأشار إلى أهمية دراسة جاهزية السوق لتطبيق أدوات مالية جديدة، ومنها البيع على المكشوف "الشورت سيلينج" ، بما يتناسب مع طبيعة المستثمرين ومستوى السيولة والضوابط الرقابية.
وأوضح أن صانع السوق لا يضمن منع انخفاض الأسعار أو تعويض المستثمرين عن خسائرهم، لكنه قد يسهم في تحسين انتظام التداولات.
كما طالب بمتابعة تعاملات المؤسسات المصرية منذ سبتمبر الماضي، وتحليل تأثير قراراتها الاستثمارية على حركة الأسهم، مع تشجيع المستثمرين الأفراد على دراسة الأداء المالي للشركات وإدارة المخاطر وجني الأرباح وفق استراتيجيات واضحة.
التمويل بالهامش قد يضاعف ضغوط البيع
حذر عبد الهادي من مخاطر التوسع في التمويل بالهامش، خاصة خلال فترات الهبوط الحاد، موضحا أن بعض المستثمرين يعتمدون على تسهيلات ائتمانية مرتفعة لشراء الأسهم.
وأشار إلى أن نسب التمويل قد تصل إلى 100% أو 200%، ما يزيد تعرض المستثمر للخسائر عند انخفاض أسعار الأوراق المالية.
وأوضح أن التراجعات قد تدفع شركات الوساطة إلى مطالبة العملاء بتغطية مراكزهم، وفي حال عدم توفير السيولة المطلوبة قد تلجأ إلى البيع الجبري، الأمر الذي يضيف ضغوطًا جديدة على السوق.
وشدد على أهمية الالتزام بضوابط التمويل بالهامش، ومراجعة التسهيلات الممنوحة، ورفع وعي المستثمرين بمخاطر الاقتراض لشراء الأسهم.
التوترات الأمريكية الإيرانية والفيدرالي تضغط على البورصة المصرية
أشار عبد الهادي إلى أن التطورات الجيوسياسية، خاصة التصريحات الأمريكية المتعلقة بإيران، تمثل أحد العوامل المؤثرة في توقعات المستثمرين وتحركات أسعار النفط.
وأوضح أن احتمالات التصعيد أو العودة إلى المفاوضات تنعكس على اتجاهات أسواق الطاقة وتقييم المخاطر، محذرًا من التعامل مع السيناريوهات السياسية باعتبارها نتائج مؤكدة.
كما لفت إلى أهمية اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المقرر يوم 28 أكتوبر 2026، في ظل الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة.
وأشار إلى أن أسعار النفط اقتربت من 117 دولارًا للبرميل، ما قد يؤثر في توقعات السياسة النقدية الأمريكية، معتبرًا أن رفع الفائدة يمثل أحد السيناريوهات المحتملة في ضوء تطورات التضخم.
وأوضح أن ارتفاع العوائد على أدوات الدين قد يدفع بعض المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم بين الأسهم والأدوات ذات العائد الثابت، بما ينعكس على حركة رؤوس الأموال في الأسواق الناشئة، ومنها مصر.
التنسيق بين الجهات الاقتصادية ضرورة لاستقرار السوق
اختتم عبد الهادي بالتأكيد على أن تفسير تراجعات البورصة المصرية يتطلب النظر إلى مجموعة عوامل متداخلة، تشمل توقيت الطروحات، والسيولة، وتعاملات المؤسسات والأفراد، والتمويل بالهامش، إلى جانب التوترات الجيوسياسية والسياسة النقدية الأمريكية.
وشدد على أهمية تعزيز التنسيق بين الجهات الاقتصادية والرقابية، وتطوير أدوات التداول وإدارة المخاطر، بما يدعم كفاءة السوق وثقة المستثمرين.
وفي المقابل، أكد رئيس البورصة المصرية أن التقلبات تمثل جزءا من طبيعة الاستثمار في الأسهم، داعيا المستثمرين إلى اتباع استراتيجيات طويلة الأجل، وتجنب القرارات المتسرعة خلال موجات الهبوط.
اقرأ أيضًا: هبوط البورصة السعودية والمصرية.. ما وراء خسائر الأحد؟
