تنتظر الحكومة الإسرائيلية الجديدة تحديات اقتصادية متزايدة، في ظل ارتفاع الإنفاق العسكري والدين العام، وتفاقم أزمة الإسكان واستمرار هجرة الكفاءات، ما يضعها أمام اختبار صعب لتحقيق التوازن بين المتطلبات الأمنية والاقتصادية، وسط مخاوف من استمرار استنزاف الموارد المالية وتراجع فرص تعافي الاقتصاد الإسرائيلي .
وقالت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، إن الاقتصاد الإسرائيلي يواجه ضغوطا متصاعدة نتيجة استمرار الحروب والارتفاع الكبير في الإنفاق العسكري، إلى جانب تزايد الدين العام وتراجع الأداء الاقتصادي، مشيرة إلى أن السنوات الثلاث الماضية شهدت استنزافًا واسعًا للموارد المالية، رغم استمرار حاجة الجيش إلى مخصصات إضافية.
وأوضحت أن الإنفاق العسكري تضاعف من نحو 4% إلى 8% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما ارتفعت نسبة الدين العام إلى نحو 70%، في وقت بلغت فيه موازنة الدفاع لعام 2026 نحو 158 مليار شيكل، مع مطالبات بزيادتها إلى نحو 183 مليار شيكل.
وأضافت أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعهد بتخصيص 450 مليار شيكل إضافية للإنفاق العسكري على مدى عشر سنوات، ما يعكس توجهًا نحو استمرار التوسع في المخصصات الدفاعية خلال السنوات المقبلة، رغم الضغوط التي تواجه المالية العامة.
ولفتت إلى أن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير تحدث عن استنزاف المخزونات العسكرية، رغم الزيادة الكبيرة في الإنفاق الدفاعي، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي يواجهها الجيش نتيجة استمرار العمليات العسكرية.
الإنفاق العسكري يضغط على الاستثمارات والقطاعات المدنية
وأشارت خضر إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي تعرض لسلسلة من الأزمات المتلاحقة، بدأت بتداعيات جائحة كورونا، مرورًا بالخلافات المرتبطة بالتعديلات القضائية، وصولًا إلى الحرب في غزة واستمرار التوترات العسكرية على عدة جبهات.
وأضافت أن غياب أفق سياسي واضح لإنهاء الصراعات القائمة يزيد احتمالات استمرار المواجهات العسكرية، سواء على المسار الفلسطيني أو الإيراني أو غيرهما، الأمر الذي يرفع تكلفة الإنفاق الدفاعي ويؤثر سلبًا في الاستثمارات التي يحتاج إليها الاقتصاد.
وأكدت أن المشكلة لا تقتصر على حجم المخصصات العسكرية الحالية، وإنما تمتد إلى الالتزامات الدفاعية المستقبلية، في ظل غياب مؤشرات واضحة على انتهاء المواجهات مع الأطراف المختلفة.
وترى أن استمرار هذا الوضع سيضع الحكومات الإسرائيلية المقبلة، بغض النظر عن توجهاتها السياسية، أمام تحديات اقتصادية معقدة، تتعلق بتوفير التمويل اللازم للجيش، بالتزامن مع معالجة الاختلالات المالية والاجتماعية المتراكمة.
5 أزمات تهدد الاقتصاد الإسرائيلي
وحددت الخبيرة الاقتصادية خمسة تحديات رئيسية تواجه الاقتصاد الإسرائيلي، يأتي في مقدمتها تفاقم عجز الموازنة وارتفاع الدين العام، بالتزامن مع الضغوط التي تعرض لها التصنيف الائتماني.
ويتمثل التحدي الثاني في الارتفاع الكبير وغير المستدام للإنفاق العسكري، بينما يرتبط الثالث بأزمة الإسكان وارتفاع أسعار العقارات إلى مستويات تجعل الحصول على مسكن مناسب أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المواطنين.
