اقتصادات عالمية

    ما الذي يريده "شي" و"ترامب" من قمة واشنطن؟

    بقلم باسل محمود••آخر تحديث •4 دقائق
    واشنطن
    لقاء سابق للرئيس الصيني ونظيره الأميركي

    يصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة بين 23 و25 سبتمبر في أول زيارة دولة له إلى واشنطن منذ أكثر من عقد، وسط اختبار صعب للانفراج الذي أعقب المواجهة التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم.

    وتجمع قمة واشنطن المرتقبة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ملفات التجارة والذكاء الاصطناعي وإيران وتايوان، لكنها تتمحور عملياً حول إمكانية تثبيت التهدئة بين البلدين، قبل أن تعود الرسوم الجمركية والصدامات التقنية إلى الواجهة.

    نوفمبر يعيد التجارة إلى صدارة القمة

    تأتي القمة قبل أقل من شهرين من 10 نوفمبر، وهو الموعد الذي تنتهي فيه فترة تعليق الولايات المتحدة للرسوم الجمركية المتبادلة المرتفعة على الصين، مع بقاء رسم متبادل بنسبة 10% سارياً خلال فترة التعليق.

    لهذا لن تكون المفاوضات بشأن تجارة جديدة فقط، بل بشأن تمديد الترتيبات التي جنّبت الأسواق منذ تفاهم "بوسان" في أكتوبر 2025، جولة جديدة من الرسوم والقيود المتبادلة، ولكن البيت الأبيض، لم يشير إلى تمديد أُقر بالفعل لهذا التفاهم، ما يجعل القمة محطة تفاوضية أكثر من كونها مناسبة لإعلان اتفاق مكتمل.

    وتملك بكين وواشنطن حزمة من التعهدات السابقة التي قد تساعد في إنتاج مخرجات سياسية سريعة، فقد التزمت الصين بشراء ما لا يقل عن 25 مليون طن من فول الصويا الأميركي سنوياً بين 2026 و2028، إضافة إلى منتجات زراعية أميركية بقيمة لا تقل عن 17 مليار دولار سنوياً، وفق إعلانين سابقين للإدارة الأميركية، كما وافقت في مايو على شراء أولي لـ200 طائرة من "بوينغ".

    لكن هذه التعهدات لا تعني أن التنفيذ اكتمل، بل تمثل بنوداً ستعود إلى الطاولة لقياس مدى التزام كل طرف بما تعهد به، وتبقى المعادن الأرضية النادرة في قلب الخلاف بين أكبر اقتصادين في العالم، لأنها تدخل في صناعات تمتد من السيارات الكهربائية إلى الرقائق وأنظمة الدفاع، فواشنطن تريد ضمان تدفقها، بينما ترى بكين أن القيود الأميركية على التكنولوجيا المتقدمة تمس قدرتها على المنافسة الصناعية.

    واشنطن

    الذكاء الاصطناعي.. حواجز أمان داخل سباق مفتوح

    يتحرك ملف الذكاء الاصطناعي بين الصين وأميركا في اتجاه مختلف عن التجارة، فالطرفان يتنافسان على الرقائق والنماذج والحوسبة، لكنهما يبحثان في الوقت ذاته عن آلية تمنع حادثاً تقنياً أو أمنياً من التحول إلى أزمة بين الدولتين.

    واقترح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إنشاء آلية إخطار متبادلة بالحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي قد تمس الأمن القومي، بعد محادثات مع نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ في نيويورك، إلا أن هذه الآلية ما تزال مقترحاً أميركياً، وليست اتفاقاً نافذاً أو قواعد مشتركة ملزمة.

    وتكشف هذه النقطة مفارقة القمة، فواشنطن وبكين تريدان الحفاظ على تفوقهما في السباق التكنولوجي، لكنهما تدركان أن غياب أي قناة اتصال قد يرفع كلفة سوء الفهم في مجال تتسارع فيه التطورات بشكل سريع للغاية.

