70 تريليون دولار في غرفة واحدة.. هكذا يمكن وصف المشهد الاقتصادي المصاحب لمأدبة العشاء التي يقيمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على شرف زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ في البيت الأبيض، الخميس 24 سبتمبر 2026.
المأدبة تجمع نخبة من أبرز قادة التكنولوجيا والمال والصناعة في الولايات المتحدة والصين، بينهم إيلون ماسك، وجيف بيزوس، وجيمي ديمون، وجين فريزر، وجنسن هوانغ، وسام ألتمان، وسوندار بيتشاي، ومايكل ديل وتيم كوك ورؤساء شركات BYD وشاومي ورؤساء شركتي تصنيع البطاريات CATL وGotion، وشركة الإلكترونيات الاستهلاكية Hisense، وشركة قطع غيار السيارات Wanxiang، وبنك الصين المملوك للدولة، ومجموعة COFCO الزراعية.
وبحسب القائمة المعلنة للحضور، فإن شركات يمثلها هؤلاء القادة تنتمي إلى قطاعات تمتد من الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات إلى التجارة الإلكترونية والسيارات الكهربائية والخدمات المالية.
70 تريليون دولار على الطاولة
رقم 70 تريليون دولار هنا يعكس الحجم الاقتصادي والمالي الهائل الذي يجتمع في هذه المناسبة، من الاقتصادات التي يمثلها الرئيسان، إلى قيم الشركات والثروات الشخصية لعدد من كبار الحاضرين.
فالاقتصادان الأميركي والصيني وحدهما تتجاوز قيمتهما 50 تريليون دولار، بينما تتجاوز قيمة الشركات المرتبطة بالحضور 20 تريليون دولار، وتصل الثروات الشخصية لنخبة رجال الأعمال المشاركين إلى نحو 1.8 تريليون دولار.
وبذلك لا تبدو المأدبة مجرد مناسبة بروتوكولية، بل تجمعًا استثنائيًا لقادة يملكون نفوذًا مباشرًا على التكنولوجيا والأسواق والاستثمار وسلاسل الإمداد العالمية.
لكن الأهم أن هذه القوة الاقتصادية الضخمة تجتمع في لحظة شديدة الحساسية بين واشنطن وبكين.
هدنة التجارة أول الملفات
في مقدمة الملفات التي سيبحثها ترامب وشي جين بينغ مستقبل الهدنة التجارية بين البلدين.
الهدنة الحالية، التي خففت جزءًا من التصعيد الجمركي بين أكبر اقتصادين في العالم، من المقرر أن تنتهي في 10 نوفمبر، ما يضع تمديدها على رأس أولويات القمة.
وتحاول واشنطن وبكين البناء على الاتفاقات التي جرى التوصل إليها خلال الاجتماعات السابقة، لكن الخلافات لم تختفِ.
اقرأ أيضا: ما الذي يريده "شي" و"ترامب" من قمة واشنطن؟
فالولايات المتحدة تريد مزيدًا من الالتزامات الصينية بشأن التجارة والوصول إلى الأسواق والمواد الاستراتيجية، بينما تسعى بكين إلى ضمان استمرار التهدئة التجارية وتجنب العودة إلى موجة جديدة من الرسوم الجمركية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر مع استمرار الفائض التجاري الصيني الضخم، الذي يتجه لتجاوز المستوى القياسي المسجل في 2025 والبالغ نحو 1.2 تريليون دولار.
الذكاء الاصطناعي في قلب القمة
الملف الثاني هو الذكاء الاصطناعي، الذي تحول من قطاع اقتصادي إلى قضية مرتبطة بالأمن القومي والتنافس التكنولوجي بين البلدين.
وتحاول واشنطن وبكين إنشاء آلية للحوار حول سلامة الذكاء الاصطناعي، في وقت تتسابق فيه الشركتان العملاقتان، ومعهما شركات أخرى، على تطوير النماذج والرقائق والبنية التحتية اللازمة للجيل المقبل من التكنولوجيا.

ومن هنا تأتي أهمية حضور أسماء مثل جنسن هوانغ من إنفيديا، وسام ألتمان من OpenAI، وسوندار بيتشاي من غوغل، وإيلون ماسك إلى مأدبة تجمع الرئيسين.
المسألة لم تعد تتعلق فقط بمن يطور نموذج ذكاء اصطناعي أكثر تقدمًا، بل بمن يمتلك الرقائق ومراكز البيانات والطاقة والبرمجيات وسلاسل الإمداد اللازمة لتوسيع هذه التكنولوجيا.
وتبحث واشنطن وبكين أيضًا آليات للتواصل بشأن حوادث الذكاء الاصطناعي ذات الطابع الحساس، بما يقلل مخاطر سوء الفهم بين القوتين.
المعادن النادرة.. ورقة الصين
المعادن النادرة ستكون كذلك على طاولة المفاوضات.
هذه المواد تدخل في صناعات استراتيجية تشمل السيارات الكهربائية والإلكترونيات وأشباه الموصلات والأنظمة الدفاعية، وتمثل الصين لاعبًا رئيسيًا في سلاسل إمدادها العالمية.
ولهذا تحاول واشنطن الحصول على ضمانات بشأن تدفق هذه المعادن، بينما تستخدم بكين قدرتها على التحكم في الصادرات باعتبارها إحدى أهم أوراقها في التفاوض التجاري.