أما التحدي الرابع، فيتعلق بالطائفة اليهودية المتشددة "الحريديم" ، والخلافات المرتبطة بمشاركتها في سوق العمل والخدمة العسكرية، وسط تقديرات تشير إلى اعتماد نحو 40% من أفراد هذه الفئة على المخصصات الحكومية.
ويتمثل التحدي الخامس في استمرار هجرة الكفاءات والعقول، خاصة العاملين في القطاعات التكنولوجية والصناعات المتقدمة، بما يزيد الضغوط على الاقتصاد الإسرائيلي ويهدد قدرته على الحفاظ على موارده البشرية.
وأكدت خضر أن تزامن هذه الأزمات يضاعف صعوبة الأوضاع الاقتصادية، وينذر باستمرار تداعياتها خلال السنوات المقبلة، خاصة مع محدودية قدرة الحكومة على توجيه موارد إضافية لمعالجة الاختلالات الداخلية.
الانتخابات الإسرائيلية.. الملف الأمني يتقدم على الاقتصاد
وأوضحت مروى خضر أن الملف الأمني أصبح يتصدر أولويات قطاعات واسعة من الناخبين الإسرائيليين، متقدما على الاعتبارات الاقتصادية، في ظل هيمنة الخطاب السياسي المرتبط بالتهديدات الخارجية على الحملات الانتخابية.
ورأت أن بنيامين نتنياهو نجح في توجيه النقاش السياسي نحو القضايا الأمنية، ما جعلها أكثر حضورًا من الملفات الاقتصادية والاجتماعية، رغم تأثير الأخيرة المباشر في مستويات المعيشة.
وأضافت أن اقتراب الانتخابات عادة ما يصاحبه تصاعد الحديث عن التهديد الإيراني والمخاطر المرتبطة بالجبهة اللبنانية والصراع مع الفلسطينيين، الأمر الذي يدفع القضايا الاقتصادية إلى مرتبة متأخرة في اهتمامات قطاعات من الناخبين.
وأشارت إلى أن أحداث السابع من أكتوبر 2023 شكلت نقطة تحول في الوعي السياسي الإسرائيلي، وأسهمت في تصاعد الخطاب الأمني وحالة الاستقطاب الداخلي.
ولفتت إلى أن بعض الأصوات الإسرائيلية وصفت ارتفاع المشاركة الانتخابية للعرب بأنه بمثابة «7 أكتوبر جديد»، وهو توصيف يعكس حدة التوتر السياسي المرتبط بمشاركة المواطنين العرب في العملية الانتخابية.
وأكدت أن استمرار تغليب الاعتبارات الأمنية على القضايا الاقتصادية قد يؤدي إلى بقاء الإنفاق العسكري في مقدمة أولويات الحكومات المقبلة، رغم الأعباء المالية والاجتماعية المتزايدة.
آيزنكوت يطرح زيادة رواتب الجنود وتوسيع التجنيد
وقالت الخبيرة الاقتصادية إن البرامج السياسية المطروحة تعكس استمرار التركيز على الجيش والإنفاق الدفاعي، مشيرة إلى أن جادي آيزنكوت تعهد بزيادة رواتب الجنود بنسبة 15%، ورفع رواتب الجنود المقاتلين بنسبة 50%.
وأضافت أن برنامجه يتضمن تخصيص نحو 20 مليار شيكل لجنود الاحتياط، إلى جانب التعهد بالقضاء على حركة حماس خلال 18 شهرًا، وتوسيع نطاق التجنيد ليشمل جميع الفئات دون استثناء، بما فيها الحريديم.
وأوضحت أن تجنيد الحريديم أصبح من أبرز الملفات الخلافية داخل إسرائيل، خاصة مع اعتراض بعض الأحزاب الدينية على عدم تنفيذ نتنياهو تعهداته السابقة، وظهور مواقف رافضة للمشاركة في التصويت.
واعتبرت أن هذه التطورات تكشف استمرار ارتباط المنافسة السياسية بالملفات العسكرية، في وقت تتزايد فيه الأعباء الاقتصادية المترتبة على توسيع نطاق التجنيد ورفع المخصصات المالية للجيش.
