مصطلحات اقتصادية

    ترميز الأصول.. لماذا يحذر صندوق النقد من مخاطره؟

    بقلم باسل محمود••آخر تحديث •4 دقائق
    ترميز الأصول

    يحّول ترميز الأصول السندات والأسهم وحصص الصناديق وغيرها من الحقوق المالية إلى رموز رقمية قابلة للإصدار والنقل والتسوية على دفاتر رقمية موزعة وقابلة للبرمجة.

    ويرى صندوق النقد الدولي أن هذه التقنية قد تخفض كلفة العمليات وتسرّع التسوية، لكنها قد تفتح أيضاً قنوات أسرع لمخاطر السيولة والرافعة المالية والأعطال التشغيلية إذا توسعت قبل بناء الضمانات اللازمة.

    ولا يتعامل الصندوق مع ترميز الأصول بوصفه أزمة قائمة، فالسوق لا يزال صغيراً ومجزأً، والمخاطر النظامية محدودة حالياً، ولكن فصل الترميز في تقرير الاستقرار المالي العالمي لشهر أكتوبر 2026، يركز على ما يمكن أن يحدث عندما تصبح هذه البنية جزءاً أساسياً من إصدار الأصول وتداولها وتسويتها.

    ما ترميز الأصول وكيف يعمل؟

    في السوق التقليدية، تمر عملية شراء سند أو سهم عبر أطراف وسجلات متعددة، تبدأ بالوسيط، وأمين حفظ، ومنصة تداول، ومقاصة، ثم التسوية، ويحتفظ كل طرف بسجلاته ويجري المطابقة مع الأطراف الأخرى قبل اكتمال الصفقة.

    ويضع ترميز الأصول جزءاً أكبر من هذه العملية على سجل رقمي مشترك، فقد يُصدر السند مباشرة على شبكة موزعة، أو يبقى الأصل التقليدي لدى أمين حفظ وتصدر جهة ما رمزاً يمثل حقاً فيه، وتساعد العقود الذكية - وهي برامج تنفذ قواعد محددة تلقائياً - في تطبيق شروط مثل أهلية المستثمر وتوزيع العائد ونقل الملكية والتسوية.

    ولا يعني ذلك أن الرمز يمنح حامله دائماً ملكية قانونية مباشرة للأصل، فقد يكون الرمز دليلاً على ملكية فعلية، أو مطالبة على أصل محفوظ لدى جهة وسيطة، أو تعرضاً اقتصادياً لسعر أصل عبر هيكل مالي آخر، ولهذا تصبح حقوق المالك، والحفظ، ونهائية التسوية، والإفلاس، والقانون المطبق عبر الحدود عناصر جوهرية في تقييم المنتج.

    ولا يساوي الترميز العملات المشفرة، فصندوق النقد يركز على تمثيل الأصول والالتزامات المالية، مثل السندات وصناديق أسواق النقد والأسهم واتفاقات إعادة الشراء، ويستبعد بيتكوين وإيثر من هذا التعريف.

    ترميز الأصول

    سوق صغير ونمو سريع

    بلغت قيمة الأصول الحقيقية المرمّزة المتاحة علناً، باستثناء اتفاقات إعادة الشراء، نحو 65 مليار دولار في يوليو 2026، وفق تقديرات الصندوق، وبلغت سوق السندات المرمّزة الخاصة ما لا يقل عن 8 مليارات دولار، أما متوسط تداولات الريبو المرمّز خلال 30 يوماً فبلغ نحو 303 مليارات دولار يومياً، وهو رقم يقيس النشاط التداولي لا قيمة أصول قائمة، ويرتبط هذا النشاط بإمكان استخدام التقنية في نقل الضمانات وإدارتها بكفاءة أكبر.

    لكن هذه السوق تظل ضئيلة مقارنة بالأسواق التقليدية، إذ تعادل الأصول المرمّزة العامة نحو 0.2% من سندات الخزانة الأميركية القائمة و0.12% من القيمة السوقية لمؤشر "S&P 500"، كما يصف الصندوق أسواق الأسهم المرمّزة بأنها أقل سيولة وأكثر تقلباً وتجزؤاً من نظيراتها التقليدية، رغم ما تتيحه من تداول مستمر وملكية جزئية.

