تقارير اقتصادية

    حرب الشرق الأوسط تفتح طريقاً بحرياً جديداً عبر القطب الشمالي

    بقلم باسل محمود••آخر تحديث •4 دقائق
    القطب الشمالي

    تدفع اضطرابات الملاحة في الشرق الأوسط شركات الشحن إلى اختبار طرق بديلة بين آسيا وأوروبا، لكن الطريق الذي يمر بمحاذاة الساحل الروسي في القطب الشمالي يبقى - حتى الآن - خياراً موسمياً متخصصاً أكثر منه بديلاً لقناة السويس.

    وسجل طريق البحر الشمالي الروسي 133 عملية عبور في سبتمبر، بزيادة 46% عن أغسطس وأكثر من أربعة أمثال مستواه في 2022، وفق بيانات "لويدز ليست إنتليجنس" التي نقلتها "فايننشال تايمز"، وشكلت السفن التي ترفع العلم الروسي قرابة نصف الرحلات.

    ويجمع هذا الارتفاع بين عاملين، الأول تراجع الجليد البحري في ذروة الصيف، والثاني ارتفاع كلفة المخاطر في مسارات تمر عبر البحر الأحمر ومضيق هرمز، ولذلك لا يتعلق الأمر بظهور طريق جديد من الصفر، بقدر ما يتعلق بتحول ممر كان هامشياً إلى خيار يستحق التجربة لبعض الشحنات.

    اختصار الزمن لا يعني دائماً خفض الكلفة

    تبدو فائدة مسار القطب الشمالي واضحة عند قياس زمن الرحلة، فبحسب "فايننشال تايمز"، قطعت سفينة الحاويات الصينية "دبي تاور" رحلة من تشينغداو إلى بريطانيا عبر القطب في 24 يوماً، مقارنة بـ40 يوماً أو أكثر عبر قناة السويس أو رأس الرجاء الصالح.

    لكن زمن الرحلة ليس وحده ما يحدد جدوى المسار، فالسفن تحتاج إلى تخطيط دقيق وفق حالة الجليد، وقد تتطلب بعض الرحلات سفناً مدعمة أو مرافقة كاسحات جليد، فضلاً عن رسوم العبور والتأمين والملاحة المتخصصة.

    كما أن بيانات تشغيلية لرحلة "دبي تاور" الأولى أظهرت وصولها إلى ميناء تيسبورت البريطاني، بعدما كان مخططاً أن تصل إلى فيليكسستو.

    ويكشف اختلاف الميناء النهائي والجدول الزمني أن الطريق لا يزال بعيداً عن انتظام المسارات التقليدية، حيث تعتمد الشركات على مواعيد ثابتة وسلاسل توريد قابلة للتنبؤ.

    القطب الشمالي

    القطب الشمالي.. من رحلة تجريبية إلى خدمة موسمية

    انتقلت شركة "سي ليجند" الصينية هذا العام من رحلات تجريبية إلى برنامج موسمي محدود، شمل ثماني رحلات أسبوعية بين أغسطس وأكتوبر باستخدام سبع سفن.

    ويستهدف المسار شحنات تستفيد من تقليص زمن العبور، مثل البطاريات والمعدات الصناعية والسلع مرتفعة القيمة، فاختصار أيام في البحر قد يعني خفض استهلاك الوقود وتحرير الحاويات ورأس المال العامل بسرعة أكبر، كما يقلل تعرض الشحنة لنقاط الاختناق الواقعة في البحر الأحمر والشرق الأوسط.

    لكن السعة تبقى محدودة جداً مقارنة بخطوط آسيا وأوروبا التقليدية، فالمسار القطبي لا يقدم العدد نفسه من الموانئ الوسيطة، ولا تستوعب سفنه عادة أحجام الحاويات التي تحملها السفن العملاقة العابرة للسويس، ولهذا، يظل الطريق مناسباً لشحنات محددة خلال نافذة زمنية قصيرة، بدلاً من أن يكون خطاً تجارياً واسعاً يعمل طوال العام.

    اقرأ أيضاً: مضيق هرمز يعود.. لكن النفط لا يهدأ

    روسيا تحول الجليد إلى بنية تصدير

    تأتي زيادة العبور في وقت تسعى فيه موسكو إلى ربط تطوير القطب بصادرات الطاقة، ففي سبتمبر، بدأت "روسنفت" تحميل أول شحنة نفط من مشروع "فوستوك أويل" على ناقلة في ميناء خليج الشمال، وهو ما يحول استثمارات طويلة في خطوط الأنابيب والموانئ إلى نشاط تصديري فعلي.

    ويستهدف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفع أحجام الشحن عبر طريق البحر الشمالي إلى 70 مليون طن سنوياً بحلول 2030، مقابل 37 مليون طن نقلت عبره في 2025.

    وتمنح السيطرة الروسية على الممر موسكو دوراً مباشراً في تنظيم التصاريح والمرافقة الجليدية والخدمات اللوجستية، ما يجعل الطريق مشروعاً للطاقة والنقل والنفوذ الجيوسياسي في وقت واحد.

    اقرأ أيضاً: أزمات هرمز وباب المندب تعيد تسعير الشحن البحري

    طريق أقصر.. ومخاطر مختلفة

    قد يخفف المسار القطبي التعرض لمخاطر الهجمات أو الإغلاقات في الممرات الجنوبية، لكنه يضيف مخاطر من نوع آخر، فالطقس والجليد والضباب وضعف الاتصالات وبعد مناطق الإنقاذ تجعل أي عطل أو حادث أكثر صعوبة وكلفة.

    وتلزم قواعد المنظمة البحرية الدولية الخاصة بالمياه القطبية السفن بمتطلبات تشغيل وتدريب وتجهيز إضافية، بسبب خصوصية البيئة وبعدها عن خدمات الإنقاذ والاستجابة للتلوث.

    لذلك، لا يمكن التعامل مع القطب الشمالي بوصفه طريقاً "أكثر أماناً" من طريق قناة السويس بصورة مطلقة، فهو يتجنب مخاطر جيوسياسية معينة، لكنه يعرّض السفن لمخاطر تشغيلية وبيئية أعلى.

    اقرأ أيضاً: اضطرابات البحر الأحمر.. تهديد متصاعد للاقتصاد العالمي وقناة السويس

    ممر مكمل لا بديل لقناة السويس

    تكشف أرقام سبتمبر أن العالم بدأ يبحث جدياً عن بدائل لمساراته البحرية التقليدية، وأن تغير المناخ يوسع نافذة الملاحة في القطب، ولكن الذروة الموسمية لا تعني أن خريطة التجارة العالمية تغيرت بالكامل، فقناة السويس تبقى أكثر قدرة على استيعاب السفن العملاقة، وتخدم موانئ متعددة بين آسيا وأوروبا، وتعمل طوال العام، أما الطريق القطبي فيظل محدود السعة والموسم ويحتاج إلى استثمارات كبيرة في السفن والبنية التحتية والخدمات.

    ومع استمرار التوتر في الشرق الأوسط، قد يصبح طريق البحر الشمالي ورقة إضافية في حسابات شركات الشحن والحكومات، لكنه في الوقت الراهن يضيف مساراً احتياطياً للتجارة العالمية، ولا يحل محل الطريق الذي تمر عبره الحصة الأكبر من تجارة آسيا وأوروبا.