أخفق مشروع "قانون كلاريتي" لتنظيم سوق الأصول الرقمية في تجاوز تصويت إجرائي بمجلس الشيوخ الأمريكي، بعدما فشل في الحصول على 60 صوتًا اللازمة للمضي قدمًا في مساره التشريعي، وسط خلافات بشأن تضارب المصالح المرتبط بأنشطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في العملات المشفرة، إلى جانب الجدل حول عوائد العملات المستقرة.
وكان مشروع القانون، الذي طال انتظاره وتسعى شركات العملات المشفرة إلى إقراره، يستهدف وضع إطار تنظيمي أكثر وضوحًا لسوق الأصول الرقمية وتحديد اختصاصات الجهات المسؤولة عن الإشراف على القطاع.
وتمثل نتيجة التصويت ضربة لقطاع العملات المشفرة، الذي أنفق مبالغ كبيرة وبذل جهودًا على مدى سنوات لدفع الكونغرس نحو إقرار قواعد أكثر وضوحًا واستقرارًا لتنظيم السوق، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
تعديلات لم تنه اعتراضات الديمقراطيين
طرح الجمهوريون قبل التصويت نسخة محدثة من مشروع قانون كلاريتي، تضمنت تعديلات تستهدف معالجة عدد من اعتراضات الديمقراطيين، خاصة ما يتعلق بتضارب المصالح ومكافحة الجرائم المالية، إلى جانب قواعد التعامل مع المكافآت أو الفوائد المرتبطة بالعملات المستقرة.
ورغم التعديلات، لم تنجح الصيغة الجديدة في توفير الدعم الكافي لتمرير المشروع، إذ ظلت الضمانات المرتبطة بتضارب المصالح وعوائد العملات المستقرة من أبرز نقاط الخلاف.
تضارب المصالح وعلاقات ترامب بالعملات المشفرة
ظل ملف تضارب المصالح أحد أبرز أسباب الخلاف حول مشروع القانون، في ظل ارتباط الرئيس دونالد ترامب وعائلته بأنشطة واستثمارات في قطاع العملات المشفرة، ومن بينها شركة "وورلد ليبرتي فاينانشال"،
وأصبحت المكاسب التي حققها ترامب وعائلته من أنشطة العملات المشفرة محورًا رئيسيًا في النقاش داخل مجلس الشيوخ، وسط مطالبات ديمقراطية بفرض قيود وضمانات أكثر صرامة لمنع المسؤولين الفيدراليين من الاستفادة ماليًا من القطاع الذي يشاركون في وضع قواعد تنظيمه.
وتضمنت التعديلات منح المدعين العامين في الولايات سلطات إضافية لتنفيذ بعض أحكام تضارب المصالح، إلى جانب وزارة العدل، إلا أن معارضي المشروع رأوا أن هذه الإجراءات لا تزال غير كافية لمعالجة مخاوفهم.
جدل حول عوائد العملات المستقرة
مثلت العوائد والمكافآت التي يمكن أن تقدمها شركات العملات المشفرة لحائزي العملات المستقرة نقطة خلاف رئيسية أخرى بين قطاع الأصول الرقمية والبنوك التقليدية.
وتضمنت النسخة المحدثة من المشروع آلية تسمح بالتدخل للحد من هذه العوائد إذا أدت إلى خروج كبير للودائع من النظام المصرفي، إلا أن جهات مصرفية اعتبرت أن هذه الآلية لا توفر ضمانة كافية.
وتخشى البنوك من أن يؤدي السماح لشركات الأصول الرقمية بتقديم مكافآت أو عوائد على العملات المستقرة إلى انتقال جزء من الودائع من البنوك، خاصة المؤسسات المصرفية المحلية، إلى شركات العملات المشفرة.
وفي تعليقه على مشروع القانون، قال الدكتور عمرو يوسف، أستاذ التشريعات الاقتصادية، إن قانون كلاريتي يستهدف الإجابة عن أحد أهم الأسئلة المتعلقة بقطاع العملات المشفرة في الولايات المتحدة، وهو تحديد الجهة المسؤولة عن ترخيص وتنظيم كل نوع من الأصول الرقمية.