الحريديم والمخصصات الحكومية
وأشارت خضر إلى أن مشاركة الحريديم في سوق العمل والخدمة العسكرية تمثل إحدى القضايا الاقتصادية والاجتماعية المعقدة، في ظل اعتماد قطاعات منهم على المخصصات الحكومية، وانخفاض مشاركتهم في بعض الأنشطة الاقتصادية والعسكرية مقارنة بفئات أخرى.
وأوضحت أن زيادة مشاركة هذه الفئة في سوق العمل يمكن أن تسهم في تخفيف بعض الأعباء المالية عن الحكومة، إلى جانب تعزيز مساهمتها في النشاط الاقتصادي.
وأضافت أن الخلاف لا يقتصر على الخدمة العسكرية، بل يمتد إلى آليات توزيع المخصصات الحكومية وحجم استفادة الفئات المختلفة منها.
ولفتت إلى أن حكومة نتنياهو واجهت انتقادات بسبب تخصيص موارد مالية كبيرة لتلبية مطالب الأحزاب الدينية ودعم المستوطنات، على حساب بنود إنفاق أخرى.
وأكدت أن استمرار هذه السياسات يثير تساؤلات بشأن العدالة في توزيع الموارد العامة، خاصة مع ارتفاع الالتزامات المالية وتزايد الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية.
اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء
وقالت الخبيرة الاقتصادية إن المجتمع الإسرائيلي يعاني تفاوتًا ملحوظًا في مستويات الدخل، مع اتساع الفجوة بين الفئات مرتفعة الدخل والشرائح الأقل دخلًا.
وأوضحت أن إسرائيل تحتل مراتب متأخرة بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من حيث المساواة الاقتصادية، كما تسجل معدلات مرتفعة من الفقر مقارنة بعدد من الدول الأعضاء.
وأضافت أن هذه المؤشرات تعكس هشاشة الأوضاع الاقتصادية لدى قطاعات من المجتمع، رغم امتلاك إسرائيل صناعات متقدمة وقطاعًا تكنولوجيًا يتمتع بقدرات كبيرة.
وأشارت إلى أن أزمة الإسكان تمثل أحد أبرز مظاهر هذه الضغوط، مع الارتفاع الكبير في أسعار العقارات وصعوبة تحمل تكاليف السكن، خاصة بالنسبة إلى الفئات محدودة ومتوسطة الدخل.
وأكدت أن استمرار التفاوت الاقتصادي والاجتماعي سيزيد الأعباء الملقاة على الحكومات المقبلة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الإنفاق على الخدمات والقطاعات المدنية.
هجرة الكفاءات تهدد مستقبل التكنولوجيا
وحذرت خضر من تداعيات استمرار هجرة الإسرائيليين إلى الخارج، مشيرة إلى تقديرات تفيد بأن أعداد المغادرين تصل إلى ما لا يقل عن 70 ألف شخص سنويًا.
وأوضحت أن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في أعداد المغادرين فقط، وإنما في طبيعة الكفاءات التي تغادر، ومن بينها مفكرون ومتخصصون وعاملون في قطاعات التكنولوجيا والصناعات المتقدمة.
وأضافت أن استمرار خروج هذه الكفاءات يثير تساؤلات بشأن قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على الحفاظ على موارده البشرية والتكنولوجية، خاصة أن هذه القطاعات تمثل أحد أهم مصادر قوته الاقتصادية.
وأشارت إلى أن استمرار الأزمات السياسية والأمنية يؤثر في قرارات أصحاب الخبرات بشأن البقاء أو العودة، في ظل حالة عدم اليقين المرتبطة بالمستقبل.
وأكدت أن احتمالات عودة المهاجرين خلال عام 2027، أو في ظل حكومة جديدة، ستظل مرتبطة بحدوث تحولات سياسية واقتصادية تعيد الثقة في الأوضاع الداخلية.