وتشير التقارير إلى أن الخلاف حول القيود الصينية على صادرات المعادن النادرة لا يزال قائمًا، رغم المحاولات المستمرة لتجنب عودة التصعيد التجاري.
إيران والممرات المائية
لكن القمة لا تتوقف عند التجارة والتكنولوجيا.
الحرب في إيران وتداعياتها على أسواق الطاقة والممرات المائية ستكون حاضرة أيضًا في النقاشات.
الصين، التي تعتمد على واردات ضخمة من الطاقة، لديها مصلحة مباشرة في عدم اتساع نطاق الحرب وتحولها إلى أزمة أكبر تؤثر في إمدادات النفط والغاز وحركة التجارة العالمية.
ومن الجانب الأميركي، تأتي القضية في وقت تتداخل فيه ملفات الأمن والطاقة والتجارة، ما يجعل أي اضطراب في الممرات البحرية قضية اقتصادية إلى جانب كونها جيوسياسية.
وتبحث بكين كذلك عن دور دبلوماسي في احتواء التوترات الإقليمية، خصوصًا مع المخاوف من امتداد تداعيات الحرب إلى مناطق أخرى في الشرق الأوسط.
تايوان.. الملف الأصعب بين ترامب وشي جين بينغ
أما الملف الأكثر حساسية سياسيًا فهو تايوان.
بكين تريد تقليص الدعم الأميركي لتايوان، بينما تعتبر واشنطن الجزيرة جزءًا أساسيًا من حساباتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ولهذا فإن أي نقاش بين ترامب وشي حول تايوان سيكون مرتبطًا أيضًا بملفات التكنولوجيا وأشباه الموصلات والأمن الإقليمي.
وتزداد حساسية الملف لأن تايوان تمثل مركزًا مهمًا في صناعة الرقائق المتقدمة، ما يجعل القضية مرتبطة مباشرة بالتنافس الاقتصادي والتكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين.
فول الصويا وطائرات بوينغ
هناك أيضًا ملفات تجارية أكثر مباشرة، أبرزها المنتجات الزراعية والطائرات.
الصين سبق أن تعهدت بشراء 25 مليون طن من فول الصويا، إضافة إلى 17 مليار دولار سنويًا من المنتجات الزراعية الأميركية الأخرى.
كما تعهدت الصين بشراء طائرات من شركة بوينغ، لكن تنفيذ هذه الالتزامات ظل موضع متابعة، في ظل عدم تحول التعهدات السابقة بالكامل إلى طلبات فعلية حتى الآن.
وهنا تظهر أهمية وجود قادة الشركات الأميركية في المشهد.
اقرأ أيضا: لغز تراجع الاستثمارات في الصين
فما يريده قطاع الأعمال ليس فقط تجنب الرسوم الجمركية، وإنما أيضًا ضمان الوصول إلى السوق الصينية، واستقرار سلاسل الإمداد، وتقليل القيود على التكنولوجيا والمواد الأساسية.
اقتصادان لا يستطيعان الانفصال
المفارقة في علاقة واشنطن وبكين أن البلدين يتنافسان بشدة، لكنهما في الوقت نفسه مرتبطان اقتصاديًا بصورة يصعب تجاهلها.
الولايات المتحدة تريد الحفاظ على تفوقها في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة، بينما تعمل الصين على تعزيز قدراتها الصناعية والتكنولوجية وتقليل اعتمادها على الخارج.
وفي المقابل، تحتاج الشركات الأميركية إلى السوق الصينية وسلاسل التصنيع العالمية، بينما تحتاج الصين إلى الأسواق الخارجية والتكنولوجيا والاستثمار والتجارة.
وهذا ما يجعل حضور عمالقة التكنولوجيا والمال إلى مأدبة ترامب وشي جين بينغ ذا دلالة اقتصادية واضحة.
فوراء الصور الرسمية والمائدة الفاخرة توجد ملفات يمكن أن تؤثر في أسعار السلع، وحركة التجارة، وأسواق الأسهم، وسلاسل الإمداد، وتكاليف التكنولوجيا والطاقة حول العالم.
مفترق اقتصادي عالمي
زيارة شي جين بينغ إلى واشنطن هي الأولى له إلى العاصمة الأميركية منذ أكثر من عقد، وتأتي في وقت تحاول فيه واشنطن وبكين إدارة خلافاتهما بدلًا من السماح لها بالتحول مجددًا إلى مواجهة تجارية شاملة.
ولهذا ستتركز الأنظار على ما إذا كان الطرفان سيتمكنان من تمديد الهدنة التجارية، وتحقيق تقدم في ملف المعادن النادرة، وفتح قنوات للحوار حول الذكاء الاصطناعي، إلى جانب التعامل مع ملفات إيران وتايوان والتجارة الزراعية والطائرات.
وفي النهاية، فإن ما يجري بين ترامب وشي جين بينغ لا يتعلق فقط بعلاقة دولتين.
إنه صراع وتعاون في الوقت نفسه بين أكبر اقتصادين في العالم، وفي ظل حجم التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد التي تربطهما، فإن أي اتفاق أو خلاف بين واشنطن وبكين يمكن أن تتجاوز تداعياته حدود البلدين لتصل إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
اقرا أيضا: “مشروع فولت”: سلاح ترامب لكسر هيمنة الصين على المعادن