وأوضح يوسف أن هناك جهتين رئيسيتين تتوليان تنظيم أدوات الاستثمار في الولايات المتحدة، هما هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية وهيئة تداول السلع الآجلة الأمريكية.
وأضاف أنه إذا جرى تصنيف العملة المشفرة باعتبارها أداة مالية أو ورقة مالية، فإن مسؤولية تنظيمها تقع تحت إشراف هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، بينما إذا تم تصنيفها باعتبارها سلعة أو سلعة رقمية مشفرة، فإن تنظيمها يقع تحت إشراف هيئة تداول السلع الآجلة الأمريكية.
قانون كلاريتي.. أوسع من المحاولات السابقة
وأكد يوسف أن أهمية قانون كلاريتي تأتي بعد محاولات تشريعية سابقة خلال العامين الماضيين، من بينها مشروع فيت 21 موضحًا أن كلاريتي أكثر اتساعًا وشمولًا في التعامل مع قطاع العملات المشفرة.
وأشار إلى وجود قانون جينيوس الذي ينظم عمل العملات المستقرة، مثل يو إس دي كوين وتيثر، ويتناول الشركات المصدرة لهذه العملات والاحتياطيات المرتبطة بها، في حين يستهدف قانون كلاريتي تنظيم قطاع العملات المشفرة بصورة أوسع.
قد يهمّك أيضًا: العملات المشفرة لعائلة ترامب تحفز الأسواق الرقمية
غسل الأموال وحماية المستثمرين
وقال يوسف إن اعتراضات الديمقراطيين على "كلاريتي" لا تتعلق برفض تنظيم القطاع في حد ذاته، وإنما تتركز على مجموعة من النقاط التي يطالبون بتشديدها، وفي مقدمتها تضارب المصالح وغسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة وحماية المستثمرين.
وأوضح أن هناك مخاوف من أن يؤدي القانون، إذا لم يتضمن ضوابط كافية، إلى إضعاف حماية المستثمرين في الولايات المتحدة.
وأشار إلى أن قواعد هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية أكثر تشددًا من قواعد هيئة تداول السلع الآجلة الأمريكية، وهو ما يفسر جانبًا من الخلاف حول كيفية تصنيف الأصول الرقمية والجهة التي يجب أن تتولى الإشراف عليها.
صلاحيات رقابية أوسع
ويرى مؤيدو مشروع القانون أنه يوفر قواعد أكثر وضوحًا للإشراف على بورصات الأصول الرقمية والتداول الفوري للعملات المشفرة، إلى جانب تحديد نطاق اختصاص كل من هيئة الأوراق المالية والبورصات وهيئة تداول السلع الآجلة.
وقال يوسف إن إقرار القانون كان سيمنح هيئة تداول السلع الآجلة دورًا أكبر في تنظيم قطاع العملات المشفرة، خاصة بالنسبة للأصول التي يتم تصنيفها باعتبارها سلعًا رقمية.
وأضاف أن النقاش حول العملات المستقرة يظل مرتبطًا كذلك بالبنوك التجارية، خاصة فيما يتعلق بالعوائد أو الفوائد التي يمكن أن تقدمها شركات الأصول الرقمية للمستثمرين، وهي القضية التي أصبحت إحدى أبرز نقاط الخلاف بين القطاع المصرفي وشركات العملات المشفرة.
ويعني تعثر التصويت أن مشروع كلاريتي لم يتمكن حتى الآن من تجاوز المرحلة الإجرائية اللازمة لبدء مناقشته، بينما تستمر هيئة الأوراق المالية والبورصات وهيئة تداول السلع الآجلة في ممارسة اختصاصاتهما الحالية في سوق الأصول الرقمية.
اقرأ أيضًا: كيف أدت قفزات العملات الرقمية إلى ولادة مليارديرات
