تقارير اقتصادية

    تعافي الاقتصادات الناشئة.. لماذا لا تشعر الأسر بالتحسن؟

    بقلم باسل محمود••آخر تحديث •4 دقائق
    الاقتصادات الناشئة

    تظهر مؤشرات تعافي الاقتصادات الناشئة عودة النمو والاستثمار وتحسن قدرة الحكومات على ضبط العجز والاقتراض، ولكن ميزانية الأسر لا تتحرك بالسرعة نفسها، فالمواطن لا يشتري النمو الاقتصادي، ولا يلمس تحسن التصنيف الائتماني مباشرة؛ وما يراه هو سعر الغذاء، وقسط السكن، وفرصة العمل، وقدرة راتبه على تغطية الشهر.

    وبحسب تحقيق رويترز، تنمو الاقتصادات الناشئة بنحو 4% في المتوسط، وهو معدل يقترب من ضعفي نمو الاقتصادات المتقدمة، غير أن هذا التعافي يمر أولاً عبر الأسواق المالية والمالية العامة، ثم يحتاج وقتاً أطول كي يصل إلى الأجور والوظائف والخدمات العامة.

    هبوط التضخم لا يعيد الأسعار إلى مستوياتها السابقة

    تقدم الأرجنتين المثال الأكثر وضوحاً على تعافي الاقتصادات الناشئة، فقد نجح برنامج الاستقرار الاقتصادي في خفض التضخم من مستويات تجاوزت 200% في أواخر 2023 إلى نحو 32.5% في مارس 2026، وفق صندوق النقد الدولي، ولكن تراجع التضخم يعني تباطؤ ارتفاع الأسعار، وليس عودة السلع إلى أسعارها القديمة.

    ولهذا بقيت الضغوط حاضرة في حياة المستهلكين وأصحاب الأعمال الصغيرة، ونقلت رويترز عن صاحب متجر أدوات في ضواحي بوينس آيرس، أن كلفة إعادة تخزين البضائع ارتفعت إلى ثلاثة أمثالها، فيما تقلصت قدرة زبائنه على الشراء.

    وتحسنت بعض المؤشرات الاجتماعية بالفعل مقارنة بذروة الأزمة، إلا أن ذلك لا يلغي هشاشة الدخل، فقد سجل المعهد الوطني للإحصاء في الأرجنتين "INDEC" معدل فقر بلغ 32.3% في النصف الأول من 2026 ضمن 31 تجمعاً حضرياً، وعندما تكون الأسعار قد قفزت سريعاً قبل أن يبدأ التضخم في الانحسار، تحتاج الأسر إلى نمو فعلي في الأجور وفرص العمل، كي تستعيد ما فقدته من قدرة شرائية.

    الاقتصادات الناشئة

    الإصلاح يبدأ من ميزانية الدولة قبل ميزانية الأسرة

    تتبنى دول كثيرة إجراءات إصلاح مثل خفض دعم الوقود، وتحرير سعر الصرف، ورفع الفائدة، وتقليص الإنفاق العام، وتساعد هذه الخطوات في تقليل الاختلالات المالية، وحماية احتياطات النقد الأجنبي، وجذب التمويل والاستثمار، لكنها تنقل جزءاً من الكلفة سريعاً إلى النقل والطاقة والغذاء والائتمان.

    وتكون الصدمة أشد في الدول التي يستهلك الغذاء حصة كبيرة فيها من دخل الأسر، ويشير تحقيق رويترز إلى أن الغذاء يمثل ما بين 30 و50% من سلة أسعار المستهلك في الاقتصادات النامية، مقابل نحو 13 إلى 14% في الولايات المتحدة، ولذلك فإن ارتفاع أسعار الحبوب أو الوقود لا يظهر كرقم اقتصادي مجرد، بل يقتطع مباشرة من الإنفاق على التعليم والصحة والسكن.

    ولا تملك الحكومات هامشاً مالياً مماثلاً لما تملكه الاقتصادات الغنية لتعويض الأسر عن كل صدمة، فتوسيع الدعم العام قد يخفف الضغط مؤقتاً، لكنه يعيد عبء التمويل إلى الموازنة أو الدين العام، أما الدعم الموجه للفئات الأكثر تضرراً، ورفع الإنتاجية والأجور، فيحتاج إلى مؤسسات وقدرة تنفيذ ووقت.