غياب الأفق السياسي يهدد التعافي الاقتصادي
وأوضحت مروى خضر أن استمرار الصراع دون وجود أفق سياسي واضح يجعل الاقتصاد الإسرائيلي عرضة لمزيد من الضغوط، خاصة مع تزايد الحاجة إلى تمويل الإنفاق العسكري.
وأضافت أن أحداث السابع من أكتوبر كشفت أهمية إعادة النظر في السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية، مشيرة إلى أن استمرار الاحتلال وغياب الحل السياسي يبقيان احتمالات تجدد المواجهات قائمة.
وأكدت أن الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولة فلسطينية يمثلان، من وجهة نظرها، جزءًا أساسيًا من أي مسار سياسي يستهدف إنهاء الصراع وتحقيق الاستقرار.
ورأت أن استمرار السياسات الحالية دون تغيير في طريقة التعامل مع القضية الفلسطينية قد يؤدي إلى تكرار المواجهات العسكرية وما يترتب عليها من تكاليف اقتصادية.
وأضافت أن التوصل إلى تسوية سياسية يمكن أن يفتح المجال أمام مرحلة مختلفة من العلاقات الإقليمية، ويساعد على تخفيف الضغوط الناجمة عن استمرار الصراعات.
تجربة التسعينيات والانفتاح الاقتصادي
واستشهدت الخبيرة الاقتصادية بتجربة إسرائيل خلال تسعينيات القرن الماضي، باعتبارها نموذجًا لتأثير التحولات السياسية على النشاط الاقتصادي.
وأوضحت أن الاقتصاد الإسرائيلي كان يواجه صعوبات خلال تلك المرحلة، قبل أن تسهم محادثات أوسلو في عهد إسحاق رابين في فتح المجال أمام انفتاح اقتصادي أوسع.
وأضافت أن الحديث آنذاك عن إمكانية اندماج إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، باعتبارها طرفًا يسعى إلى السلام، ساعد على تحسين فرص التعاون والانفتاح الاقتصادي.
وأكدت أن المقارنة بين تلك المرحلة والظروف الحالية تكشف أهمية وجود قيادة سياسية تتبنى نهجًا مختلفًا في التعامل مع الصراعات الإقليمية.
وترى أن استمرار السياسات التي يتبناها نتنياهو واليمين المتطرف، دون حدوث انفراج سياسي، يحد من فرص الانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارًا على المستويين السياسي والاقتصادي.
الخطاب الإعلامي يعزز المخاوف الأمنية
وأشارت مروى خضر إلى أن الخطاب الإعلامي والسياسي المرتبط بالتهديدات الخارجية يؤدي دورا مؤثرا في تشكيل اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي.
وأوضحت أن تصوير الفلسطينيين والعرب باعتبارهم مصدر تهديد دائم يساهم في تعزيز المخاوف الأمنية، ويؤثر في نظرة قطاعات من المجتمع الإسرائيلي إلى فرص التعايش والتسوية السياسية.
وأضافت أن استمرار الخطاب القائم على التحذير من التهديدات الخارجية قد يدفع الناخبين إلى التركيز على الاعتبارات الأمنية، بدلًا من تقييم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وأداء الحكومات في هذه الملفات.
وأكدت أن تغيير هذا المسار يتطلب وجود قيادة سياسية تتبنى رؤية واضحة للتعايش والاعتراف بالحقوق الفلسطينية، بدلًا من استمرار الاعتماد على الحلول العسكرية في إدارة الصراع.
وشددت على أن تحقيق انفراج سياسي والاعتراف بالحقوق الفلسطينية يمثلان مدخلا أساسيا لتقليل التوترات العسكرية وتهيئة الظروف أمام انفتاح اقتصادي جديد، بدلا من استمرار استنزاف الموارد في مواجهات لا تلوح لها نهاية واضحة.
اقرأ أيضًا: الانتخابات الإسرائيلية.. كيف تتأثر اقتصادات المنطقة؟