    اقرأ أيضاً: اتفاق أمريكا والصين.. هدنة تجارية أم فخ اقتصادي جديد؟

    إيران تضيف الطاقة إلى جدول أعمال قمة واشنطن

    لا تنفصل قمة واشنطن عن الحرب في إيران واضطراب الطرق البحرية للطاقة، فقد التقى وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيره الإيراني عباس عراقجي في بكين خلال سبتمبر، ودعا إلى إعادة فتح مضيق هرمز وضمان استقرار نقل الطاقة، مع رفض امتداد التوتر إلى اليمن والبحر الأحمر.

    وتزداد حساسية الملف بالنسبة إلى الصين مع اعتمادها الكبير على واردات الطاقة، ومع اتساع المخاطر في البحر الأحمر، كما أن إغلاق خط أنابيب سعودي باتجاه البحر الأحمر بعد هجمات حوثية، يوضح كيف يمكن للتوتر الإقليمي أن ينتقل سريعاً من ساحات الصراع إلى تكلفة الشحن وأسعار النفط.

    وقد تطلب واشنطن من بكين استخدام قنواتها مع طهران للضغط نحو خفض التصعيد، لكن ذلك لا يعني وجود اتفاق صيني أميركي، على لعب دور وساطة مباشر، فالمصلحة الصينية الأساسية تتمثل في حماية تدفقات الطاقة، ومنع الحرب من إرباك تجارتها واقتصادها.

    اقرأ أيضاً: إيران.. هل تُطيح بـ”الهدنة التجارية” بين أمريكا والصين؟

    تايوان.. الملف الذي لا تحله الصفقات التجارية

    إذا كانت التجارة تسمح بالمساومة، فإن تايوان تضع حدوداً واضحة لها، فبكين تعدها جزءاً من أراضيها، بينما تواصل واشنطن دعم تايبيه عسكرياً، ما يجعل الملف حاضراً في كل لقاء بين القيادتين حتى عندما لا ينتج عنه اتفاق.

    وأبلغت الإدارة الأميركية الكونغرس في ديسمبر 2025 بثماني صفقات أسلحة محتملة لتايوان بقيمة 11.1 مليار دولار، وهي إخطارات لمبيعات مقترحة وليست أسلحة سُلّمت بالفعل، كما بقيت حزمة أخرى تقدر بنحو 14 مليار دولار قيد المراجعة والتأجيل بعد قمة مايو.

    ووصف ترامب في مايو مبيعات السلاح لتايوان بأنها ورقة تفاوض في التعامل مع الصين، لكنه امتنع عن إعطاء تعهد واضح بشأن تدخل عسكري أميركي إذا اندلع نزاع في مضيق تايوان، ولذلك قد يتيح اللقاء للطرفين إدارة التوتر، لكنه لا يغير جوهر الخلاف المرتبط بالسيادة وتوازن القوة وسلاسل توريد الرقائق.

    دبلوماسية القادة.. هدنة لا تسوية

    تراهن بكين على تكرار اللقاءات بين الرئيسين لتجاوز الخلافات التي يصعب على المؤسسات والوفود الفنية حلها، وقالت الخارجية الصينية إن "دبلوماسية رؤساء الدول" تؤدي دوراً لا يمكن استبداله في التوجيه الاستراتيجي للعلاقات، ووصفت تبادل الزيارات خلال ستة أشهر بأنه محطة ذات أهمية تاريخية.

    لكن نجاح القمة سيقاس بما بعد مراسم الاستقبال والعشاء الرسمي، عبر ما سيصل إليه الزعيمان في قضايا تمديد الهدنة الجمركية، وتحويل وعود التجارة إلى تنفيذ، وفتح قناة عملية للذكاء الاصطناعي، ومنع إيران وتايوان من سحب العلاقة مجدداً إلى مواجهة أوسع، فالقمة قد تمنح الاقتصاد العالمي فترة هدوء جديدة، لكنها لن تنهي التنافس الذي أصبح جزءاً ثابتاً من العلاقة بين واشنطن وبكين.