    اقرأ أيضاً: ديون الاقتصادات المتقدمة تقترب من 76 تريليون دولار

    تعافي الاقتصادات الناشئة لا يصل إلى الأسر بالسرعة نفسها

    في سريلانكا، عاد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى مستواه السابق للأزمة بعد 12 ربعاً متتالياً من النمو، وارتفع الاقتصاد 4.7% في النصف الأول من 2026، ويتوقع البنك الدولي نمواً بنحو 4.4% خلال العام كله، مدفوعاً بالنشاط الصناعي والخدمات والاستثمار وإصلاحات المالية العامة.

    لكن البنك الدولي يصف التعافي بأنه غير متكافئ؛ إذ قُدرت نسبة الفقر عند 16.9% في 2025، فوق مستويات ما قبل الأزمة، فيما لم تستعد الأجور الحقيقية ومؤشرات سوق العمل كامل عافيتها.

    ونقلت رويترز عن بائعة الطعام في كولومبو أنها تحاول إبقاء سعر وجبة الغداء قريباً من دولارين رغم ارتفاع التكاليف، لأن زبائنها لا يملكون مساحة كبيرة لدفع المزيد، وهذه المعادلة تضغط على الطرفين، فمن جهة المستهلك الذي يحاول خفض إنفاقه، ومن جهة أخرى صاحب المشروع الصغير الذي لا يستطيع تمرير كل ارتفاع في كلفة المدخلات.

    المغرب.. زيادة في الاستثمار ولكن الوظائف تمثل الاختبار

    في المغرب، تحسن النمو والاستثمار العام، وسجل الاقتصاد نمواً يقدر بنحو 4.9% في 2025، وفق تحديث البنك الدولي، كما ساعد تراجع التضخم إلى 0.8% وتحسن العجز المالي في دعم الاستقرار الاقتصادي.

    ولكن الاستثمار والمشروعات الكبرى لا تتحول تلقائياً إلى وظائف كافية أو دخول أعلى لكل فئات المملكة، ويشير البنك الدولي إلى أن السكان في سن العمل بالمغرب نما عددهم بين 2000 و2024 بوتيرة تقارب مرتين ونصف وتيرة نمو التوظيف، فيما بلغ مقياس أوسع لضعف استخدام العمالة 22.5%.

    وتظهر هنا أهمية ربط المشروعات الاستثمارية بسلاسل توريد محلية، وتدريب مهني، وشركات صغيرة ومتوسطة قادرة على التوسع، فالمؤشر الأهم للأسر ليس عدد الأبراج الجديدة أو حجم التمويل الأجنبي وحده، بل عدد الوظائف المستقرة التي تولدها هذه الاستثمارات ومستوى الأجر الذي تدفعه.

    اقرأ أيضاً: قبضة الدولار تكسر الاقتصادات الضعيفة

    1.2 مليار شاب يرفعون كلفة التأخر

    تزداد أهمية هذه الفجوة مع اقتراب موجة ديموغرافية كبيرة، فالبنك الدولي يتوقع أن يبلغ نحو 1.2 مليار شاب سن العمل في الاقتصادات النامية والأسواق الناشئة بين 2025 و2035، بينما لا تكفي فرص العمل الحالية لاستيعابهم جميعاً.

    ولهذا لا يكفي أن تنجح الحكومات في خفض التضخم أو استعادة ثقة المستثمرين، فاستدامة التعافي تعتمد على تحويل الاستقرار المالي إلى وظائف منتجة، وأجور حقيقية، وخدمات عامة يشعر بها الناس في مدارسهم ومستشفياتهم وأسواقهم.

    وتستطيع مؤشرات الاقتصاد الكلي أن تثبت أن الأزمة تراجعت، لكن شعور المواطن بالتحسن يبدأ عندما ينخفض الضغط على دخله، وتصبح فرص العمل أوسع، ويستطيع التخطيط للشهر المقبل من دون أن تلتهم الأسعار كل هامش متاح.