    ترميز الأصول.. كفاءة أسرع لكن سيولة غير مضمونة

    يمكن للترميز أن يقلل عمليات المطابقة بين السجلات، ويرفع شفافية الحيازات، ويتيح تسوية أسرع وتنفيذاً أكثر أتمتة، وتشير أدلة أولية أوردها الصندوق إلى أن السندات المرمّزة قد ترتبط بتكاليف إصدار أقل وفروق أضيق بين سعري الشراء والبيع مقارنة بسندات تقليدية مماثلة.

    لكن سرعة التسوية ليست مكسباً خالصاً في كل الظروف، فالتسوية الذرية، التي لا تنفذ فيها الصفقة إلا بانتقال الأصل والنقد معاً، تقلص خطر عدم تسلم أحد الطرفين ما يستحقه، ولكنها قد تتطلب من الأطراف توفير النقد أو الضمانات مسبقاً، ما يرفع احتياجات السيولة خلال اليوم.

    وعند ضغط الأسواق، يمكن أن يتحول هذا الطلب الفوري على السيولة إلى عامل يدفع المؤسسات إلى بيع أصول بسرعة لتأمين النقد، ولذلك يحذر الصندوق من أن البنية الأسرع قد تختصر زمن انتقال الصدمة، بدلاً من أن تلغيها.

    اقرأ أيضاً: قانون كلاريتي يتعثر.. خلافات تعطل تنظيم العملات المشفرة

    كيف تتحول الرافعة والبرمجيات إلى خطر مالي؟

    لا يخلق الترميز الرافعة المالية من العدم، لكنه قد يسهل نقل الضمانات وإعادة استخدامها بين منصات ومعاملات مترابطة، وإذا استُخدم الأصل المرمّز نفسه كضمان في أكثر من سلسلة تمويل، قد تطول سلسلة الضمانات وتتسارع عملية خفض الرافعة عندما ترتفع التقلبات.

    وتزداد المخاطر مع التداول على مدار الساعة، وطلبات الهامش والتصفية الآلية، ففي غياب قواطع تداول وضوابط للسيولة، قد تؤدي قواعد برمجية متشابهة إلى عمليات بيع متزامنة تعزز هبوط الأسعار.

    وتأتي طبقة إضافية من المخاطر من الاعتماد على العقود الذكية، والجسور التي تربط شبكات مختلفة، ومزودي البيانات الخارجيين، والمنصات، والحوسبة السحابية، فتعطل نقطة مركزية أو خلل برمجي أو هجوم سيبراني قد ينتقل إلى أكثر من سوق، خاصة إذا تركز النشاط في عدد محدود من الشبكات ومقدمي الخدمات.

    ما الذي يطلبه صندوق النقد من الجهات الرقابية؟

    يدعو الصندوق إلى نهج "النشاط نفسه، الخطر نفسه، النتيجة التنظيمية نفسها"، بدلاً من معاملة المنتج باعتباره آمناً أو خطراً لمجرد استخدامه البلوك تشين.

    ويشمل ذلك وضوحاً قانونياً بشأن الملكية والتحويل والإفلاس، وتشغيلاً بينياً بين الشبكات لا يخلق نقاط هشاشة جديدة، وتسوية الأصول المرمّزة بأموال آمنة ومقبولة على نطاق واسع، كما يوصي الصندوق بمراقبة الروابط بين السوق المرمّزة والأسواق التقليدية، وإجراء اختبارات ضغط للسيولة، ووضع قواطع تداول وإجراءات حماية من البيع القسري.

    ولا يخشى صندوق النقد من حجم سوق ترميز الأصول اليوم، بل من أن تنتقل إليها مواطن الضعف التقليدية نفسها، من السيولة والرافعة والترابط، عبر بنية أسرع وأكثر اعتماداً على البرمجيات، ولكن نجاح التقنية - وفق التقرير - يتوقف على بناء قواعد الملكية والرقابة والسيولة، قبل أن يصبح التوسع أكبر من قدرة البنية المالية على احتوائه.